المثقف - قراءات نقدية

مصطفى دويدار: قراءة في قصيدة: مائدة الفرح الميت للشاعر محمد ابراهيم أبو سنة

ينبت ظلى فى مرآة الحائط

ينبت ظلك فى مرآة السقف

نتواجه ,و نجلس

نقتسم الصمت و أقداح الشاى البارد

تفصلنا مائدة الفرح

تتحرك فينا أوراق خريف العام الماضى

تتعرى أغصان العزلة

و تهمهم بين جوانحنا الأسئلة البلهاء

من أين؟ و كيف؟ لماذا؟

يضحك فى أعيننا الدمع

يتسلل برق أسود

يقلب مائدة الفرح الميت

و تطقطق فوق المائدة عظام الصمت

نخفى أوجهنا فى البسمات

و نرتل فى جزع بعض الصلوات

نتسابق كى نزجر هذا الدمع

و نوارى تحت حطام الذكرى

أشواق سؤال أحمق

يذبل زهر اللهفة

يندفع النهر بعيد عنا

تهجرنا الريح و يصفعنا باب البستان

و يموت الطائر

فى القفص الأزرق

يحفر فى أنفسنا

قبرا لأغانيه

تسألنى

ماذا قلت الآن؟

ينفجر النهر طيوراً

تهرب لا تلحقها الريح

يرحل صوتك نحو الشرق

يرحل صوتى نحو الاعماق

نتلفت

.. نبصر قبراً قرب المائدة الجدباء

يتجول مزهواً بالاحمال

يفتح شباك أخضر

تتراقص تحت الأعين

غابات الصيف الحمراء

تسألنى:

من هذا الحطاب الأسود.

يهوى فوق جذوع الأشجار؟

أسألها من هذا الحطاب الأسود

يهوى فوق جذوع الأشجار

يغلق شباك الصيف

ترتفع النار الزرقاء

يبتسم شتاء داكن

من بين الأستار

نبكى نضحك . ملء الليل الدافىء

تسألنى

من هذا الساقى الأبيض

يطفىء فى المدفأة النار

تأتى زهرة

لتحدثنا عن مولد أغصان الحسرة

فى أشجار الفصل المقبل

نتكتم فى أنفسنا

أنباء هزيمتنا نركض ظمآى جوعى

تهزأ منا الريح ألمسها . تضحك لى

تسقط فوق الأرض البسمات

نرتجل الكلمات و ننهض

يغلق قبر الذكرى

أبواب الأسئلة البلهاء

يتحول عنا القبر

يتقدمنا ..

يخرج من باب الحانة

نتبعه فى ذل الأسرى

يجرى نركض خلفه

لا ندركه

نسقط فوق شواهد قبر آخر

يلقينا فوق الأرض الإعياء

يصرخ كل منا فى وجه الآخر

من فينا الحطاب الأسود؟

 

استوقفتني قصيدة الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبو سنة، ووجدتني مندهشا أمام ما تحتويه من ألفاظ وتراكيب لغوية، وصور متتالية وعبارات متناسقة، وجمل شاعرية رائعة، وقد زاد اندهاشي عندما نظرت إلى عنوانها (مائدة الفرح الميت) . فوجدت قلمي يتسلل من بين أصابعي لينقل ما أصابني وأدهشني إلى مقالة تعبر عن ما انتابني من مشاعر تجاه هذا النص الذي وقعت عيني عليه مصادفة، فجاءت على هذا النحو .

لا شك أننا أمام نص يمثل المدرسة التي ينتمي إليها الشاعر، والتي شكلت وجدان جيل من شعراء الحداثة في أخريات القرن الماضي .... فتبدو الصورة الشعرية هي المحور الذي يقود الشاعر إلى النسيج المتكامل على أنغام منواله .

وقد سيطرت التجربة الشعرية على مفرداتها وسطورها فصنعت الجو العام للقصيدة، وغلفتها بقتامة وغموض ورغبة واستسلام للموت بصفته البطل الحقيقي الذي تدور في فلكه كل الأفكار اليائسة ممثلة الجو النفسي للمبدع، وحالة التوتر التي تصيب المتلقي أينما ذهب بخياله باحثا عن مضمون القصيدة .

فهي من نوع القصائد التي تحمل القاريء على أكف القراءة المتأنية وكلما أمسك بالفكرة بادرته صورة شعرية تجعله يهبط من علياء أفكاره ليعاود الكرة من جديد باحثا عن فكرة ربما تخالف ما توصل إليه عند القراءة الأولى .

