المثقف - قراءات نقدية

جودت العاني: النقد الأدبي بين الألتزام والإلزام.. نحو فلسفة إلتزامية

لماذا النقد الأدبي؟

هذا سؤال يطرحه حتى البسطاء من الناس .. ما هي غاياته وأهدافه .. ثم ما هي معاييره ومحكماته .. هل هو مجرد نقد أم تصحيح وتقويم؟ ثم كيف يمكن أن يكون الناقد (حياديًا) وكبف يكون (ملتزمًا)؟ وكيف يكون (منفلتًا) يروق له أن يجلس ويراقب مثلاً لكي يشبع ما يريد أو يلوي المضامين ويُحَرِفْ المعاني ويدفع بها إلى غير أطرها؟

لست ناقدًا محترفًا ، ولست في معرض الحديث عن كل هذه التساؤلات المهمة التي أحيانًا تراود تفكيري ، إنما الحديث عن الأدب الملتزم وبالتالي النقد الملتزم بحقائق كائنة يعكسها الأديب والشاعر والمفكر والكاتب والروائي عن بيئته وبمحسوسه الصادق أو بأفكاره، التي تطمح في أن تجد (الفكرة المتقدمة على الواقع) طريقها إلى غاياتها الأنسانية النبيلة دون نوازع (الأنا) المتضخمة .. إذ لولا الأدب سواء كان شعرًا أو غيره ما كان هناك نقد أدبي أساسًا .

الشاعر والناقد لديهما وظيفة ذات بُعد إلتزامي .. فهي محض وظيفة إلتزامية تجاه الذات وتجاه الآخرين في آن .. وهنا نحن أمام مقاربة مهمة تسمى (الأدب الملتزم) والنقد ناتج أساسي من هذا الأدب لا ينفصل عنه .

محاولة النقد إذا ما وضعت في ميزان غير مستقيم أو عادل نجدها قد مالت أو إصطفت أو نظرت من أعلى التل تتفرج مسار الأدب الذي هو إنعكاس للواقع كما هو .. فهي في هذا المرمى لم تعد نقدًا (ملتزمًا) إنما نقدًا (منفلتًا) إذا جاز التعبير، لا تحكمه ضوابط ، وأزعم أنها قد باتت في خلطة الرمادي .. فلا هي في الأسود ولا هي في الأبيض ولا هي حتى في الرمادي.!!

في عالمنا الراهن، ليس هنالك خطاً للحياد، لا في عالم الشعر للشعر ولا في عالم النقد للنقد ، في المساحة الشاملة للأدب .. إذ من الصعب أن يتساوق الصدق والموضوعية مع حياد التل ولمراقبة ببلاده ، هذا الجمال وذاك القبح ، هذا الفرح وذلك الحزن ونيرانه التي تشتعل .. محاولات في النقد الأدبي تريد أن تقطف الأصغاء والتبجيل ، وما تقوله المحاولة هو الصحيح ورأيها قاطعًا بصورة تكاد تقترب من القسرية التي قد تأخذ شكل النهائي المختوم بالشمع الأحمر، على الشامل العام من خلال جزيئتها الأدبية الخاصة لتنهي دور الشاعر مثلاً والناقد الملتزم قوانين العصر وتحولاته المرتبطة بالكون والطبيعة والمجتمع .

