المثقف - قراءات نقدية

الشاعرة هدى بن صالح (تونس) عاشت صراع الشخصية بقواها الثلاث

wejdan abdulazizاللغة الشعرية عادة تستخدم التنوع والثراء ويكون رهان الشاعر في تطويعها لحساب الاستخدام الفريد للتعبير عن خلجاته ومجساته الشعرية، وهو يتحسس محيطه الكوني المثير لتساؤلاته، وبالتالي ولادة اسلوبه المتميز في الكتابة .. فـ(ان الاثر الفني عند فرويد مثل الحلم يحمل معنين احدهما ظاهر وثانيهما كامن .. وهذا الاخير لايمكن كشفه الا باستخدام طريقة "التحليل النفسي" القائمة على التداعي الحر .. فان الحلم تعبير رمزي عن رغبة لم تشبع في عالم الواقع ، ومثله النشاط الفني ومنه الادبي .. هو "تعبير عن رغبة، وهذه الرغبة لم تجد تلبية لها في عالم الاشياء المحسوسة فانصرفت عنه الى عالم الوهم والخيال .. الفن ، اذن هو استبدال الغرض الواقعي الذي عجز عنه الفنان بغرض خيالي" .. ان تفسير فرويد لطبيعة الصراع المؤدي الى العبقرية والابداع لايمكن فهمه واضحا الا في اطار نظريته العامة في تفسير السلوك .. لهذا يرى فرويد ان النشاط النفسي لشخصية الانسان موزع بين قوى ثلاث، هي: الأنا: وتمثل العقل أو الذات الواعية التي تدرك العالم الخارجي وتتحكم في حركة الانسان .. والهي: التي تمثل الحاجات الغريزية والرغبات المكبوتة وهي جنسية المحتوى اساسا في نظره وذات طبيعة اندفاعية عمياء غير متعقلة .. والأنا العليا: التي تمثل معايير الاخلاق والتقاليد والقيم الاجتماعية ... والصراع دائم بين هذه القوى لان "الأنا" تحاول التوفيق بين دفع "الهي" لاشباع الغرائز والرغبات وهي في الاساس جنسية شبقية محرمة ـ تمثل عقدة أوديبـ وبين ضغط "الأنا العليا" التي تمثل الضمير والرقابة الاجتماعية .. ومحصلة هذا الصراع تتجلى في سلوك الشخص في أي موقف)، وهناك آليات لضبط ومحاولة السيطرة، وهي آليات لاشعورية منها ، القمع والكبت والتسامي والاخيرة تهمنا جدا في دراستنا الادبية، لان التسامي مؤداه الى الابداع الفني والادبي .. وهو الذي يدفع بالشاعر او الشاعرة الى المغايرة في اللغة لخلق حالة الادهاش والانتباه لدى المتلقي، ليجعله شريكا له في استرداد المعنى وبناء الذائقة في فهم هذه القصيدة او ذلك الديوان .. ومن خلال هذه المقدمة استطيع ان ادخل الى عالم الشاعرة هدى بن صالح، وهي تعيش هذا الصراع النفسي ومن خلاله تتسامى في شعر يبحث عن الجمال .. تقول:

 

(شهقة الشغف المجنونة

في مواسم الولـــع

عطر الدّندنــة المنسكبة من رحيق الرّوح

أنـا امتـداد لـ أقاصي الدّهشة

وشوشة الهمس المخضّب بـ النّدى

نغمة الخفق الفالتة من موسيقى الفراديس

ضجّة الحواس الموسومة بغدق الدفء

..

على نبضي تصهل خيول المطر

تتفتّح شفاه القمـــر

و تبرق عيـن الغواية

على كفّي تقام أهازيج الفراش

تحفل مهرجانات الشّغب

وتنضج عناقيـد النّزف

..

أنـا رفيقة الضّوء

الـ متّصلة الدّهشة

شهقته

الـ مغدقـــــة الوميـــض

أغزله وشاح فتنــة

أنظمه قلائــد ألق

أفتح له وريد الغيم

لـ يرتشف

أنفاس الياسمين وسلافة اللّجيــن

..

