المثقف - قراءات نقدية

إبراهيم أوحسين: رواية حرية وراء القضبان والبحث عن الهوية المفقودة !!

ibrahim ohseenلم تعد الرواية خلال سيرورتها التطورية والتحديثية، تلك الفصول الطويلة وتلك الصفحات المثقلة بالتفاصيل الدقيقة وبالحشو الإنشائي والسردي المثقلين لكاهل القارئ على النمط "المحفوظي" في البناء الروائي، أو النموذج الموباساني في البناء القصصي (بداية/ عقدة/ حل/ نهاية)؛ كما لم تعد الأعمال السردية في حقبة ما بعد الحداثة على النمط الكلاسيكي الذي يفرض سلطة تعدد الشخصيات واختلاف الأزمنة والأمكنة، إضافة إلى تعدد زوايا السرد و الحكي، و افتراض تعقُّد الحبكة الأساسية الخالقة للتشويق العام من مقدمة العمل إلى خاتمته.

إن من شأن الرواية الحديثة مداهمة المتلقي بمضمون الرسالة مباشرةً، دون الالتجاء إلى ليّ أعناق الكلام، والإغراق في الإغماض والإلغاز إلى مدى يضيع فيه المعنى ويتبخر معه الهدف الأصلي من العمل؛ منتهجةً في ذلك التكثيف السردي ومباشرة الأحداث منذ الفصول والمشاهد الأولى، بلغة بسيطة مفهومة لدى العامة قبل الخاصة، بعيدا عن منطق "الحلاّج" القائل: " من لم يقف على إشارتنا لم ترشدْه عبارتنا"، ليبقى السؤال الأزلي : ما القصدية من وراء ترصيص كلام مشفّر غير مفهوم ؟! أليس من الأجدى أن لا يُتفوّهَ به أصلا ؟!

في زهاء ستين صفحة ومئة، وعلى مدى ثلاثين فصلا، استطاعت الروائية اللبنانية "رندلى منصور" في باكورتها الروائية " حرية وراء القضبان " نسج شبكة علاقات اجتماعية متماهية مع ما تتكبده شخصياتها المعدودة (يارا، غسان..)، من خلال إبراز وتجسيد حيوات واقعية مختلفة، تعايش ما يحدث على مستوى الواقع، وتتفاعل مع ممارساته وأحداثه بكل صوره الإيجابية والسلبية، ومن خلال خطاب روائي، طرحت فيه الكاتبة منظورها الذاتي وقراءتها الشخصية لأهم انكسارات وصراعات الراهن المعيش، مكتفية بالإيماء إليها وتوجيه الأصابع نحوها، متحررة من شرح الواضحات وتفصيل المُفصّل؛ صحيح أننا لا نراها راوية "بارزة "، وباسطة سلطتها القيَميّة على ألسنة وأفكار شخصياتها كما قال    "باختين": «المتكلم في الرواية هو منتج دائم أيديولوجيا، وأقواله عينة أيديولوجية لازمة لإضاءة الفعل الروائي» (1)؛ لكننا وبالرغم من ذلك، نجدها تطل بكل ثقلها اللغوي، فاتحةً بعض الفُرج بين المقاطع السردية، لتسمح لبعض الطفح الشعري في شكل خلجات نفسية وحوارات داخلية أن يخفف من وطأة امتداد الحكي و السرد بنَفَس واحد. وبشكل عام، لا يشكل حضور الكاتب أو غيابه بين ثنايا الرواية فارقا كبيرا، والقارئ لا يهمه في آخر المطاف سوى ما يحبل به العمل من مضامين ومعاني تستفز وعيه، و ما يبلوره الكاتب من رؤى وأفكار جديدة تغني زاد المتلقي وتفتح أمامه آفاق أخرى،طبعا، ومن المفترض أن يُصاغ كل ذلك داخل قوالب لغوية قادرة على إنتاج نص " لذيذ " بتعبير " رولان بارث"، وهو الأمر الذي وُفّقت في بلوغه الكاتبة "رندلى منصور" إلى حد بعيد.

