المثقف - قراءات نقدية

منتهى عمران: القصيدة للشاعر علي نوير (طائر الحسون)

تمهيد: لعبت الطيور بمختلف تصنيفاتها دورها كرموز في قصائد الشعر العربي القديم منها والحديث. وقد اختصت بعض هذه الطيور برمزية خاصة واشتهرت بها. بعض منها اتخذتها من الأساطير والحكايات التراثية والشعبية مثل الغراب والبوم والعنقاء والحمام والنعامة وغيرها. وهي بلا شك تحتفظ بها الذاكرة الجمعية للعرب بما أن الحديث هنا عن الشعر العربي. ومن أهم اسباب ميل الشعراء لذلك هي صفة التحليق في الفضاء بعيدا عن الأرض التي يتمتع بها الطائر فلطالما كانت هموم الشاعر نابعة من تواجده على الأرض والتي يعجز في كثير من الأحيان التخلص منها. كذلك قدرتها على الغناء أو التغريد بأصوات جميلة واستمتاع الأنسان بالطرب عند سماعها. يضاف لذلك هجرتها الموسمية الى بلاد اخرى حسب حاجتها لذلك .

وبما أن القصيدة هنا بعنوان (طائر الحسون) وهو من الطيور المعروفة الى حد ما ولكنه لم يكن رمزا قديما أو اسطوريا كبقية الطيور التي ذكرناه ولذا أورد تعريفا بسيطا بهذا الطائر ليتسنى للقاريء التواصل مع الشاعر لاتخاذه كرمز في قصيدته :

هو طائر صغير له ريش براق ممتع للنظر وتغريده زقزقي عذب رخيم تنتشر فصائله في مختلف أنحاء العالم وبمواصفات لاتختلف عن بعضها البعض كثيرا.

ويعتبر بعضها رمزا من رموز التحمل والصبر والخصوبة والمثابرة. وقد تعرضت للأسر من قبل الأنسان حيث يضعها في الأقفاص ليتمتع بجمالها وتغريدها.

 

طائر الحسون في قصيدة الشاعر علي نوير

يتخذ الشاعر من طائر الحسون رمزا يمثله شخصيا بديلا عنه في القصيدة فبدلا من

ان يتكلم بصفته كأنسان فيقول( أنا ) راح يتكلم بصفة طائر الحسون ليبتدأ بقصيدته في المقطع الأول فيقول

ها أنذا طائرُ الحَسّون

أُرفرفُ بجناحَين مَهيضَينِ

أتعبَهُما الطيرانُ الخَفيض ،

لم أقوَ يومآ

على الذهابِ أبعدَ

من أطرافِ هذهِ الغابة .

يصف نفسه المتعبة غير القادرة على أن تعيش حياتها الطبيعية كأنسان من خلال وصفها كطائر الحسون . وهنا تبدو الصورة أكثر بلاغة وأثرا اذ وفق الشاعر في التعبير عن معاناته الأنسانية .

ونلاحظ عند متابعة القصيدة أن الشاعر كرر الوصف هاأنذا أو أنا طائر الحسون أكثر من مرة في القصيدة ليدعم هذا الرمز ويعطيه القيمة المؤثرة لدى المتلقي.

وقد كان هذا الوصف هو الجزء الفاصل بين مقاطع القصيدة ليشكل كل مقطع منها جزءا مهما من قضية الشاعر التي أراد أن يطرحها .

فهو يتنقل من مقطع لاخر يتشبه بهذا الطائر يصف حاله التي يعيشها والتي تسبب له الشعور بالقهر والمرارة في وطنه المليء بالهموم والنكبات والحروب والحقوق الضائعة وصوته غير المسموع رغم أنه شاعر يصدح بأعذب ألحانه كما يفعل طائر الحسون الذي يشبهه.  يعيش حلما لايمكنه تحقيقه رغم مايملكه من مؤهلات في وطن فقد خضرته وزرقة سمائه التي تحولت الى دخان وقلوب ملأتها الكراهية والبغضاء لذا يبحث عن وطن آخر بديل يود لو يهاجر اليه كما تفعل الطيور ولكنه لايملك القدرة بجناحين مهيضين.

