المثقف - قراءات نقدية

قراءة نقدية: الشخصية القصصية بين التشكّل الفني والتشكّل الواقعي .. تراجيديا العصر الحديث

عذراء شنكال" للكاتب عبد الكريم الساعدي أنموذجاً

 

تصدير:

هتفت روحي ذات توق: "إن لم يكن لك جناح فابتكر جناحا"

 

مدخل:

"عذراء شنكال" نص يراودك، إن لم تراوده، جريء حدّ الفجيعة، ناعم كالحرير، صلب كالصخر، يقصف مني القلب والعقل يترجّل قلمي على صفحاتي البكر ـ تماما كعذراء شنكال ـ ليمزق المسكوت عنه، ويكشف عفن الأفعال والسلوكيات، يصدمني صدى صراخ روح تتفتت بين مخالب الذئاب، ذئاب بشرية، بمخالب وأضراس، تماما كحكايات الجدة الحنون تحت وقع المطر، وهي تدثرني في حضنها الموغل في التاريخ.

الطريق إلى المقصد وعرة، لكن العزيمة كالرخام، والرحلة انطلقت منذ راودت "عذراء شنكال" ذات طريق حزين.فما هو السبيل لاستنطاق هذا الكائن الورقي، علّه يبوح بكل الأسرار، دون وجل أو خجل؟

 

قراءة في العنوان:

"عذراء" على وزن فعلاء وهي صفة، وتعني البكر، لم تمسسها يد، وهي أحد بروج السماء،

والعذراء، ومنها "العذرية" صفة تحتفي بها المجتمعات العربية، وبها تحدّد شرف المرأة وطهرها.

" شنكال" فضاء عربي، يقع في الشمال الشرقي للعراق.

وقد ورد العنوان مركبا إضافيا، يفيد التعريف بالشخصية، فهي تخرج من واقع عربي، لتعبر عن قضايا عربية

من هنا تتجلى المرأة الرمز، ففيم تتمثل رمزية هذه الشخصية؟

 

المتن: عالم الحكاية

أ ـ عالم الشخصية:

إن "الشخصية"باعتبارها عنصرا مكونا لعالم القص هي واقعة كغيرها من العناصر الأخرى في شبكة من العلاقات السردية تستمد منها مقوماتها الأساسية وتساهم في بنائها وتطويرها.

وقد ذهب بعضهم إلى القول إن "الشخصية" متى حلت في السرد وأُ نتجت فيه فقدت واقعيتها حتى وإن كانت واقعية

ويذهب "جيرار جونيت " في تحليله لخصوصيات التواصل التخييلي من الوجهة البراغماتية إلى القول " بأن ما يصدر عن الشخصيات القصصية من أفعال كلامية كالإثبات والاستفهام والأمر وغير ذلك ..ينظر إليه خلافا للفعل التخييلي العام المؤطّر لها على أنها أفعال كلامية حقيقية وجدية لأنها ملزمة للشخصيات في سياق القص"

وبناء عليه نرصد الشخصيات في "عذراء شنكال" فنلحظ كيف اهتم الكاتب بصناعة الشخصية، فأسند لها أسماء وضبط بعض ملامحها ليربطها بالواقعي أكثر من الورقي.

 

ـ الشخصيات: الخصائص والوظائف

1 ـ شخصية "فيان"

وقد ندخل لها عبر بوابة كبرى هي الوجه، وقد تشكلت كالتالي:

وجه ــــــــــــــــــــــــ ذابت ملامحه

عينان ـــــــــــــــــــــــ تبرقان حزنا + تتوهان في مهب الخجل

ومن هنا تتجلى المأساة، فالعين بؤرة تكشف عن البواطن ( الحزن + الخجل) فندرك أن ثمة ما يدعو لهذه الحالة، ولا نستطيع أن نفهم الحادثة إلا بتقدم السرد وتصريح الشخصية ببعض ما يخالجها، إذن لا نستطيع أن ندرك عالم الشخصية إلا إذا سمحت لنا بذلك، من خلال أقوالها وما يحيطها من أفعال، لذلك علينا أن ندرك بقية الشخصيات، حتى نخرج بإطار واضح المعالم.

