المثقف - قراءات نقدية

فاروق السامر: تأويل الشفرات المركزية في رواية "الشاهدة والزنجي"

faroq alsamirإنّ رواية "الشاهدة والزنجي" للقاص والروائي مهدي عيسى الصقر، مبنية بالدرجة الأساس على الخلق والابتكار، وهي تعكس أصالة الكاتب، ورؤيته الفذة في الكشف عن الجوهر الحقيقي للواقع المادي كما يتبدى له في نقطة تاريخية حسّاسة، ثم يعيد تشكيله وصياغته بجرأة ٍ وأمانة ٍ وصدقٍ وفق تصوراته وكشوفاته، ووفق مقتضيات موضوعه ومدى ارتباطه ومساسه بحياة الناس ومصائرهم التاريخية ومشاعرهم العميقة، محتكماً بذلك إلى بصيرته وضميره بتجرّد كامل دون أن ينافق أو يزوّر الوقائع أو يرمي في وجوهنا أكداساً من الأكاذيب والافتراءات، وهو يلجأ عبر منهجه الواقعي العنيد الذي يعتمده في الكتابة ويعتبره ترياقاً ضد الفساد الثقافي والسموم الرجعية إلى طريقة صارمة بانتقاء الشخوص والأماكن والوقائع وبؤر الصدام في ظروف خاصة جداً، مسلطاً عليها ضوء الفنان الفاحص بنضال روحيٍّ وعقلي لا يلين، بحيث تتكشف الحقائق والأمور بسطوع وانبهار، ثم يُغني معانيها ويوسّع مدياتها كي تتجدد مرّة بعد مرّة في ظروف وأزمان مقاربة. والرواية لا تفسّر أو تقصُّ الشيء الكثير من الوقائع والأحداث والمصائر، كما ليس فيها إشاراتٌ اعتباطية ٌ أو مفرّغة ٌ من الدلالة وإنما هي مرسومة ٌ وفق نظام تقني صارم ٍ يساعدً على إيضاح معانيها وكشف دلالاتها المضمرة.

والصقرُ من ناحيته يُولي عناية ً فائقة ً للمعنى والمضامين ويوازنُ بينها وبين أشكالها وفق غاية الكاتب المسؤول وغائية الإبداع التي ألقاها التاريخ على عاتقه، وقد عتـّم (البغاءُ النقدي) على أعماله كثيراً لأنه وقف صامداً بشموخ مع القلة المقاومة الأصيلة ضد الرجعية الأدبية وضد التدهور والانحطاط المقنـّع في صورة التقاليع السطحية والبدع الأدبية الزائفة المبالغ فيها، وقد حقق في هذه الرواية الوحدة الموضوعية بين عوالمها الداخلية والخارجية، والموازنة والانسجام فيما بينها، عبر استعمال أساليب سرد مختلفة، وبؤر متعددة، واسترجاعات متقنة بين زمن ٍ حاضر أو حاضر يرتبط بالماضي القريب وقد يمتد أحياناً إلى الماضي البعيد المسترجع حسب الضرورة، كما توصّل بمقدرته الفائقة على الخلط بين عدة ضمائر في آن ٍ واحد، كالخلط بين الضمير المخاطب والضمير المتكلم والراوي المتشرب بوجهة نظر الشخصية، وقد لجأ من ناحية اللغة إلى تقريب الفصيح من العامي والمزاوجة بينهما، ليس في الحوار فقط وإنما في السرد أيضاً، الأمر الذي جعل منها رغم عمقها ودقتها، رواية خالية من التعقيد والإيهامات والمتاهات، وخالية أيضاً من الغوامض العقلية والعاطفية.

