المثقف - قراءات نقدية

قراءة في مجموعة: الذي سرق نجمة لسناء الشّعلان .. انتصار الفكرة واقتناص الشّكل ومغامرة السّرد

830-sanaaنحتفلُ اليوم بولادة منجز إبداعي للأديبة الأردنية د.سناء الشّعلان، وهو مولودها الإبداعي الرّابع عشر في إرثها القصصيّ، وهي مجموعة قصصيّة تتكوّن من أربع عشرة قصّة قصيرة، والاستثنائي في هذه المجموعة أنّ معظم قصصها -قبل أن تنشر في هذا السّفْر- قد نالت الكثير من الجوائز العالميّة والعربيّة، منها:جائزة زحمة كتاب للثقافة والنّشر الدّوليّة، وجائزة أفضل صحفي في جريدة رأي الأمّة، وجائزة صلاح هلال الأدبيّة، وجائزة مهرجان القلم الحرّ للإبداع العربيّ، وجائزة القصّة الومضة العالميّة، وجائزة منظمّة كتّاب بلا حدود، وجائزة أحمد بوزفور للقصّة القصيرة، وجائزة معبر المضيق.

وهذه المجموعة هي تمثيل حقيقيّ وناضج لتجربة الشّعلان في الكتابة القصصيّة؛إذ أنّها تنحاز إلى اللّغة المتفرّدة التي تنتصر للمعمار اللّغوي الرّاقي الذي لا يقبل أن يتنازل عن جماله واستدعاءاته في سبيل مخاطبة المتلقّي ضمن شرائحه كاملة، بل هي تأخذ المتلقي في رحلة لغويّة خاصّة في سهوب من الجمال والانتقاء، لتصل به إلى مبتغى مغامرة الشّكل من أجل حمل الفكرة والرّسالة التي لا يمكن إلاّ أن تكتمل أو توصّف دون التّعاطي مع الثيمات الكبرى في هذه المجموعة التي تتلخّص في الحريّة والخير والجمال في أشكاله المتنوّعة التي تتضافر جميعاً لأجل الثّورة على التّعنصر والقبح والظلم والاستبداد والقسوة.

هذه المجموعة تملك لساناً لا يعرف الخوف أو الازدجار أو التّراجع، ويصمّم على أن يتصدّى للظلّم والظّالمين، ليكون خصمهم الذي لا يعرف مهادنة، هي صوت الثّورة والرّفض والإصرار على الحياة والعدالة والكرامة، هي إعلاء لقيم الجمال في كلّ مكان وزمان، هي تلك الكلمات التي لا نقولها جهراً إلاّ نادراً، في حين نهمس بها سرّاً لأنفسنا في كلّ لحظة.

وتمثّلاً لهذه الكلمات والأفكار والقيم فقد عزفت المجموعة على أكثر من وتر شكليّ، فزاوجت بين الشّكل التّقليديّ والحداثيّ، واستعارت أشكالاً قصصيّة تراثيّة متوالدة، واستسلمت أكثر من مرّة للتّجريب في تكوين معمار الشّكل، وقفزت بين فضاءات مختلفة، واستدعت أنماطاً سرديّة متداخلة لتجهر بما تريد أن تقوله بكلّ صدق وصراحة.

ومن يطّلع على منجز الشّعلان القصصيّ، ويعرف شخصيتها عن قرب، يدرك أنّ هذه المجموعة هي من روحها وطباعها ومراسها الصّعب، كما هي من فكرها، فهي انتصار لفكرة الشّجاعة والإفصاح والاعتراف، وتجريم الفاسدين دون خوف أو مواربة، هي الوجه الإبداعيّ لسناء الشّعلان الإنسانة حيث الإيمان بالنّفس، والإصرار على التّحدي، والانتصار للذّات والكرامة والحقوق على الرّغم من التّحديات والانكسارات والمؤامرات، ولذلك تعلّمنا هذه المجموعة أن نقول "لا" بملء أفواهنا للظّلم والاستلاب والاستبداد والمفسدين واللّصوص وصانعي القبح ومحاربي قيم الجمال والحق والعدالة.

