المثقف - قراءات نقدية

رشيد طلبي: قصيدة النثر العربية وثنائية الوزن والإيقاع

بدءا ذي بدئ: إذا كان إشكال ثنائية الشعر والنثر قد أسفر عن تمييز بينهما بشكل سطحي؛ اعتمادا على "الوزن" و"القافية"، فإن الدراسات الحديثة، خاصة منها المنصبة على "قصيدة النثر العربية" حاولت أن تميز في صميم هذا الاشكال بين الوزن والايقاع سواء بالعودة الى التراث النقدي العربي، أو العلوم الانسانية والنظريات الحديثة .

 

1- دفاعا عن الإيقاع في التراث العربي القديم

إذا أمعنا النظر وجدنا أن الوزن؛ لايعدو أن يكون عنصرا ضمن مفهوم عام وشامل هو الايقاع. فالقصيدة العربية لم تكن – في حقيقة الأمر- لتستقيم شعريتها بالوزن فقط، بل بالايقاع الذي يرتبط بالجانب النفسي والدلالي، وطريقة التركيب اللغوي أي الموسيقية التي تعد أعم من الوزن في حد ذاته وبهذا، "فإن تعميم حكم الجزء على الكل لا يستقيم، لأن تعميم الفرع الوزني على الأصل الموسيقى يختزل إمكانات وزنية أخرى محتملة بخلاف ما استقر من أوزان)...) " .

فبالعودة إلى التراث النقدي العربي؛ نجد عبدالقاهر الجرجاني ) ت 471 ه ) -على سبيل التمثيل- لم يول أهمية للمكون الصوتي"داخل نظريته في النظم المدعومة بالمنظور الاعجازي ،المتعالي، وغير القابل للمحاكاة والقياس" ، فالتمييز بين الوزن وشعرية القصيدة التقليدية أدى إلى الفصل بين الشكل والمضمون بالمنظور الحديث أو بين اللفظ و المعنى بالمنظور القديم، فالكثير من الشعر هو نظم لا شعرية فيه و بالمقابل القليل من النثر هو شعر وإن لم يكن منظوما وقد "جاء معدما من الوزن والقافية، ولكن ليس معدوما من الإيقاع بأي حال من الأحوال" .

كما نجد، أيضا، "حازم القرطاجني" يلفت انتباهنا الى أن النقد العربي القديم قد اهتم بالوزن الذي لاقيمة له أساسا، ولم يهتم بالايقاع الداخلي، لذلك يعتبر"الأوزان المعروفة في الشعر العربي، لا تعدو أن تكون قوالب مفرغة ومنسقة تجريديا صرفا )...) أما الإيقاع الداخلي للكلمات، أي إيقاع الحركات والسكنات بما فيها من قوة أو لين، ومن طول أو قصر، ومن همس أو جهر، فنسيء قلما يدخل في التقدير وهو على كل حال لا ضابط له ولا قاعدة محكمة" .

 

2- الإيقاع يحكمه تجديد في المضمون.

وهذا لايعني أنهم لم يعرفوا الإيقاع أو الإيقاع الداخلي الناظم والضابط لدلالة القصيدة، لكنهم رضوا بجانبه السمعي، دون الخوض في باطن علته، فبقي حدسيا بلا علم يذكر، حتى أنهم عمدوا الى الحلي  والسبائك و الأقراط (...) تمثيلا للإيقاع وجرسه الفاتن لأذن المتلقي الذي اعتاد ثقافة سمعية وشفهية وتوازناته القائمة على التناسب والتكرار. وبذلك فالشكل ليس مجرد "وزن" بقدر ما هو "نوع من البناء، لهذا يبقى ككل بناء قابلا للتجدد والتغير" ، في نطاق الربط بين الشكل والمضمون، وكل واحد يتخلق في الآخر دون سافة فاصلة بينهما كما يكون الكائن الحي . فشعرية القصيدة ليست قائمة على تناغم بين أجزاء خارجية أو سطحية بل تنبع من التناغم الداخلي وحركيته هي سر الموسيقى في الشعر، وإن كان خارج القياس و التعليل شأن "الوزن" .

فكلما كان مضمون جديد، لابد له من شكل جديد يحتويه، والشكل بالمقابل ضامن له . وهذا هو عمق الابداع، فالمضمون سابق عن الشكل، وليس العكس، ومن ثمة، فقصيدة النثر لم تعد في حاجة الى هذا الشكل، بهذا المفهوم "لأن احتياجها منصب على الحقيقة الجوهرية للشعرية التي لازمتها منذ أطلت على الواقع العربي القديم . هي حقيقة النصية ولاشيء سواها" ، ومن ثمة تستمد إيقاعها من البنيات النصية المشكلة للدلالة، وإن جاءت منقطعة عن مفهوم الإيقاع التقليدي الذي تم حصره في الوزن، ليتم الانتقال من"فلسفة الثابت التي كرسها الشاعر العربي القديم ممثلة في الزي الشعري الموزون المقفى، إلى فلسفة المتحول العابر للأنواع التي يتبناها الشاعر المعاصر" .

