المثقف - قراءات نقدية

صلاح حسن شاعر في منتهى الجنون

saleh altaeiليس من السهولة أن تهتك الفكرة ستر العقل إلا إذا ما كان العقل عقل شاعر مجنون، تمرد على قيود الخطيئة ليرسم أحرف النور في وهج المستحيل. ولا يمكن للكلمة أن تخترق شغاف القلب إلا إذا ما كانت قد خرجت من قلب عامر بالحب الأبدي، حب الإنسان وحب الجمال. فالكلمة رسول عشق يسافر على أجنحة الفراشات.

من خلال تجربتي في الحياة أيقنت أن المعادلات الرياضية والنظريات الهندسية لا تنطبق قوانينها على قلب الشاعر، فقلب الشاعر لا يقبل القسمة على شيء ولا تقاس مساحته بوحدات القياس وإنما برائحة الكلمات التي تخرج منه، نعم ممكن أن يختزل قلب الشاعر بحرف ولكنه ممكن أن يحوي ملايين الحروف دون أن يشعر بوطأة المستحيل.

ولى زمن الصعلكة منذ أن مات عروة بن الورد لكن لا عجب أن يكون عروة لما يزل بيننا يبحث عن مقامة تذكره بالزمن البليد، تزجي إليه الهواجس بلابل لا تعرف التغريد، فالتمرد من طباع الشاعر، لكن فقط إذا ما كان يعرف كيف يحب.

التمرد لا يعني الرعونة إلا عند من لا يفقهون سر الحياة. الصعلكة والتمرد توحي عادة بولادة نبي جديد في زمن عقيم، معجزته أنه يمرر يده على آلام النفس فيحيلها ربيعا، قد يبدو ربيعا خال من الفراشات، ولكن يكفي تعبق في أرجائه عطور زهور التمني، فتطرز أحلام الفقراء بالأمل.

مخاضات الشاعر أصعب من مخاض المعسرة، الشاعر يلد كائنا مع كل حرف ينظمه، ولا تكتمل قصيدته باكتمال القصة، فقصة الشاعر تبدأ بعد إتمام القصيدة،

هكذا توحي لك تلك الجلاميد العذبة التي اخترق بها صلاح حسن قانون الجاذبية ليرسم صورا غير مألوفة للعقل، العقل يرى بعيون غير العيون المعروفة، ولذا قد لا تحركه الحُصيات الصغيرة التي يجرفها الماء، أما إذا انهالت عليه جلاميد حطها السيل، فستصيبه قشعريرة الحرف بوحشة الاحترام المطلق.

إذا ما عجز الهذيان عن صناعة خطبة خالدة، فإن صلاح حسن حول الهذيان إلى قوانين فيزيائية تتحكم بمسارات الفكر البشري، وتعيد موازنة الواقع من خلال الجروح التي تفتحها في القلب، حيث تموت كل القوانين إلا قانون الحقيقة.

العذوبة ليست مقصورة على العسل والسكر والفواكه الحلوة، فالقهوة المرة قد تكون أعذب شيء، والغصة التي يتركها فراق الحبيب لها عذوبة الألم النابض بالشعور، فالإنسان لا يشعر بعذوبة الأشياء إلا إذا ما داعبت مشاعره. حتى الموت يبدو أحيانا في منتهى العذوبة، حينما يشعر الإنسان أن الموت هو الخلاص الأخير.

بين أن يكون الإنسان شاعرا وأن يكون الشاعر إنسانا هوة سحيقة تعجز وحدات القياس عن معرفة حجمها، لكن قلب الشاعر الإنسان ممكن أن يحتويها.

رأيت من قبل الكثير من البشر الشعراء ونادرا ما أرى شاعرا بشرا. فالشاعر البشر هو الذي يتجرد من مواريث الغباء ليصوغ الحكمة أقراطا لحبيبة محت صورتها أيام الغربة. أما البشر الشعراء ففيهم من باع كرامته على أعتاب الطغاة، فتاجر بدماء أهله.

