المثقف - قراءات نقدية

خليل قطناني: قراءة سيميائية في نصيّن شعريين للشاعر جمال سلسع.. من تجليات الهزيمة القدس تبحث عن قطرة ماء

تقدمة: سأعتمد في قراءتي على ما يمكن تسميته النظام الخماسي  في النقد من خلال الاحتكاك مع الموتيفات المفتاحية وأنساق الكثافة الشعرية المتمثلة فيما يلي:

 

1- عتبات النّص

يشير العنوان بوصفه مؤشراً إعلامياً، وتركيباً لغوياً إلى دلالة المتن الشعري للديوان، فهو يقتصد، ويكثف،ويحمل رسائل الشاعر وآراءه.

وإذا كان العنوان أول ما يتلقاه القارئ حين يمارس العملية القرائية، فإنه آخر ما يكتبه الشاعر، وما بين البداية للمتلقي، والنهاية للمبدع تكمن إجراءات التحليل الجمالية.

تحليل البنية التركيبية للعنوان لغوياً ودلالياً، والاحتكام بعد ذلك إلى السياق المرجعي والمعرفي للعنوان بما يحمله من شارات  نفسية واجتماعية ودينية ...

وسيفيد الباحث من نظرية الاستقبال التي تعطي القارئ النموذجي النصيب الأوفى من القدرة على التحليل وتفكيك مفردات العناوين، معتمداً على الذوق اللغوي، ومرتكزاً على الأسلوبية في النظم البلاغي .

ولا يستطيع باحث أن يغفل العلاقات الاستبدالية، والمفردات المعجمية لدوال العنوان، ومدى انحلالها في المتن الشعري، فإن ذلك يسهم في تجلية غوامضه "إن دالَّ العنوان يمثل إشارة لغوية حُرّة، وقادرة على استدعاء جدول استبدالاتها، وكذا جدول توزيعاتها الممكنة، وثالثاً كافة الخطابات التي لعبت دوراً توسيمياً من قبل"  (محمد الجزار: "العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي"، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998، ص  71) .

أولا: عنوان نصّ: من تجليّات الهزيمة"

يتكون العنوان نحويا من:

من:حرف تبعيض

تجليات: جمع مؤنث لغير العاقل

الهزيمة: دال معرف، مضاف اليه

الحذف النحوي والدلالي

1- والجملة النحوية "من تجليات الهزيمة" خبر وحكم،  ولكن المبتدأ مقدّر، وأبلغ تقدير له هو النّص الذي يليه النّص كله مبتدأ، ليأتي تأويله عبر بنيات دالة تنحل فيه من خلال الدوال الفعلية والاسمية .

2- (من) التبعيضية تعني أن ثمة مسكوتا عنه في النّص وفجوة تملؤها ثقافة المستقبل المشتبك مع دلالات المتن النّصي، ومعنى ذلك أنّ النّص لم يشمل كل تجليات الهزيمة، وإنما بعضها .

وبالاستتباع فإن ثمّة أشياء أخفاها الشاعر في حديثه عن الهزيمة، والهزيمة هنا معرفة بال التأثيرية، وأرى أنّ (أل) تفيد الشمول والإحاطة؛ بحيث تحوي في طياتها هزائم متمردة على لغة الشاعر أعيته في التعبير عنها،  فاكتفى بالحديث عن بعضها أو أنّ تلك الهزيمة المتحدث عنها داخل المتن من الأهمية والمرارة بحيث تغطّي على جلّ الهزائم الأخرى المسكوت عنها بلاغيا .

أما عن المعنى المعجمي ؛ فقد نقرت في المعاجم عن الفعل (تجلى) فوجدت المعنى يدور حول الابصار والكشف من علٍ، ويقول صاحب معجم تاج العروس:" تجلت في أحسن مظاهرها، وتجلت المرأة، والصقر أغمض عينيه ثم فتحهما ليكون أبصر،  وتجلى الحق  وتجلى عن صريمته الظلام . وهو ما يتواءم دلاليا مع جملة المطلع

تركت مشاعري فوق الجبال ... تصيح

غير أنّ المشكل هنا هو انعكاس الدلالة الإيجابية للدال تجلّى الذي يشي بالابتهاج وانكشاف الأمر الجيد ؛ فالشاعر حين أضاف (تجليات) إلى (الهزيمة) عكس  دلالتها فانقلبت الى السخرية المرة لتتمظهر في النّص حرمانا، وصمتا،  وعطشا .

العتبة الثانية: القدس تبحث عن قطرة ماء

يشتبك هذا العنوان مع أسئلة ماثلة فيه:

-هل القدس هي القدس هنا مكانا أم روحا؟

- هل القدس عطشى لتبحث عن الماء

- ما العطش الذي تحمله القدس أهو عطش مجازي أم حقيقي؟ .

- وهل الماء في العنوان ما ء مادي محسوس تحتاجه القدس لتروي ظمأها ام هو شيء آخر ؟

ما دلالة الفعل المضارع (تبحث) .

- لم ذيّل الشاعر عنوانه بعلامة التعجب؟

وحينما يقرأ الدارس نصّ القصيدة يجيب عن أكثر الاسئلة من خلال الكلمات المفاتيح؛  ففي مقطع: 

كنائسها مساجدها مثل الصحارى تبحث عن قطرة ماء

  تشبيه مجازي؛ فالمساجد والكنائس ليست صحارى بالمعنى الحقيقي وعليه فالماء هنا أيضا ليس حقيقيا بالمطلق، وهو ما ينجلي بقوله عطش الايمان .