وهذه الفكرة التي تسيطر على هذه المجموعة هي من تقودنا في دروب سردها، وبغير الاهتداء بقبسها لا يمكن أن نجيد أن نفكّ رموز هذه المجموعة، لنقترب من دلالاتها ومبتغاها؛وعندما نقرأ تعويذة هذه الكلمة نجد أنفسنا قد أصبحنا قادرين على الانعتاق في فضاءات هذه المجموعة لنطوف في عوالم مختلفة تعيش جميعها حالة التّجريم للاستلاب؛فنصرخ محتجين ضدّ الحاكم الجائر الذي أعدم الإسكافيّ المسكين بجريرة كذبة صغيرة كذبها على خطيبته، فزعم أنّه سرق لها نجمة ليهديها لها في حفل زفافهما، فما كان من الحاكم الظّالم إلاّ أن استغلّ هذه الكذبة كي يحمّل هذا الرّجل البريء الضّعيف أوزار جرائمه وجرائم حاشيته كي يحوّل نقمة الجماهير المستلبة والمسلوبة إلى وجهة غير حقيقيّة، وينجو وشاكلته من المجرمين المفسدين من تحمّل جرائر أعمالهم الشّريرة.

وسناء الشّعلان إن كانت تحفّزنا على الثّورة على الاستبداد والذّل، إلاّ أنّها تلتزم بخطّها السّاخر الذي ينيم السّخرية في سرير المفارقة حيث تحاصرنا بأحداث قائمة على المفارقة، فننفجر ضاحكين من غرابة ما نرقبه في السّرد من أحداث، ثم لا نلبث أن نجد أنفسنا في مواجهة وجة أسود كئيب اسمه الحزن والواقع المرير، فيختفي الضّحك، ويولد المرار من رحم واقع يجلد الإنسان، ويدوس على كرامته، ويكسر أحلامه، ويصادر حقوقه، فيدفعنا من جديد إلى أن نصرخ "لا" مراراً وتكراراً، وننضمّ إلى شخوص قصصها الذين يعيشون حيوات متناقضة، ويكابدون الألم، ويتنصرون لأحلامهم.

ومن هذا المنطلق نصرخ في قصّة "منامات السّهاد" مع الشّعب ضدّ السّلطة المتعنّتة الظّالمة التي تضلّل الشّعوب، ونتمرّد مع بطلة قصّة "حيث البحر لا يصليّ"، ونرفض الانصياع لعادات مجتمعيّة تقمع حرّياتنا وذواتنا، وننتصر للحبّ الذي يُقابل صدفة هناك في الجبال حيث التّمرّد والرّجال الأشواس ونشوة العشق، فنعيش تفاصيل الهوى والبوح في قصّة" الضّياع في عيني رجل الجيل"، ونتمرّد على سطوة المخدّرات في قصّة "الاستغوار في الجحيم"، وننتصر لجمال السّرد وسحر الكلمات وحريّة اختيار الشّريك في قصّة"جريمة كتابة"، ونعاين مثالب النّفاق الاجتماعيّ في قصّة "سحر وداد"، وندخل عوالم الصّوفيّة وطقوس الجسد في قصّة "راقصة الطّاغيّة"، ونصفّق لبطل قصّة " أبو دوح"، ونطبع قبلة محبّة على جبين بطلة قصّة "غالية سيّدة الحكايا"؛لأنّهما رمزين من رموز برّ الوالدين إذ ينخرطان في أجمل قصص الرّحمة والمحبّة والعرفان التي تنسجها روابط الأمومة والبنّوة، كما نعيش في قصّة "العيون التي ترى" تفاصيل الأخوّة الصّادقة التي تنتصر على عقبات الإعاقة والقيود الاجتماعيّة التي تسجن الإنسانيّة خلف أسوار عالية من الخجل والخوف والنكوص، وفي قصّتي " حدث في مكان ما" و"يوميّات إنسان مهزوم" نعاين أزمة النّفس الإنسانيّة في إزاء تجليّات الضّعف والهزيمة، وهي ترسم لنا خارطة الفشل والإفلاس الإنسانيّ كي نستطيع أن نبتعد عن جغرايتها، ونعدم الدّروب إليها، وننساق نحو شاهق السّعادة والأمل، وننبذ مخاوفنا جانباً لنعيش تجربة النّضال ضدّ كلّ ما يأسرنا، ويسرقنا منّا، ويقدّمنا أسرى لغيرنا.

سناء الشّعلان تكتب بفكرها الواعي لأزمة الإنسان قبل أن تنساق لمشاعرها، وتنطلق من طبيعتها عندما تفكّر بالمتلقّي، فتكون في أصدق لحظاتها منه، هي تريده أن يعيش تجربة الحياة حيث الانتصار للجمال والحريّة، وهي كافرة بامتياز بكلّ قهر وظلم وتجنّي، ومستسلمة لعشقها للجمال والفرح، وتبغي الحريّة للإنسان بغضّ النّظر عن عرقه أو دينه أوجنسه أو معتقداته، ولذلك نجد قصصها في هذه المجموعة تنأى عن تحديد زمان أو مكان للأحداث، بل أنّ الشخصيّات في الغالب تلعب أدوارها القصصيّة دون تعين أسمائها أو تحديد أوطانها والتّعريف بهويتها؛لأنّ الشّعلان تريد أن تعمّم التّجربة والدّرس والفكرة في هذه المجموعة القصصيّة، ولا تريد أن أن تقصرها وتحبسها على أماكن أو أزمان أو شخوص بعينها.هي باختصار تكتب لمشروعها الإنسانيّ الكبير الخارج عن حدود الإقليميّة أو الذّاتيّة، وإن كانت تنطلق منها لحمل رسالتها الإنسانيّة الكبرى، وهي التّمرّد والنّضال لأجل حياة إنسانيّة شريفة عادلة.