 

العنوان والشخوص

إن روح الرواية ومركزها الأول هو العنوان، إذ يبدو الصراع الأساسي فيها والعلاقات العضوية بين أبطالها، والعوامل الاجتماعية والتاريخية الخاضعة لها، كأنها تنبع مباشرة ً منه لتعود وتصبّ فيه مرّة ً ثانية ً، كما تبدو جهود الفنان وصياحه الداخلي ومشاغله وأهدافه قد تكثفت فيه بقوة، فصار العنوان بيتاً واسعاً، وعالماً رحباً فسيحاً، وفكرة خصبة، وهو ذو بعدين: يتمثل بعده الأول بفتاة تلعب دور الشخصية المحورية في الرواية ومنتخبة من الواقع عبر ديالكتيك وجودها الفردي والاجتماعي تتعرض للضياع القهري الاضطراري في نقطة حاسمة من تاريخ البلد، هي فترة الاحتلال، وهي الشاهد الوحيد على كل شيء، على الظلم الاجتماعي الذي حاق بها جرّاء تزويجها لرجل عجوز وعقيم، وعلى عمليات السطو والنهب والسمسرة التي تجري خلف الكواليس وتحت جنح الظلام، وعلى أفعال القتل والاغتصاب، وعلى عملية الاحتلال برمتها وما يحيط بها من أسرار وغوامض، ثم شاهدٌ على قراراتها وحريتها ومصيرها وانتحارها، بينما يمثل الزنجي: المغتصب والقاتل، بُعدها الآخر الأكثر عمقاً ودلالة، الذي يشير إلى بؤر الصدام التي يتكشف من ورائها هدف الرواية الرئيسي كما حدده الكاتب وشرعَ يحثُّ نحوه خطاه بثقة وثبات، وقد عافه الكاتب لغزاً غامضاً، وسؤالاً محيراً، وسط سواد بشرته وظلامه، ووسط الظلمة التي يجري فيها الحدث، بحيث لا يمكن تأويله والإجابة عليه إلا من خلال عملية الاحتلال والمحتلين. والرواية لا تثرثر في ذلك كثيراً ولا تلجأ إلى استعمال اللوائح والخطب والشعارات المعلنة.

وفي حوار البطلة مع أمها ما يؤكد ذلك:

"كلهم متشابهون.. الشفاه نفسها.. والأنوف.. وكذلك الشعر.. واللون أيضاً.. وأنا محتارة ٌ .. لا أدري ماذا أفعلُ!"

كما تبدو جميع الشخوص في رواية "الشاهدة والزنجي" شخوصاً ضبابية غامضة غير مكتملة ذات علاقات ضحلة فيما بينها، وهي عرضة ُ للردّ والنفي والاعتراض، لكنّ هذه الضحالة في العلاقات، وهذا اللااكتمال والغموض هو سبب ثباتها وواقعيتها، كونها شخصيات هامشية لا تمتلك أدواراً قوية وفاعلة في الحياة، بينما تمثل "نجاة" المحور الرئيسي في حياة هؤلاء جميعاً. وهي مصاغة وفق قوانين تطورها النسبي والمحدود جداً في الواقع في ظروف مقتطعة ومواقف حادّة حاسمة وتتصرف وفق نوازعها وإراداتها مع الرعاية الضرورية من خالقها، وقد بذل الكاتب جهوداً حثيثة للتخلص من قشور الشخصيات ومن جميع الأشياء الزائدة التي لا تؤثر على حضورها وفاعليتها في النص، وقدّمها لنا كجوهر خالص بضربات فنية عالية وبمفردات منتقاة وجمل كثيفة رصينة، أغنته كثيراً عن الدخول في تفاصيل لا جدوى منها؛ إنه يعرف من أين يبدأ معها، وأين ينتهي منها، وما هو الشيء الضروري فيها، وأين يسلّط ناره الخالقة.

 

 

الوقائع والأحداث

إن الحدث الرئيسي الذي ترتكز عليه الرواية هو حادث الاغتصاب الذي تتعرض له البطلة من قبل أحد جنود الاحتلال، تتمخض عنه أحداث أخرى تأتي كنتيجة لفعل الاغتصاب، هي مقتل الضابط الأمريكي واقتياد البطلة المتكرر إلى ثكنات الجيش ومستودعاته من أجل التعرف على القاتل:" يتصرفون، وكأنهم أسياد الدنيا. يعتدون عليها ثم يأخذونها للشهادة كأنها ليست هي الضحية الأولى!".