ولا يكاد القاريء يلهث خلف جمل متلاحقة كتلاحق نبضات قلب الشاعر تحت ظلال أفكاره وأمنياته، عندما يلتقي بحبيبة مضى على فراقها سنوات، حتى أنها تكاد تكون في عداد الموتى وتبعث من جديد لتلحق بموت أكثر عنفوانا من ذي قبل .

لقد صاغ الشاعر صمت لقاء باهتٍ على مائدة تبدو كأنها عربة الموتى، قصيدة تمتليء بالحيوية الفكرية رغم ما يسيطر عليها من قتامة وجمود وخمول وموت. فهو يمتلك ريشة فنان تمرس على الإبداع، يصور ما حوله في رشاقة لا تخلو من الخبرة الإبداعية والحرفية والقدرة على الخلق .

فمنذ الكلمة الأولى في قصيدته بدا لنا أننا سنمضي في رحاب لوحة كبيرة تضم مجموعة من اللوحات والصور الإبداعية، فكيف للظل أن ينمو كالنبات أو كأي كائن حي وهو يتهيء للموت؟ . إنه ذلك النمو الوهمي الذي نقلته المرايا المحيطة بمائدة اللقاء، وكأننا نراه يجلس في قاعة مغلفة بالمرايا تعكس له ما ينقله لنا من أفكار .

إنه عتاب للزمن الفراق، الذي جمع بين حبيبين في وقت لا يحمل جدوى لهذا اللقاء، فكانت مائدة الفرح الميت، فلا يكاد الشاعر يفرح بذلك اللقاء حتى يداهمه الموت، وكأن شيئا لم يكن، فما كان للفرح أن يشق طريقه ليبادره بعناق ويفترش مائدته، إنها بحق تجربة أكثر قسوة من لحظة مخاض تتبعها لحظة فناء، فلا تكاد الروح تتغلغل في جسد ما حتى تغادره تاركة خلفها جثة هامدة لا حياة فيها .

وماذا عن ظلين ينموان في مرايا لا يكادان يلتقيان إلا وهمًا، فإن تعامد الحائط مع السقف ليكون بينهما نقطة التقاء عند زاوية قائمة، فذلك لا يعني سوى نكسار لخط كان يجب أن يكون مستقيما وظلين كان يجب أن يكونا متجاورين .

وبعد مواجهة بين غائبين يجلسان على مائدة واحدة لا يقتسمان خبزا ولا شرابا، وإنما اقتسما صمتا تتلاحق فيه الذكريات والأفكار مكونة حالة من الوجوم والانتظار لما بدا أنه لن يكون . وتدل أقداح الشاي البارد على الفتور الذي اعترى اللقاء بل العلاقة برمتها . كذلك تلازم الأوراق مع الخريف تدل على السقوط والموت، الذي أصاب هذه العللاقة . وتكتمل الصورة الخريفية بعري الأغصان في قوله " تتعرى أغصان العزلة " .

إنها لغة العيون التي سيطرت على المشهد الدرامي للحظة التالية، وتتقاذف بينها الأسئلة ( أين وكيف لماذا؟ ) يالها من حالة تقشعر لها أبدان العشاق الذين خاضوا تجربة الفراق الأزلي بلا عودة، فامتلأت العيون بالدموع وإن بدت ضاحكة من هول المشهد الدرامي . ليتسلل البرق الأسود كي يقلب الطاولة التي أضحت مائدة للفرح الميت في لحظة تداخل المشاعر والأحاسيس والأفكار .

يالها من صورة رائعة لحالة يائسة في قوله " وتطقطق فوق المائدة عظام الصمت .... نخفي أوجهنا في البسمات ".  فالصمت هو العنصر الوحيد الحي على هذه المائدة يطقطق كاشتعال النار في هشيم قلبيهما المنكسرين، بينما ترتسم على وجهيهما ابتسامات ملفقة، يتدثران بها لإخفاء ما تنطوي عليه قلوبٌ شابها الخوف والحزن وأدركها الموت .  ورغم ما أصابهما من حالة الجزع التي دائما ما تسبق لحظة الموت يرتلان الصلاوات ويحاولان اخفاء الدمع دون جدوى .

إن استرسال الشاعر في تصوير هذه الحالة جعله يبتكر من الموت حياة زائفة فإن كان هناك زهر فهو يذبل، وإن لاح نهرٌ فقد مضى بعيدا عنهما كذلك الريح والبستان والطائر، كلها إلى الموت، وحتى حركة باب البستان تحدث ضجيجا مثل أبواب قصرٍ مهجور، يتسلل منه الخوف ليصفعهما .