830-sanaaوهي تصمّم على تعميم التّجربة الإنسانيّة وتعويمها، وعدم تخصيصها، وهي من تقول في هذه إحدى قصص هذه المجموعة القصصيّة :" تتشابهُ تفاصيل النّاس المهزومين في هذا الكوكب، حتى لا تغدو هناك أيّ أهمية للأسماء أو الأزمان أو الأماكن؛فالحدث والمصير هما البطلان"(1).حتى عندما تتكلّم عن ذاتها تتنكّر لها، وتنكر أنّ اسمها "سناء"، وتسميّ نفسها" سونا"، كي تدخلنا إلى العوالم الإنسانيّة الرّحبة عبر تجربتها الخاصّة التي تقدّمها على استحياء في قصّة"تقاسيم" التي أزعم أنّها سيرة ذاتيّة لها، وليست مجرّد سرد خياليّ، وإن قدّمتها بشكل سرديّ خرافيّ يجمع بين الحقائق والتّخيلات التي تجمع بين التّهويم والتّهويل والإلغاز والتّعميّة، ومن هذه القصّة بالتّحديد نستطيع أن ننطلق في سبر أغوار الفكرة، ورصد جماليّات السّرد، والانسياح في حيوات مفترضة في إزاء حيوات مقهورة مسحوقة مضطهدة.

وهذه القصّة بالتّحديد تمثّل مركزيّة لعبة الشّكل في هذه المجموعة؛فإن كانت هذه القصّة هي جسم سرديّ واحد ينتظم في حكاية الطّفلة "سونا" التي اكتشفت موهبتها في الكتابة، وشرعت تفهم الكون والحياة من منطلق هذه الموهبة، إلاّ أنّ هذه القصّة تُقدّم بطريقة السّرد المتوالد الذي يخرج من رحم القصّة الأم ليقودنا في قصص صغيرة متوالدة، ثم يعود بنا إلى القصّة الأساس لنرى بطلة القصّة، وهي سناء الشعلان دون شكّ تجسّد حياتها وفكرها ومسيرة قلمها في قولها:"الحياة هزيمة كبرى، وهذه الحكاية الأولى في عُرفها، وكي تنتصر على الهزائم لا تنقطع تكتب الحكايا، من الهزيمة صنعت أطواق النّجاة، ومن الموت صنعت بشراً لا يموتون، وفي الفقد زرعت أطرافاً لا تُبتر، وأعضاء لا تعطب، ووهبتها للمحرومين والمنكوبين بعد أن نبتت أحلاماً وفرصاً جديدة، ومن سنابل الجوع صنعت بطوناً لا تعرف الخواء، ومن عناقيد الحرمان جدّلت جدائل الألفة والسّكينة والحبور.هي لا تملك غير الحكاية، تهبها مجاناً لكلّ سائل أو حزين أو باحث عن طريق، تزرعها تحت مخدّتها، وتنام بعد أن تتعوّذ بها من الشّر كلّه الذي لا يمكن أن يمسّ امرأة تتمترس خلف فضيلة الحكاية!"(2)

وهذه المقولة هي ذاتها التي تنفث الحياة في هذه المجموعة القصصيّة، وتستدعي الخرافيّ والأسطوريّ والشّعبيّ والاستشرافيّ، وتجوب عوالم مفترضة، وتعيش تجارب واقعيّة وفنتازيّة، ثم تقف بنا أمام أنفسنا، لتقول لنا بحزم: انتصروا لأنفسكم ولوجودكم ولكرامتم.