والشاعر في لاوعيه ينتج لنا دلالات ما كانت لتنطلق لو كان في حالة وعي؛ فالقدس تنحلّ في متن النّص مكانا روحيا أولا ثم مكانا أليفا؛ يدلّك على ما ذهبتُ ليه دوالّ من مثل:

 (الأسوار، والدرب، والشوارع، حجارة الشمس، القمح)

أما  معنى القدس روحا فقد تلاشت في بنيات وعلامات سيميائية،  وتجلت في كلمات مثل) شبابيك الروح/  المكان الوثيقة/ غابة النسيان / ما عدت أرى ...)  ويندمج المكانان روحيا وماديا في الذات حين يمشي الشاعر في غابة النسيان،غده يطارده؛ لتنعدم الرؤيا التخييلية للفجر الذي استعار له لفظ المنديل (منديل الفجر) والذي غاب في أعذار واهية كما قال في خاتمة نصه:

أمست في الأعذار غريقة

 

2- مفاتيح النّص/ العلاقات الدلالية

 مما لا شك فيه أن الأسلوبية الإحصائية يمكن أن تسعف القارئ العليم في فك شفرات النّص ومغاليقه، ونظرة مسحية للأفعال المستخدمة في نص تجليات الهزيمة:

(تركت/ نسيت/ تنهب/ ما أوقدت/ ما أطلت/ ما مسكت) ستة أفعال كلها منفية إما نفيا معنويا أو نفيا نحويا، مما يوحي بحالة الحرمان وتشظّي الذات في متاهات الهزيمة .

ونظرة أخرى للدوال الاسمية (الهزيمة / الصمت / الصهيل النائم/ الفجيعة /عطش الكروم/ تباشير الظلام /رياح الوقت)

إن تلك العلامات المفتاحية تتوافق مع تجليات الهزيمة،وتتوزع بين سكوت الثورة التي عبر عنها بالصهيل النائم، والتوق للانعتاق من خلال عطش الكروم  وما بيناهما سخرية حادة تشتت اللغة،  وتتضاد مع الوقائع اللغوية المعجمية المعيارية من خلال (تباشير الظلام) وليس تباشير الفجر، وهكذا يبرز سؤال الذات في توقّفها

وقفت أسال عن سحاب الشمس

 ليتوقف الزمن  ما بين مواجع الجملة المطلعية – المشاعرتصيح-  والجملة القفلة

وما مسكت يدي غير الكلام

ويتبدى عجز الشاعر من خلال نفي الإيجاد الذي يعني العدمية، فالشاعر لم يمسك إلا الكلام، ولعمري لقد مسك شيئا عزيزا، ولعل ذلك يفسر لمَ وضع علامة التعجب في نهاية العنوان مع أنها تخلو من التعجب السماعي والقياسي اللهم إلا من خلال الإلقاء الصوتي .

وفي النّصين من التجليات الابداعية عدا ما ذكر ما يأتي:

 

3- التدوير العروضي:

 لا يكاد القارئ يجد فسحة للتنفس وهو يقرأ النّص، ويكاد النفس ينقطع بسبب تلك التفعيلات العروضية المتصلة من أول النّص إلى آخره إذ لم أجد تفعيلة تامة في سطر شعري بمفرده إلا أن يتممها في الأسطر الآتية،  ولهذا الإيقاع عمق في التحليل،  وبخاصة أن الهزائم تتوالى، ولا يجد الشاعر متنفسا للسكون فتجزيء التفاعيل هي انعكاس ما لتجزيء الذات، و تلك السردية المتوالية هي  نسخة واقعه وعن ذاته المتسارعة في البثّ .

 

4- العبارات التوليدية من خلال العلاقات النحوية وبخاصة علاقة المضايفة

يولد الشاعرعبارات شعرية غير مألوفة عادة ؛ كنايات او تشابيه توليدية جديدة من مثل:(عطش الكروم، رياح الوقت،  ظل الدمع...) هذه المولودات اللفظية لا يمكن خلقها إلا في لغة الشعر .وفي نص القدس ايضا نجد تلك المولدات التشبيهية

اضرب لذلك مثلا شرودا واحدا وهو قوله: 

أمسى النسيان مكانا يمشي بشوارعها كوثيقة

هذه الصورة المركبة تتمثل فيما يأتي:

النسيان المكان ------تشبيه بليغ

النسيان يمشي -------استعارة

 النسيان وثيقة-------تشبيه

 ان هذا التشابك النّصي له ما بعده في تماسك النّص اولا وفي انبثاق الدلالات النفسية .

 

5- الصورة – اللوحة

في نص (القدس تبحث عن قطرة ماء) ثلاث لوحات تصحّ أن تكون قصيدة ومضة بحد ذاتها؛ أعني: نص داخل نص يتولد عنه نص آخر وهو ما يظهر في قوله:

عتمة جزن...

 سكنت

 فوق شبابيك الروح

وما أعطتني هديل حمام

هذا المقطع نص مكتمل البنية والدلالة والإيقاع والمعنى

  ومقطع اخر:

أمشي في غابة احزاني

وغدي يركض خلفي

وأنا ما عدت أرى منديل الفجر

إن لدى الشاعر إمكانات تعبيريةً يفجر من خلالها مكنونات اللغة، وتجريب أشكال شعرية حديثة، وللحق فإنّ هذا الشاعر لم يتبوأ مكانه إلى الآن في الدراسة النقدية الجادة .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3630 المصادف: 2016-08-13 14:13:46