والبطلة زوجة لرجل نجار في عمر والدها، تزوج منها قبل أربع سنوات دون أن تنجب منه، ولو تتبعنا مأساتها بدقة لوجدنا بأن الزوج يتحمل العبء الأكبر من الدرك النفسي والأخلاقي الذي وصلت إليه نتيجة للقهر الاجتماعي والقوانين السائدة، فهو طاعن في السنّ، عاجزٌ وعقيم، ونجاة التي في عمر الزهور، الصافية، البريئة، التي تنبهر بغرائب الحياة وتهوى اللـُعب والدمى، تبقى على أمل أن تصحو ذات يوم فتجد بين ساعديها طفلاً تهدهده؛ لكن الصدمات كانت تمشي إليها دون وعي كامل منها، بينما هي تتلهى باسترجاع مباهج الطفولة وعاداتها، ومن نقطة عقارة الزوج تبدأ مرحلة ضياعها وتدهورها وانحطاطها، فيصادف أن يكتشف فيها هذا الضعف، احد الرجال الانتهازيين الذين يمتهنون السلب والنهب والسمسرة، والذين يضعون أغراضهم الشخصية فوق جميع الاعتبارات، فيعترض طريقها ويطاردها ويلاحقها بإصرار؛ وكانت من ناحيتها تمتلك ما يكفي من أسباب ومبررات ودوافع للتمرد على الروتين القابض في حياتها الموحشة وحالة الاستلاب التي تغرق فيها، الأمر الذي أعطاه الفرصة الملائمة لاستدارجها نحو البساتين وتقديمها وجبة شهية إلى الأمريكان والزنوج، وبذلك تكون قد عصفت بكل شيء في لحظة جنون خاطفة.

ورغم إدراكها بأنّ "حميد المعتوه" قد حذرها منه مراراً:

-"لا يتورع عن القيام بأي شيء من أجل المال، حتى أمّهُ يبيعها إذا وجد من يشتريها."

لكنها لم تستمعْ إلى نصائحه إطلاقاً وانساقت نحو غرائزها مخدّرة العقل والمشاعر ومن مأزق إلى مأزق، ومن كارثة إلى كارثة، حتى تجد نفسها متورطة ً في حادثة القتل ومسؤولة مسؤولية ً مباشرة عن اكتشاف هوية القاتل من بين جميع هؤلاء الزنوج تحت إرهاب الضابط وسطوته:

-" لا تريد أن تتذكر، لا تريد أن تتذكر أي شيء مما حدث. تود لو انمحت تلك الليلة من حياتها بكل تفاصيلها المرعبة. لو سقطت من ذاكرتها تماماً. ولكن هل يستطيع الإنسان أن ينسى ساعات انكساره؟ ساعات ذلـّه ومهانته؟"

بينما يكون الزوجُ الذي ساورته الشكوك" حين اعترضت طريقه أم حميد، تلك المرأة المخبولة، وأخبرته أنّ ابن الخبّازة جاء سكران إلى المحلة، ووقف على باب دارهم يهتف باسم زوجته نجاة" قد أدرك في لحظة صحو عابرة بأنه :" كان يحاول الحفاظ على بيت منخور الجدران من الداخل، ولم يتبق منه غير هيكله الزاهي" فطلقها على الفور، وفرّ هارباً إلى جهة مجهولة. وتظل هي تتشبث بالقشش الطافية وتقاد بين حين وحين في سيارة الجيب العسكرية لغرض التشخيص، ترجو العون من المترجم "توفيق" الذي تم اختياره لهذا الواجب، لكنها تكتشف فيه صورة مطابقة لإبراهيم السمسار بأسلوب مختلف حين يدعوها إلى شقته عند أول فرصة متاحة وينال وطره منها ويتخلى عنها، ويصبح الآخرون في نظر نجاة جحيماً وخنازير ووحوشاً:

-:"كلهم خنازير.. إنّ أي واحد منهم – أسود كان أم أبيض- لو أتيحت له الفرصة لاغتصبها بكل قسوة كما فعل وحش البساتين."

وتتكالب الأزمات، ويثور أهالي المنطقة ويأتيهم إنذار بترك الدار، بينما كانت تعيش محنة معقدة قاهرة خاصة بالجسد، حينما بدأت عندها علامات الحمل، فأعطتها دافعاً مضافاً للمضي فيما اعتزمت عليه؛ لقد قررت أن تنهي كلّ شيء وتلم مجموعتها من حبات الحصى الملونة المنفرطة، وأن تركب أحد القوارب أو تتمسك بعصا الطفولة التي تذهب مع التيار نحو البحر العميق.