 حينما التقيت صلاح حسن، من خلال قصائده التي تنساب في الروح عذبة رقراقة، وجدته متجردا أمامي حتى من ورقة التوت، ولكن لم تبدو منه سوى حروف مشاكسة فوضوية متمردة صاخبة متلهفة لأن تحتضنك وتشعرك بالدفء، وتملأ قلبك بالطيبة والحنين، وتعود بك إلى أيام نسيناها في زحمة العهر الأبدي.

صلاح حسن كينونة لا يفك طلاسمها إلا من ترك قلبه وراءه في صحراء التيه، وسافر يجول مع قبائل بني إسرائيل، يبحث عن رب لا يشبه العجل الذهبي، يمنحه دفقة نسائم ربيع، يعيد إليه بعض ما ضاع منه تحت قسوة الأيام.

شعر صلاح حسن لا يقرأ مثل باقي الأشعار فهو الآخر كينونة تحتاج إلى من يفهم فك طلاسمها وفتح شفراتها وفق طقوس شعائرية قابلة للذوبان وربما التسامي، وربما لهذا السبب دهشت وأنا أتصفح ديوانه (أنا مجنون لسبب وأنت عاقل بلا سبب).

كانت الرعشة تسري في أوصالي وأنا أهيم في دنيا لم أعهدها من قبل، فقصائد صلاح تنقلك من أرض الواقع إلى دنيا خيال فيها الكثير من الخبال والجنون، بما يوازي كل عقول البشرية الحمقاء التي أنتجت كل تلك الحروب المدمرة، ولم تنجح في إسعاد طفل فقير.

أول مرة في حياتي أقرأ قصائد ديوان مطبوع على ورق، فأشعر وكأني أسمع الشاعر يتلوها على مسامعي بخشوع كنائسي. أول مرة أقرا قصائد، فأسمع وقع مسار حروفها وصهيل خيول أبياتها يدور في جمجمتي التي بدت شبه فارغة كصحراء تستقبل حبات المطر لأول مرة.

من يقرأ قصائد صلاح حسن يصاب فكره بالترنح، وكأنه يمتطي هودجا على ظهر بعير جامح أفزعه هوس عرس بدوي، وريح رعناء تلفح وجهه.

قصائد صلاح حسن لا يُكتب عنها نقدا مثل باقي القصائد؛ لأنها خارج نمطية المألوف، وإنما تكتب عنها  الأحاسيس والمشاعر التي تنتابك حينما تحضنها وتضمها إلى صدرك، فتشعر أنها تضمك بحنان رطيب.

صلاح حسن ساحر تلبَّسه جني أخرق، وعلمه كل أفعال شياطين سليمان، فأقام من حروفه قصورا تليق بالأنبياء، ويعجز عن التقرب إليها الأشقياء، فيها من الجمال ما يفوق عرش بلقيس، ومتاهات كل السنين العجاف.

صلاح حسن يحتاج إلى من يتناول قصائده بالدرس العميق بدل أن يبقى مطويا في الظل بسبب عقوق أهله، لأنه لا يجيد فن المجاملة وتلميع الأكتاف، ولأنهم اعتادوا تلميع الأكتاف.

صلاح حسن إيقونة بابلية تحمل عبق الثمانيان الذي نفتقده كثيرا بسبب هجمة التشويه التي طغت على قصائدنا. فهو حينما يرى ما لا نراه، يرى  الزقورة تتهجى الفضاء فذلك لأنه وقف بالضد من بشاعة وقسوة الإنسان، واعترض على الأمي الذي سيجيء بالبدو واللامكان، فهو يرى أن الجنون خطأ الفكرة لا براءة السبب، وهذه عين الحقيقة.