كما أنّ هذه القصّة تمثّل كذلك شبكة البناء اللّغويّ في هذه المجموعة؛إذ هي ترسم معمار اللّغة، وتتخيّر أجمل الألفاظ، وتعدّ اللّغة بطلاً لا أداة، وبذلك تتعلّم "سونا" اللّغة العربيّة وفق أصولها، وتجعل التّعامل معها هي قضيتها الكبرى، وتدخل معها في تجربة سيريّة مدهشة لتعلّمها ومجاورتها وتطويعها، لتعيش معها وبها تجربة حبّ غريبة تمثّلها في قولها :"الطّفلة الصّغيرة تحبّ الكلمة بتجلياتها جميعها، تحبّها مكتوبة بشكل حرفيّ، أو مغنّاة بشكل صوتيّ، أو مرسومة على لوحة، هي تجيد الرّسم كثيراً، وعندما تعيها الكلمات، ترسمها تفاصيل على ملامح وجوه من ترسمهم.تتجادل والدتها وزوجة خالها كثيراً في مضمار التّخمينات لمستقبلها، الأم تراها رسّامة شهيرة، وزوجة الخال تراها روائيّة مجيدة، وهي تبحث عن مبراة لقلمها، ولا تأبه بهذا الجدال المكرور".(3)

وهذه البناء اللّغويّ الذي يكون قضيّة ومحور حدث في هذه القصّة، يتمدّد ليصبح هويّة وسمة في قصص هذه المجموعة، لتكون اللّغة بطلاً لا حاملاً أو ناقلاً، وتغدو هدفاً وانتصاراً، لا أداة وطريقة؛فالدّرب الطّويل الشّاق المُعنّى في هذه المجموعة لا يسرق الشّعلان من افنتاتنها باللّغة، بل يكرّس هذا الافتنان في تشكيلات لغويّة تقدّم تمرّداً على السّائد، وتعمّق بصمة اللّغة عندها.

ومن أهم ملامح هذه اللّغة في هذه المجموعة أنّها تستدعي الأنساق التّراثيّة لاسيما النّقليّة منها، مثل أنساق العنعنة والإسناد والتّوثيق لأجل أن تعمّق في المتلقّي أثر الاستيهام في اللّعبّة السّرديّة، فنجد الشّعلان ترفع نصوصها إلى أسانيد وهميّة تعمّق لعبتي السّخرية والمفارقة:"ورد في أسفار المجرّبين والصّالحين المهزومين:"النّوم باب من أبواب البركة المستجلبة، وهو مندوب مُستحبّ عند الخاصّة والعامّة، والاستيقاظ باب من أبواب المنقصة-والمعاذ بالله- وهو مكروه، وفي بعض الأسانيد هو حرام لا خلاف في حرمته.والمستبدّون أعلم"(4)، كما تبدأ بعض القصص بجمل مصنوعة توحي بأنّها أمثال أو عبر أو حكم شائعة، ولكنّها في حقيقة الحال جمل من صنيعة الكاتبة للسّخرية والتندّر، وهي تعدّ عتبة حقيقيّة للدّخول إلى النّص" أفلح من نام، وتعس من استيقظ"، فضلاً عن افتتاح بعض القصص بفواتح سرديّة تشبه ما هو شائع في قصص الحكايات الشّعبيّة وألف ليلة وليلة، مثل:" سهد السّلطان ثم نام، فرأى في المنام ياسادة ياكرام فيما يرى النّائم..."(5)

وهناك تطعيم بالمتون الشّعريّة الحديثة، وهي تستثمر لاستدعاء ظلالها النّفسيّة والجماليّة والتأثيريّة لاسيما فيما يخصّ قصص الحبّ، وهذا نراه بائناً في قصّة "الضّياع في عيني رجل الجبل"، حيث تحضر مقطوعتان شعريتان، لتجسدان الحالة الشّعوريّة لبطلة القصة التي تخاطب حبيبها قائلة:"

سمعتني أشدو لكَ قائلة:

لا تنتقد خجلي الشّديد؛فإنّني بسيطة جداً، وأنت خبير

يا سيّد الكلمات، هبني فرصة حتى يذاكر درسَهُ العصفورُ

خذني بكلّ بساطتي وطفولتي، أنا لم أزل أخطو وأنت تطير

من أين تأتي بالفصاحة كلّها؟وأنا يتوه على فمي التّعبير!