 

المدينة والمحتلون

إنّ المدينة التي تجري فيها أحداث الرواية هي مدينة البصرة مسقط رأس الكاتب، وقد طبّق الصقر عليها مبدأ العزل والتقريب والانتقاء، ومبدأ التماثل والتضاد، فاختار بعض المساحات والأماكن، الداكنة والمضيئة، الواسعة والضيقة، المعادية والمسالمة، وخطط ملامحها وسماتها بدقة لتنفيذ مغامرته الفكرية عليها، كما كان يهدف له بالأساس. وكما تقتضيه الضرورة الموضوعية، وقد ساعدها بهذا التأسيس الجديد، المطابق والمغاير في الوقت ذاته، على الارتقاء بالمكان من الفضاء المحدّد الثابت إلى الفضاء الواسع اللامتناهي، الأمر الذي اضطرّ الكاتب أيضاً إلى تجنب الدخول في التفاصيل الصغيرة لحياة الناس اليومية وعاداتها وتقاليدها، ثم عمد إلى استبدال جنسية المحتلين كما هو في الواقع من إنكليز إلى أمريكان على أساس أن المحتلين لا يختلفون في ثبات جوهرهم وإن اختلفت جنسياتهم، يضاف إلى ذلك أن أمريكا اليوم هي المتسيدة على العالم وبيدها مفاتيح الدول والبلدان، وهو يعيد ترتيب الأجناس والأماكن بالأشكال والصيغ التي ترتقي بمعاني النص الروائي وتعمق دلالاته وتفتح له مديات واسعة.

 

المدينة والنهر

والنهر في الرواية يشطر المدينة شطرين، نظيف وملوّث؛ الصوب البعيد الذي يقع عبر النهر، هو منفى وعالم سفلي، صوب بائعات الهوى وبيوت الدعارة والمتاجرين بأجساد البائسات. لكن النهر يبقى رمزاً للطهارة وأحلام الطفولة الذي تقبع في أعماقه كنوز "نجاة" من الحصى الملون والأشياء الغريبة الأخرى، والذي تسبح فيه مع "منصورة" في فترة طفولتها والذي أخذ تياره عصا التأديب الموجعة التي كانت تحتفظ بها أمّها؛ ثم نهرها الذي تتوق إليه والذي سيأخذ جسدها وروحها إلى البحر والمجهول؛ وهو نهر الحياة الذي يمضي فيه وإليه كل شيء.

 

الصورة العارية

على الجدار في شقة المترجم صورة ٌ تمثل امرأة عارية تجلس على الأرض وهي تمشط شعرها الأسود الغزير المتهدل في حضنها بعد التطهر عن طريق الاستحمام. وهناك وصفٌ دقيق لجسد المرأة الممتلئ شبابا وحيوية تنساق "نجاة" لتأمله في مزيج من الإعجاب والحسرة. والصورة بوجه من الوجوه تمثل "نجاة" وهي في حالة توازن جسديّ وروحيّ وفي حالة طهارة خالصة، كما تذكّرها بخطاياها أيضاً واتساخها والفخاخ المنصوبة لها والغزو الجنسي الجديد الذي ستتعرض له بعد حين، ولن تتاح لها فرصة أخرى لطهارة ثانية إلا بالغرق في النهر العميق.

 

عصا الطاعة

بعد مسلسل الخيبات واليأس والتدهور الذي تمرُّ به "نجاة"، تحلمُ بفتاة صغيرة تجلس على قارعة الطريق و"مجيد الأعمى" يهزّ عصاه الخيزران فوق رأسها مهدداً، والطفلة تغطي وجهها براحتيها وتبكي بحرقة. إنّ هذه الطفلة التي تأتيها في الحلم هي "نجاة" الجانحة، المارقة، المتمردة، وعصاه هي عصا الطاعة في زمن الطفولة البريئة التي كانت تستعملها أمّها لتأديبها حين تسبح مع "منصورة" في النهر. ويهدف الكاتب من وراء ذلك بأن طغيان الزمن يبدأ من تلك النقطة البعيدة في حياة الإنسان، وبأنّ الآخرين الكبار لا يدركون تماماً الجوهر الحقيقي للبراءة المتمثلة بالعصيان والتمرد الطفولي، وهي محاولة لاسترداد ما فقدته من برائتها على صعيد الواقع عن طريق الحلم.