فهل الشاعر والكاتب وغيرهما والناقد ، هم خارج هذا الثلاثي الرصين في وجوده المتلازم الكون والطبيعة والمجتمع؟ كلا طبعًا .. فالذي نعرفه عن وظيفة النقد، هي الكشف عن الملمح الجمالي الخاطف في النص، والكشف عن القوة ونقيضها في النص بصيغة التعليل والتحليل الموضوعي من دون أن تقحم شخصانيًا أو تأتي به من خارج السياقات المعيارية تفترضه صحيحًا، فيما تكشف المعايير أن هذا الرأي صائبًا وذاك خاطئ، ما دامت مناهج النقد في التفسير والتعليل مختلفة، فضلاً عن اختلافات في وجهات النظر الكائنة بين الناقد والناقد وبين الشاعر والناقد الذي لا يجب أن ينقاد إلى (هواه الخاص) ويعتبره هو الأسمى والأرقى في الفهم أو بالأحرى هو الصحيح .. لذلك قيل أن النقد الأدبي هو القدرة على التحسس والأحاطة بفن النقد مصحوبًا بالمعرفة والعلم اللذين يقومان على معايير .. فالنقد لم يعد تفسيرًا محضًا أو أحكامًا  أو  قضايا (جزئية) يراد سحبها على قضايا (كلية) في الشعر والأدب، إنما أصبح نقدًا منهجيًا له أسس تعمل بالتحليل والأستنتاج .. فأساليب النقد ومدخلاته تختلف بين ناقد وناقد ، كما يختلف أسلوب هذا عن ذاك بإختلاف الموضوعات والنصوص وطريقة هضمها .. فلا يجب أن يقحم أسلوب نقدي يستخدم في جزئية أدبية والظهور وكأن مثل هذا الأقحام هو النقد الأولي الكامل والشامل في منهجه وأسلوبه في البناء الفكري وترصين العاطفة وتمكين الخيال وتحسين الأيقاع والتمكن من اللغة الأم في النص الأدبي .

والأختلافات قد تقوم على سوء الفهم وعلى استعمال خاطئ لمفهوم النقد الأدبي الذي يجر الى الابتعاد عن وظيفة تشخيص الجمال ونقيضه في واقع محتدم ، وهذا يعني ان الاختلافات في وجهات النظر، رغم انها صحية، إلا انها قد تتغذى من سوء الفهم ومن استعمالات لغوية ومفرداتها والمفاهيمية غير الدقيقة، وهو الأمر الذي يجعل النقد غير صحيح وغير دقيق وغير قادر على أداء وظيفته، وذلك لمسببات الشخصنة خارج (الألتزام) الموضوعي الرصين، الذي يدافع عن النص الجميل بحياده والتزامه الأكثر نفعًا وقدرة على التعديل والتصحيح والتقويم .

وحين يدخل الأدب عالم الألتزام الموضوعي مع حقيقة الجمال وجمال الحقيقة الموضوعية ونقائضها ، فلا تجد للناقد والشاعر مكانًا على تلة الحياد.. إنه مع الجمال ضد القبح ، مع الحب ضد الكراهية ، مع الحق ضد الباطل ، مع الفضيلة ضد الرذيلة ، مع الحقيقة ضد اللآحقيقة ، مع الأنسانية ضد اللآإنسانية .. الناقد والشاعر والأديب بشر يعيشون في مجتمع ومجتمع إنساني كبير، ومن الصعب أن تجد مخرجاتهما تطلان وتنظران مثل (نيرون) وهو يرى روما تحترق.!!

هل هذا حياد أم ماذا؟ فعلى الناقد أن يفتش  في أعماقه عن شيء قد يكون ضائعًا وهو (الألتزام) الأدبي بمعناه الأنساني لكي يستطيع أن يستخدم المعايير الصحيحة والحقيقية حيال النص وما يعنيه حيال البشر والشجر والحجر..!!

إن هذه المسألة في تصوري، تحمل أهمية قصوى في رحاب النقد الأدبي، لأن المفاهيم هي التي تحدد كيفية التفكير وتضمن سلامة النقد من التجني والألتباس.. وعلى هذا الأساس، لا يجب الخلط بين الذاتي والموضوعي عند النقد، وذلك بالذهاب الى خانة النقد (الملتزم) لقضايا العصر وهي الأنسانية في جوانبها المختلفة التي تتجسد في النصوص .. وعدم الأصرار على وضع وجهة نظر ذاتية وكأنها هي الوجهة القويمة التي تضع النص في هالة السمو أو هاوية الأهمال .

إن طريق فهم (الألتزام) و(الإلزام) تكمن ليس في خارج السياقات، إنما في جملة المنظومة الأدبية التي تشترط معايير عامة تشترك في إختياراتها نخب فكرية تضعها في ميزان النقد الملتزم وليس العائم في رحاب الذاتي المتفرد لا أن تنغمس في نهر قد يكون موحلاً وتعتبره يَمٌ لا قرار له .!!

 

د. جودت العاني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3674 المصادف: 2016-09-26 10:04:22


Share on Myspace