2 ـ شخصية سعيد:

وهي شخصية تنبع من بواطن الشخصية الرئيسية، وبالتالي مساعدة على توضيح الوقائع وفهمها.

سعيد، اسم يحمل معنى الفرح والبهجة، لكنها السعادة المهدورة على قارعة الحلم، وهو قربان من قرابين الموت، تفتح السماء أبوابها لتلتهم الأرواح البريئة، من هنا تتجلى عوالم القصة المشحون بالموت والقهر.

3 ـ الشخصية "الهم"

حضرت هذه الشخصية عن طريق الأفعال، فنرصد إعمالها كالتالي.:

أحرقوا / نحروا / ساقونا / لا يعرفون غير مفارق الأرداف...

تكشف أ فعالهم عن صورة متوحشة، لا نعثر على ما يدل أنهم من عالم الإنس، نشعر للوهلة الأولى أنهم كائنات غريبة، من طينة غير طينة البشر، من كوكب غير كوكب الأرض، تعوي الروح وهي تتبع أثرهم في القصة " من أين جاؤوا وقد سيجنا عالمنا بالتنوير والفكر" من سلالة إبليس، بل حتى إبليس يخجل " من مفارق الأرداف" و "انفراج السيقان" إن إبليس يخجل أن ينال من "فيان" لكن ينال منها الذئاب، لكن ليس الذئب في حكايات الجدة الحنون، إنه الذئب البشري، وما أشده من ذئب، يفتك بالروح والجسد معا.

إن المشهد الذي يقدم هؤلاء يحيلنا على عالم غريب، بعيد عن عصر التنوير، يعيدنا إلى الجاهلية الأولى بل إلى البدائية الأولى، عالم التوحش، ما قبل الإنسانية.

يا الله، في عصر التنوير، تساق النساء سبايا، ويباع الإنسان في سوق العبيد، في عصر التنوير يعوض سوق "عكاظ" بسوق "الجنس".

وا حسرتاه، على أمة، كان شعارها القرطاس والقلم، فأصبح شعارها يندى له الفكر، يترفع القلم أن يذكره.

4 ـ شخصية الدكتورة "ثناء"

تلعب دور المساعد، ترمز للحب والشفقة، فهي لحظة دفء أرادها الكاتب ليبعث بعض الأمل، ويشحن العزيمة، فنراها " تضمها / تحنو / تجفف دمعها "

هي لحظة "تنوير" في القصة، فقد بعثت "النور" في القصة وفي بواطن الشخصية

لقد لعبت الشخصيات وظائف عديدة:

منها المساهمة في بناء العقدة القصصية إذ لا تستمد الشخصية قيمتها إلا من خلال علاقتها ببقية الشخصيات والدور الذي تقوم به في القصة فتكون في مراتب مختلفة، رئيسية / مكملة / مساعدة / معرقلة

وقد جسمت منظومة من القيم، إذ كانت شخصية "فيان" شخصية رمزية، تحتضن صورة الوطن المغتصب من طرف الذئاب الجريحة، والخفافيش التي تخشى النور فلا تحيا إلا في العتمة، ولا تنام إلا ورؤوسها إلى الأسفل، لأن وجودها ينحصر في الجزء "الأسفل"

 

ب ـ في مقصدية الخطاب:

ـ الإنسان الذئب: بين جدلية الجسد والدين.

إن الدين جاء ليكرم هذا الإنسان ويبسط بين يديه طرق التعايش السليم، فقنن العلاقات بين البشر، بمنظومة قيمية، لا ترقى إليها أعظم دساتير العالم، والمجال لا يتسع لشرحها.