أنــا أنثى العشق السّرمديّ

وأنــــت

من علّق أمانيــه على مشاجب الرّجاء

وصلّى كثيرا على أعتاب

هذه المملكة الأنثويّة)

 

فهي رسمت لوحة غير مرئية من الانفعالات المختلجة في دواخلها لتصرح للاخر بانها انثى، تعيش (ضجّة الحواس الموسومة بغدق الدفء)، (وأنــــت من علّق أمانيــه على مشاجب الرّجاء/وصلّى كثيرا على أعتاب هذه المملكة الأنثويّة)، وهذه ايحاءات تحاول الشاعرة من خلالها ارضاء فضولها الانثوي المحروم، بعلة التابوات التي تمنع عنها ذلك الفعل .. وهذا حسب التحليلات النفسية في الابداع هو تعويض عن ذلك الكبت الذي ترجمته الشاعرة واخرجته من الفعل الى الحلم المتسامي والمتخفي بين الكلمات .. ثم تقول :

 

(يلـــوح لـي

الاه دهشـة

يباغتني بفتنة مربكة

يـوشوشنـــي

فتورق أزهار الرّغبة

يلفّني بـ دفئ خرافيّ

يشعل ثلج الشّرايين

و

ي

س

ح

ب

ن

ي

نمارس طقوس التّوهان

ونتلو آيات الحنين

عند منتصف الشّفق

يتسلّل منّي

يحتضن غوايته

ويمضــــــي

..

تومـــض القصيدة

وأنطفئ أنـــا)

 

فكل رحلتها هنا، هو حلم جميل مارست فيه الغواية، فـ(عند منتصف الشفق/يتسلل مني ويمضي/تومض القصيدة وانطفئ أنا)، فالتعبير عن لحظاتها تلك، هي القصيدة، وهنا كان فعل "الأنا" رأس التعقل في قضية الانفعال، فهي لم تخرق التقاليد والاعراف، انما ترجمت حالة الرغبة بالحلم والتسامي عن الواقع الذي يرفض هذا، ويعمد الى التعويض بالتسامي وممارسة الحب خارج سياقات العقوبة الاجتماعية .. ثم تعمد الى التوحد والتصوف بالاخر والذوبان فيه افتراضا أي تساميا حسب عرف علم النفس وصراع قوى الشخصية الثلاث .. لتقول :

 

(يحتلّني

يراقص ضلع الحنين

لغمرة جنون

لزمن همس

خبّأه الفراش في المسام

يتلّبّسني

ارتعاشة أوصال

ترتّل نشيد الشّغف

يرسمني قبلة

على شفاه القمر

رحيق أنفاس

يجرفني

الى ضفّة الغرق

يفرشني

جسدا من رمل

لمواسم الموج الشّبق

..

 

" وحده الحلـــم

يتّسع لشهقة الأوردة

وخفقات العشــــق

ودفق النّبض المقدّس ")

 

ومن خلال دراستي لاشعار هدى بن صالح (تونس)، تبدى لي ان

الحقيقة التى نكشف عنها بعاطفتنا لا تصبح حجة عند غيرنا، إلا إذا حصل لهم من الكشف مثل ما حصل لنا. وعند "كوزان " أن العاطفة مصدر الانفعالات، وهى لهذا تقابل العقل. والعاطفى،  هو المنسوب إلى العاطفة، ولاسيما عاطفة الحب. ويجوز أن نقول "التربية العاطفية" و" السياسة العاطفية"، وهى ضد السياسة الواقعية. والعاطفى من البشر: هو الذى يتغذى بالعواطف، أو يتبع عواطفه فى علاقاته الإنسانية، أو يفضل إظهار عواطفه على سترها. ويكون المقصود بالعواطف هنا "العواطف العذبة" وهى المصحوبة بالذكريات العذبة والأحلام الجميلة . وقد اهتم "صوفية الإسلام، بموضوع العاطفة لأن التصوف علم القلوب، وما يفيض به القلب من شعور وإحساس هو الأساس فى سلوكهم.

ولذا كان هناك شبَه قِوىّ بين أدب الصوفية المسلمين وأدب الرومانتيكيين من الأوروبيين؛ لأن كلا الفريقين كان يمجد العاطفة، ويتخذ منها هاديا فى السلوك. بل كانوا يرون جميعا أن العاطفة أصدق من العقل، وأن الفكرة العميقة نابعة من عاطفة عميقة. وكل ذلك يخفف عن الإنسان وطأة الحياة المادية، ولاسيما تلك المادية التى ألقت بظلال ثقيلة على كل مناحى الحياة فى عصرنا هذا. وإن العاطفة واحدة بين الرجل والمرأة، فليس للرجل عاطفة تختلف عن المرأة، أو العكس، فهى قاسم مشترك بين الطرفين، مثلما يحدث ذلك فى الكتابة والإبداع الأدبى وغير ذلك. واجد ان الشاعرة هدى بن صالح، هذا هو خطها الجمالي في اشباع الذات من خلال قصائدها التي اعتمدت اللغة المغايرة لما هو متواضع عليه ..

 

وجدان عبدالعزيز

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3465 المصادف: 2016-03-01 01:31:48


Share on Myspace