إنها حالة الموت التي انتابته فصاغ كل مفردات هذا الموت في طائر بائس يموت في محبسه " القفص الأزرق" فهو لم يشعر يوما بالحرية. تماما مثل ذلك  الحب الذي ظل حبيس غربة وفراق حتى مات قبل أن يعرف الحرية وما كان لهما أن يلتقيا . فموت الطائر هو موت ذلك الحب الذي حفر في نفسيهما قبرا لما كان يجب أن يكون عليه من تراتيل وغناء .

ياله من مشهد درامي محتدم، عندما تتحطم رتابة الصمت على همسة متسائلة " ماذا قلت الآن " كان السؤال مفاجئا، فما بين الحياة والموت قصة عشق تختنق، ينفجر النهر طيورا، لكنها تهرب فلا تلحق بها الريح، ينطلق صوت حبيبته لكنه يرتحل صوب الشرق، ويظل صوته مكتوما، حتى إنه ارتحل إلى أعماقه فلا يمكنه الوصول إليه . وتزداد حالة الموت عند التفاتة الحياة، فلا يبصران إلا قبرا، بعد أن أجدبت المائدة من كلمات العشق أو حتى مجرد لغة الحوار .

يتمادى الشاعر في تصوير قبر العلاقة، فهو قبرٌ متحرك، يتجول في وجدانه، يفتح له نافذة خضراء، يتراقص، تتراقص معه غابات الصيف الحمراء .

يتبادلان سؤال واحد " من هذا الحطاب الأسود " كأنهما يرون صورة واحدة، فقد تجسد الموت أمامهما حطاب أسود يهوى بمعوله فوق جذوعهما أو بالأحرى فوق جذوع أشجار كانت يوما تمتليء بالحياة والخضار، ولا يكتفي الحطاب بقتل الحياة في الأشجار، فيغلق شباك القبر الذي لاح في عينيهما، لتكتمل الصورة المخيفة باشتعال نار زرقاء  ويأتي شتاء داكن بابتسامة بلهاء، وخوف مرير يتسلل من بين الستائر فيختلط البكاء بالضحكات وكلاهما خوف . ولا أدري لماذا استخدم الشاعر تعبير الليل الدافيء فالجو العام يوحي ببرد شديد، ولعل الركض الوجداني هربا من حالة الموت قد جعل الليل دافئا، فيأتي سؤالها الثالث . من هذا الساقي الأبيض؟ وفي ذالك إشارة إلى الشحوب والموت الذين يوحي بهما اللون الأبيض . إنه الساقي الذي أطفأ النار في المدفأة التي كانت تسكن وجدانهما، وتجعل الليل البارد دافئا رغم الشتاء الخوف .

إنها النبوءة، فالأتي ليس بأفضل من السابق، فتأتي زهرة تحدثهما عن مولد أغصان الحسرة في أشجار الفصل القادم، واستمرارا لحالة الصمت يأتي الحديث معبرا عن تواري الصوت في خلجات النفس، وتتبعها لحظة فراق جديدة، فلقد همَّا للرحيل، فيلمسها وينظرا للأرض مبتسمين  وكأنه الخجل قد اعتراهما، ولكن الصورة مستمرة في لوحة الموت الأزلي .

ما يكاد يغلق قبر الذكرى باب الأسئلة البلهاء  حتى يتجسد الموت رجلا، يسابقهما إذ همَّا أن يغادرا الحانة تاركين خلفهما مائدة الموت، فإذا بالموت يتقدمهما خارجا من باب الحانة، وقد هيمن عليهما حتى أصبحا أسيرين بين يديه في ذل وخنوع، حتى أنهما صارا تابعين له، فأصبح كل منهما حطابا أسودا . فراح كل منهما يسأل الآخر " من فينا الحطاب الأسود . 

 

دكتور مصطفى دويدار

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

أهو أدونيس الذي ألهته المياه وظل علي قيدها نبوءة أشتعلت عشقاََ
حتى أهتدت اللغة برسولها " دكتور مصططفي دويدار "
يبارك هواجسها ويكشف النقاب عن اسرارها يُقلِم جذورها الغير مقروءة لنا
حتى اكتملت فرائض الحرف واستقام بين محرابه
كل الود لوريث المطر

منار محمد
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك أستاذة منار
تحياتي لحضرتك ولذكائك وفطنتك

دكتور مصطفى دويدار
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3710 المصادف: 2016-11-01 00:51:13


Share on Myspace