 

حركة الكف

تتكرر حركة الكف في الرواية مرتين، وهي ترمز على أن صاحبها يعيش حالة حصار نفسي ويرزح تحت ثقل أزمة شخصية خانقة أو في طريقه نحوها ويبذل جهداً شاقاً للخروج منها. فحين تطلب "نجاة" من "توفيق" السفر بصحبتها، يباغته هذا الطلب ويدفع به نحو طريق مسدود، فيحدق بها مبهوتاً ويُفرد أصابع يده اليمنى ويقبضها عدة مرّات. وحين تذكّر "نجاة" والدتها بعصا الطفولة وكيف جرفها الماء إلى البحر، تقبض يدها اليمنى وترفعها أمام وجهها ثم تفتحها في الهواء كأنها تطلق طائراً حبيساً. إنها تعني التحرر النهائي من عبودية القفص ونيل الحرية المطلقة، والتخلص من الالتزامات القسرية التي لا إيمانَ بها، ومن عبودية الحياة المقرفة المملوءة بالأفخاخ والشرور والمقالب.

 

العقارة

بعد فترة وجيزة من حادث الاغتصاب الذي تتعرض له "نجاة" في البساتين تظهر عليها علامات الحمل السريع، لكنّ هذا الحمل يبدو في الرواية محاطاً بالغموض ومنابعه مجهولة. ولو عرفنا طبيعة العلاقات التي فرضتها ظروفها القسرية مع الأشخاص الثابتين، الزوج وإبراهيم وتوفيق والزنجيّ، فإننا نستثني الزوج من ذلك بسبب عقارته ِ ونبقى بمواجهة الثلاثة الآخرين الذين يمثلون خطاً مشتركاً واحداً، هو خطّ المحتلين ومن تآزر معهم في وقت المحنة، الأمر الذي يدعو إلى الاعتقاد بأن تظافرَ هذه الجهود الثلاثة هو الذي أدّى إلى إخصاب البيضة؛ لكننا من ناحية ثانية نرجّح كفة الزنجي الوافد بسبب أن الحمل يتأسس مع فكرة الرواية الثابتة بأن الاحتلال يُنجب مسوخاً ونظماً وأفكاراً شاذة، وقد توصّل الكاتب من ناحيته إلى اكتشاف أحد الحلول الملائمة التي تقضي على الفايروس وحامله وذلك بأن دفعَ ببطلته إلى الانتحار.

 

إضاءة أخيرة

تبدو الرواية في نهاية الأمر، رواية مواقف واصطفاف أفراد، رغم بساطة الشخصيات ومحدودية أشكال الوعي التي تميّزها، فالملاحظ بأن ليس فيها وعيٌ استثنائيٌ، وإنما هناك وعي في حالة الصيرورة هو وعي "نجاة" الساذج ومداركها المحدودة، إذ تصبح الشاهدة في النهاية مجردَ فكرة وموقف ومصير، بينما يمثل الزنجي فكرة ً أخرى تتصادم أو تتصارع معها بيأس وشراسة. إنهما يرمزان إلى الأرض والأقدام الزاحفة، الوطن والمحتلين، وقد خسر الفوهرر الحرب أمام الحلفاء، بينما تكون "نجاة" قد فرّت هاربة بجسدها وروحها نحو البحر.

تبقتْ هناك إشارة أخيرة بأننا قد أطلقنا سابقاً على الأدب الذي يتناول نزوح الأهالي عن المدن جرّاء الحروب والمحن الأخرى بـ" أدب النزوح" بعد أن كتبنا فيه قصصاً ومقالات كثيرة. لذا ندعو كتاب القصة والرواية للإفادة من "الشاهدة والزنجي" طالما هناك بعض أوجه المقارنة بين ظروفها التاريخية والسياسية وظروف البلد الحالية، والكتابة عن الاحتلال من زواياه المتعددة: مبررات وجوده، أهدافه، غاياته، نتائجه كي يتأسس لنا أدبٌ يسمّى" أدب الاحتلال" نستعين به في حياتنا المقبلة.

 

قاص وروائي عراقي من البصرة

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3706 المصادف: 2016-10-28 21:27:26


Share on Myspace