أنا في الهوى لا حول لي ولا قوة؛إنّ المحبّ بطبعه مكسور

يا هادئ الأعصاب إنّكَ ثابت، وأنا على ذاتي أدور

الأرض تحتي دائماً محروقة، والأرض تحتكَ مخمل وحرير

فرق كبير بيننا يا سيّدي؛ فأنا محافظة، وأنت جسور،

وأنا مقيّدة وأنت تطير، وأنا مجهولة جداً، وأنت شهير

لا تنتقد خجلي الشّديد" (6)

وتُختم القصّة ذاتها بالقفلة الشّعريّة الغنائيّة المنفولة على لسان المطربة فيروز:

" أهواكَ...أهواكَ بلا أمل

وعيونكَ تبسم لي

وورودكَ تغريني بشهيَات القُبل

أهواكَ ولي قلب بغرامكَ يلتهب

تدنيه فيقترب

تقصيه فيغترب

في الظّلمة يكتئب

ويهدهده التّعب

فيذوب وينسكب كالدّمع من المقل

أهواكَ، أهواكَ بلا أمل

في السّهرة أنتظر، ويطول بي السّهر

فيساءلني القمر، يا حلوة ما الخبر؟

فأجيبه والقلب قد تيّمه الحبّ:يا بدر أنا السّبب؛أحببتُ بلا أمل!!!"(7)

وهناك تجريب واضح في استدعاء مستويات مختلفة من اللّغة، فتبرز لغة السّحرة وتمتماها وتهويماتها في قصّة" سحر وداد"، في حين نجد لغة الصّوفيّة وشحطاتهم واضحة في قصّة "راقصة الطّاغية" التي تنقل الحبّ من مستواه الاعتياديّ إلى مستوى صوفيّ افتتاني يحلّ الحبّ في نفس العاشق مكان أولوياته وإدراكاته وشعورياته جميعها :"برزت الرّاقصة كحصان بريّ مكبّل في حلبة كبيرة قبالة عرش الطّاغية الخالي منه حيث يترامى حوله الحضور والأخلاء والضّيوف ورجال دولته الجبليون الأشدّاء، الموسيقى بدأت تتنزّى في أذنيها، وحمّاها بدأت تدبّ في أوصالها، وبدأ يغشاها ما يغشاها من جلال وهي تترنّح في رذاذ اللّحن بخدر موصول برعشة سرعان ما تستولي على جسدها، وتغلق عليها حواسها، وتنقلها إلى عالم نورانيّ دافئ يداعب كلّ ذرة من جسدها، ويدفعها إلى انخراط كامل في حركات لا تعرف خبوّاً أو فتوراً" (8)

وبعد؛

هذه هي سناء الشّعلان، وهذه هي مجموعة" الذي سرق نجمة" التي أعدّها رشفة سرديّة جريئة ومختلفة في سبيل تكوين تصوّر ناضج وعمليّ عن سلوك دروب الإنسانيّة المنجزة الرّاقية المتعاظمة على الضّعف، الرّافضة للهزيمة والاستلاب، التي تعرف تماماً حقوقها، وتصمّم على التّمسك بها، وترفض أيّ مزاودات أو إكراهات أو ضغوط.

من يرد أن يرقى إلى نفسه، ويعتزّ بوجوده عليه أن يقرأ مجموعة "الذي سرق نجمة" ليبحث عن نفسه المفقودة فيها، فيخلّصها من عذاباتها، ويرهن لها بعض الفرح والأمل المنشود، ويغدو يداعب حكايات الشّعلان التي تتلخّص حكايتها في:" الحكاية تريد أن تهرب من التّسكع، وأن تركن إلى الخلود، جرّبت أن تسكن السّماء؛فغدت إيماناً ودعاء وفضيلة، فأصابها الملل من ذلك عندما اشتهت الخطيئة، رحلت إلى الجسد والشّهوة، فأنهكتها لعبتا الجوع والإشباع اللّتان لا ترتويان، صادقت القلوب فأحرقها الوجد، طاردت العقل فأعياها المنطق، صادقت القوة والمال والجاه فخذلتها السّعادة، تنسّكت في الجبال فهزمتها شهوة حلمها الكبير في الخلود، ثارت على نفسها، وانضمّت إلى صفوف الثّوار في كلّ مكان، وحالفت الرّفض أينما حلّ في أنفس الشّرفاء، فأصبحت حكاية البشر الباحثين عن العدل، سطّرت فيها قصص من نذروا أنفسهم للنّور والحقيقة، نسيت حلمها البائد بالخلود، وبات حلمها أن تصبح حكاية كلّ من سُرقت حكايته، وكذلك كان"(9).

 

بقلم النّاقد الأديب: د. زياد أبو لبن

رئيس رابطة الكتاب الأردنيين

............................

الإحالات:

1- الذي سرق نجمة:سناء شعلان، ط1، دار أمواج للنشر والطّباعة والتوزيع، الأردن، عمان، 2016، ص133.

2- نفسه:ص109.

3- نفسه:ص107.

4- نفسه:ص15.

5- نفسه:ص15.

6- نفسه:ص53.

7- نفسه:ص57.

8- نفسه:ص84.

9- نفسه:ص129.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3422 المصادف: 2016-01-18 00:28:38


Share on Myspace