الحرية في زمن العبودية، والوطنية في زمن المصلحة والعمالة والخيانة، والقيم في زمن اللاقيم، تماما كمن سعى جاهدا ليكتب على صفحة من ماء وليس من ورق، ثيمات حاولت الكاتبة نحتها على الصخر وصكّها على وجدان هذا العربي المثقل بجراحه وعلله الاجتماعية والاقتصادية وحتى النفسية، فليس اللاتوازن الذي نعانيه على مدار الدقيقة والثانية إلا تحصيلا حاصلا في آخر القصة؛ أليست النهايات الخاطئة إلا نتائج لمقدمات خاطئة؟     

في زمن الشيء ونقيضه، وفي زمن هزائمنا العربية وهويتنا المفقودة، وخرابنا "الجميل" بتعبير الروائي "أحمد خلف"، وفي زمن « مفكك تختل فيه حركته بسهولة، ويدب فيه الاضطراب لأتفه الأسباب، طافح بشرور بشرية » (2)، لم تزل " يارا" بطلة الرواية قادرة على أن تبعث إلينا ببرقية على مشارف النهاية بأنفاسها المتقطعة واعدة إيانا بانتصار قادم لا محالة، عاجلا أو آجلا.. أمل، وجرعة زائدة من التفاؤل تحقنها الكاتبة بذكاء في وجدان القارئ قبل أن يغادر ويغلق دفتي الرواية، وهو على يقين تماما أنه ما من حرية تُقدَّم جزافا وراء قضبان، وما من انتصار مرتقب على الأقل في ظل راهنيتنا المنتكسة على صُعُد شتى، وفي ظل كل المؤشرات السلبية التي تبين أننا بعيدون _ بُعد السماء عن الأرض_ عن ساحات الانتصارات والأفراح والإقلاع، بل لعلنا لا نفكر أصلا في أشباه هذه الأمور ولا تهمنا لا من قريب ولا من بعيد !! وبعد كل ما قيل، هل يستطيع القارئ حقا أن يصدّق ما جاء في وعود البطلة "يارا" أو لعله سيظل مكانه " في انتظار ما لا يجيء" بتعبير "فاروق شوشة"،أو "في انتظار غودو" كما انتظره مطولا بطل "صامويل بيكيت" ؟ هل يتحفنا المستقبل بشيء مفرح أم أننا ماضون في حراسة أوهام لا مصداق لها ؟

المبدعة " رندلى منصور" خلال تطوافنا المقتضب على بعض ملامح روايتها "حرية وراء القضبان" تنزع منزعا حداثيا في بناء عملها الروائي، وبالذات نهايته التي تعمدت فيها كسر أفق انتظار القارئ ،وتمردها على البنية التقليدية لتعكس تمرد الذات الساردة على البنية الاجتماعية؛ هذا ونشير إلى ميل الكاتبة إلى استدعاء اللغة الشعرية، وطغيانها على بعض الفصول من روايتها، حتى كادت تتحول دون سبق إصرار إلى قصائد نثرية مطولة، ولا غرابة في هذا طبعا، فالكاتبة مخرت عباب الشعر بديوانها "بلا عنوان" قبل أن تطل علينا بعمل روائي، فغلب عليها الطبع الشعري على التطبع السردي في ما أشرنا إليه، وهذا أمر محمود بالطبع، فكما يقول الأديب " محمد سلماوي" : « الأدب الذي لا يرتقي إلى مرتبة الشعر لا يسمى أدبا ».

"حرية وراء القضبان" عمل روائي ينم عن مدى تمكن الأديبة "رندلى منصور" من أدواتها السردية، وقدرتها على استيعاب وسطها وواقع المجتمع العربي بكل تمفصلاته، وتكثيف أحداثه الدقيقة وصياغتها في قالب من التشويق السردي، متجنبة الإطناب والحشو الممل وكذا الاختصار المُخلّ. عمل أتمنى أن يجد له صدى عربيا وطريقا نحو المكتبات العربية خارج الحدود اللبنانية.

 

.......................

هوامش:

1 - المتكلم في الرواية وعلائق الكلام الروائي بالأيديولوجيا، ميخائيل باختين، ترجمة محمد برادة

1985 ص 97.

2 - محور الشر، مشكلة الإنسان. د زكريا إبراهيم. مكتبة مصر. ص 96

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3685 المصادف: 2016-10-07 00:53:04


Share on Myspace