لكن نلاحظ إن الذين يشتغلون على الخطاب الديني ينطلقون من تأويلات خادمة لأغراض اشباعية، حسية/ جنسية فنجدهم يشرعون لحق امتلاك الجسد الأنثوي، بمختلف الطرق، فهذا ينادي بالتشريع لتعدد الزوجات ـ وهو لا يستطيع أن يلتزم بتوفير شروط الحياة الكريمة لواحدة ـ والآخر يطل علينا في سذاجة وبلاهة ليتحدث كبلهوان عن ما "ملكت أيديكم"، ليشرع لأمور تتنافى كليا مع النص الديني، حتى يصل به الأمر للتشريع لحج "المايو" وتقام له المنابر ويتمكن من فرصة للتحليل ونشر سذاجته وأباطيله.

ونصنا لا ينأى بأبطاله عن هذا الطرح الذي سأتناوله، فما تعرضت له "فيان" كان من طرف مجموعة، تدعي الدين وتشرع لانتهاك حرمة الجسد الأنثوي، لأنهم لا يرون في المرأة إلا الجسد، ولا علاقة لهم بالدين والتدين، والإسلام منه يتذمر، والله في علاه يتوعدهم، بعذاب أليم، وهم يعيدون أنفسهم بالحور العين

من هنا أنطلق بوضع هؤلاء على الفحص السريري، فالمسألة ـ في تقديري ـ تعود إلى الحرمان، فتصبح المرأة هي الوحيدة للتخلص من الكبت، بكل أنواعه الجنسي / الفكري/ الثقافي

ولعل الممارسات التي يشهدها العالم العربي، في ظل سيطرة "نظام الخفافيش" تؤكد ذلك، حيث تقاد المرأة إلى أوكارهم لينفذ فيها جرائم إرهابية يندى لها جبين التاريخ، فتوظف كأداة للترفيه والمتعة، فتداس الأرواح وتغتصب الإنسانية بأفكار قذرة، تعيدنا إلى عصر التوحش، عندما كان الإنسان وحشا يحيا لإشباع غرائزه، غريزة "البطن"

وغريزة "العورة" وهو ما يمكن أن نطلق عليه مرحلة "الحيوانية".

ومن هنا يمكن أن نتحدث عن تراجيديا العصر الحديث، وهي تنبع من "توظيف الدين"، فإن كانت التراجيديا عند الإغريق تتمثل في الصراع بين الإنسان والقوى الإلهية المسيطرة على الكون، أي صراع الإنسان مع قوى فوق الإنسان، ثم جاء القرن السابع عشر فإذا نحن أمام تراجيديا تجسد الصراع بين الإنسان ونفسه، فمع "بيار كونال" قائمة على حوادث التاريخ، ومع "جون راسين" فهي صراع بين عاطفة وعاطفة.

أما في عصرنا فشكل جديد من التراجيديا، فهي صراع بين المفاهيم، مفهوم الإنسان في أرقى تجلياته، والإنسان المعولم الذي بدا مستنسخا من نظام رديء، يتهدد منظومة القيم خاصة، ويعد لعودة الإنسان المتوحش

فيتشكل في هيئة إنسان لكن يحمل مكونات دماغية قريبة من الحيوان، قد أسميه " الكائن المُحَنْوَنُ" إذا أجازت لي اللغة هذا الاصطلاح.

 

ـ خاتمة:

"عذراء شنكال" أنموذج في القص فريد ، كما هي كل أعمال الكاتب العراقي عبد الكريم الساعدي، تسافر في تضاريس الروح لتكشف الوجه القبيح لواقعنا هذا، تصاب بالهذيان وأنت تتوغل في عوالم الشخصية، فتصغي إلى أرواحها الممزقة، كأسمال بالية، تترشف قيح الفجيعة، وتلازم الفراش بعد أن تكمل رحلتك معها، يسكننك الصداع، حتى كأن طبول الهزيمة تقرع عند عتبات فكرك العنيد.

أغادر "عذراء شنكال" وأنا أهتف بأعلى صوتي: " أنا مثلك لا أخشى حرب القبائل" مع تحياتي وتقديري .

 

بقلم الأستاذة: سامية البحري - تونس 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3535 المصادف: 2016-05-10 08:18:30