ليتَ لي ما للنسرِ من جَناح

ما للغزالةِ من ساقَين

وما للحُواةِ من خُرافة

لآخترتُ سماءً أُخرى

ومدارآ آخرَ

حيثُ الغابة ُ هناك غيرُ الغابة

والأرضُ غيرُ الأرض

 

تمنيات تعبر عن مقدار الضعف الذي يعاني منه الشاعر كما طائر الحسون. هذه الصورة الشعرية البليغة ظهرت قوتها في استعانته برموز النسر والغزالة والحواة مقابل رمزه الأول طائر الحسون.

 

تنتهي القصيدة بذهاب الشاعر الى حتفه المؤكد برصاصة لن تخطأ اذ يقول

أعرفُ أنّ طلقةَ الصيادِ القادمة

على مرمى خطأٍ صغيرٍ لجناحيَّ هذين

وأعرفُ تمامآ

أنَّ جسدي هذا

سيكونُ نَهبآ للريحِ والمطر ،

 

هو يبين حال الوطن وقد شاع فيه القتل في الطرقات والشوارع بلا سبب منطقي أو مبرر معقول كل واحد ينتظر رصاصته التي ترديه قتيلا ولن يذكر فيما بعد.

لقد كان الشاعر موفقا في استخدام طائر الحسون رمزا للمواطن العراقي في الظروف التي يعيشها بلده العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003.

وهذه قصيدة الشاعر كاملة:

 

طائرُ الحَسّون

على آمتدادِ ساحلٍ مَهجور

فوقَ غُصنِ شجرةِ سرو

أو بينَ سَعَفاتِ نخلةٍ عَجفاء

لا فرقَ

ها أنذا طائرُ الحَسّون

أُرفرفُ بجناحَين مَهيضَينِ

أتعبَهُما الطيرانُ الخَفيض ،

لم أقوَ يومآ

على الذهابِ أبعدَ

من أطرافِ هذهِ الغابة .

أنا طائرُ الحَسّون

ثقُلَ طيراني الآن

سئِمتُ مرأى التضاريسِ ذاتِها

مرأى الأشجارِ الذاويةِ والسواقي الشحيحةِ ،

والعضايا والأسلابِ المنثورةِ هنا أو هناك ،

حرائق الغاباتِ وآستغاثات المدن

أحلمُ بغابةٍ أبعد

بأنهارٍ دائمةِ الجرَيان

بسماءٍ دائمةِ الزرقة

بأرضٍ خضراءَ ، وقلوبٍ خُضْر

أهذا كثيرٌ عليّ ؟

أنا طائرُ الحسّون

أتقنُ الزقزقةَ على النوافذِ المُشرَعَة

والرفرفةَ لأُنثاي

بجناحَينِ مُشعَّين مثلَ فسفورتَين

كلّما داهمني المساء

روحي هائمة ٌ

وقلبي الصغير بحجم بلاد

ليتَ لي ما للنسرِ من جَناح

ما للغزالةِ من ساقَين

وما للحُواةِ من خُرافة

لآخترتُ سماءً أُخرى

ومدارآ آخرَ

حيثُ الغابة ُ هناك غيرُ الغابة

والأرضُ غيرُ الأرض

ها أنذا طائرُ الحسّون

بقلبٍ ثقبَتْهُ الأحلام

وأثقلَتْهُ المواجع

أعرفُ أنّ طلقةَ الصيادِ القادمة

على مرمى خطأٍ صغيرٍ لجناحيَّ هذين

وأعرفُ تمامآ

أنَّ جسدي هذا

سيكونُ نَهبآ للريحِ والمطر ،

كلُّ ذرّةٍ منهُ ستمضي الى مَدار

لن يكونَ لطائر الحَسّون أسمهُ المُلتبس

ستبتهجُ الأبجديةُ بعودةِ أحرفِها المُغتَصَبة

ولن تتحدّثَ طيورُ الغابةِ عن طائرِ الحَسّون بعد الآن

لها أنْ تتحدّثَ حَسْب

عن طيورٍ كثيرةٍ

ستأتي بها الريح

ذاتَ مطر

 

منتهى عمران - البصرة - العراق

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3706 المصادف: 2016-10-28 21:08:48


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5738 المصادف: الاحد 22 - 05 - 2022م