يقتبس صلاح حسن فكرته من دفاتر التاريخ الصفراء بعد أن ينفض عنها غبار الإهمال ليعيد إليها حياة من نوع آخر ليست الحياة التي كانت تحياها، بهتُ حينما رأيته يرسم صورة الأمس بريشة اليوم، فيتحدث عن الخليفة الذي صلى ببيت المال بعد أن وزع ما فيه:

(أتذكر عامر بن سعيد؟ نعم .. ركعتان في بيت

المال، لم يمت الخليفة.. فرقي الدنانير يا زوجتي

وخذي خوفي واشطفيه من أحلامك لكي أتذكر أنني

نسيتك

المسي يدي لأعلم أني وحدي)

ويتحدث عن معلم ومربي فاضل وعالم كبير، وضعه خليفة أحمق جاهل غضِب مجنون أميِّ أمام امتحان لا ينجح فيه إلا من يحمل قلب شاعر وروح إنسان، فلما نجح في الامتحان، استل لسانه من قفاه لكي لا يقول قصائد بعد الآن:

 

(يا ابن السكيت لا تنادم الخليفة، فبعد قليل يقتلك الجنود

الترك باليس يم.. يس يم، أو يقتلك العبارة. وبعد ألف

عام يشتري الأكراد المهجرون ملابسي العسكرية لأن

أحدهم تعلم أن عيني اليمنى تشبه من يقول إلى متى يا

صاحب الزمان بعين واحدة؟. من يشتري هذه الأصنام

وأعني ظلامي؟ لم يكن ظلا مرقطا.. أي خريف لا

أدعيه الآن.. لأن الجثة التي في الفراغ ليست لي

والرجلين الجالسين في الحديقة أكدا إنهما لا يعرفاني

لذلك هذه الجثة تشبهنا بسهولة)

هكذا تنساب أغنية القصيدة لدى صلاح حسن دون تكلف، ودون أن تحمل كلماتها وطأة الخوف من مجهول أو جاهل، فالمجهول والجاهل كلاهما بشعان يبعثان الرعشة في الروح، يلجئانك إلى أضيق الطريق، فتشعر وكأنك تستجدي بعض حنان. هكذا يربط صلاح حسن بين ومضات (الماضي) وومضات (المستقبل) دون أن تشعر بوجود ومضة (الآن) بينهما إلا بعد أن تستفز جميع حواسك.

ليس مجموعة "أنا مجنون لسبب وأنت عاقل بلا سبب" وحدها التي تثير فيك مكامن الغرابة، بل ومجموعة "الخروج من أور" ترسم صور جدران مدينة لم تعد تلك المدينة التي غنى لها التاريخ، مدينة تبحث عن أسباب الهوس الذي يقضم فيها، ويقضم بأهلها:

 

(عذرا أيها التلاميذ .. تذكرت سومر ، هذا مقام ..

ينبغي أن نصلي .. ثم نبكي .. مالي تذكرت سومر

الآن

اللعنة أيها التلاميذ .. تذكرت بغداد والكوفة .. تذكرت

ارض السواد .. أرى الناس (سكارى وما هم بسكارى)

.. أرى قبورا تمشي .. أهذه سوق الثلاثاء ..أم سوق

الشورجة؟.. امرأة تبيع خاتمها ثم تبيع يدها .. رجل

يبيع كليته ويشتري قمحا .. أرى طفلا أعمى يسوقه..

جزار إلى .. أهذا مارستان أم جامع الخلفاء ؟؟ اللعنة

أيها التلاميذ ..أأرى ما ترون ؟ باعة الدم أكثر من باعة

الخضروات !!.. وأكثر من ذلك صور تتناسخ، تتناسخ)

 

هكذا وجدت صلاح حسن، وهكذا فهمته، وهو مجرد رأي شخصي، قد لا يوافقني عليه كثيرون، ولكني أعتقد، بل أوقن أن صلاح حسن يستحق منا أكثر مما أعطيناه، فمتى ننصف المبدعين؟.

 

صالح الطائي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3470 المصادف: 2016-03-06 07:13:53


Share on Myspace