 

• وملاك القول

رغم القطيعة التي سقطت فيها "قصيدة النثر العربية" مع "الوزن" باعتباره شكليا و سطحيا، فهي تعكس لنا جانب الاستمرارية على مستوى الايقاع وإن بمنظور جديد؛ الذي يراهن على تراكم كمي، لكن له "أنساق وأنماط إيقاعية لا تحصى وهنا تقع صعوبة"  تأطير هذا الجانب الخاص بقصيدة النثر، القائم على جرس الألفاظ، والجناس والتكرار والتوازي وضروب البديع  والنبر و التنغيم وغيرها من الأنظمة التي تقوم أساسا على مدى براعة وإبداعية الشاعر في الاشتغال على اللغة على حد تعبير "بارت".

 

....................

هوامش

1  -  عبدالقادر الغزالي؛ الشعرية العربية (التاريخية والرهانات). دار الحوار للنشر والتوزيع. سوريا. ط1. 2010. ص 289.

 2 -  عبداللطيف الوراري؛ نقد الإيقاع في مفهوم الإيقاع وتعبيراته الجمالية وآليات تلقيه عند العرب. دار أبي رقراق للطباعة والنشر. الرباط. ط1. 2011.ص45 .

 3 -  نفسه.  ص87 .

4  -  حازم القرطاجني؛ منهاج البلغاء وسراج الأدباء. تحقيق محمد الحبيب بلخوجة. دار الغرب الإسلامي. بيروت- لبنان. 1986. ص252.

 5 -  أدونيس؛ زمن الشعر  دار العودة بيروت. ط.2 .1978 .ص14 .

6  - اُنطر محمد أحمد العزب؛ طبيعة الشعر( وتخطيط لنظرية في الشعر العربي). منشورات أوراق. البيضاء. ط1. 1985. ص39.

7  -   Roman Jackobson ; Huit Questions de preotique . Bd seul . 1977. p : 14

  -  محمد عبد المطلب ؛ الحابل والنابل تقلا عن مجلة الدوحة ج 4 / 13.

8  -  مسعود وقاد؛ قصيدة النثر وشعرية التجاوز. مجلة علوم اللغة العربية وآدابها. منشورات جامعة الوادي. الجزائر. ع 4. مارس  2012. ص23.

9 -  عزالدين المناصرة ؛ إشكالية قصيدة النثر. نص مفتوح عابر للأنواع. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت. لبنان. ط 1. 2002 . ص221 .

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ رشيد طلبي
ودّاً ودّا
الإيقاع الذي تنطوي عليه قصيدة النثر يا استاذ رشيد هو ذاته الإيقاع الذي ينطوي
عليه النثر الفني الراقي ولا اظن ان هناك ما يعوض القصيدة في هذا الجانب إذا
خسرتْ أوزانها وهذا ما فطن اليه شعراء كبار كسعدي يوسف ومحمود البريكان
ومحمود درويش ومحمد عفيفي مطر وغيرهم فلم يفرطوا به , ثم
ان القصيدة المنغومة أعني المحافظة على الوزن هي الأخرى فيها من الأيقاعات
داخل الوزن الخارجي الكثير الكثير وبالتالي فإن قصيدة النثر العربية تتناسى ان
الأوزان الشعرية العربية مندغمة في روح اللغة ولهذا كتب محمود درويش
قصائده الأخيرة تحت هذا الهاجس فكانت تبدو لغير العارفين قصائد نثر وهي
في حقيقتها قصائد تفعيلة وكذلك يفعل سعدي يوسف, وكذلك الأوربيون
لم يتخلوا عن كتابة السونيتة وغيرها من الأوزان النبرية
وهي إطار وزني صارم ولكنها كانت وما زالت معياراً للإبداع الصعب ,
هذا لا يمنع من الإعتراف ان قصيدة النثر قصيدة تجذرت في الشعرية
العربية ولكن ما يسمى بالإيقاع في قصيدة النثر ما هو إلاّ ذات الإيقاع
في النثر الفني وهو ايقاع لا يخضع لمعيارية وما لا يخضع لمعيارية
لا يصح الركون اليه كملموس حقيقي بل هو ايقاع ظني ونسبي وحين
يتحدث عنه الناقد فكأنه يتحدث عن شبح لا عن متجسّد .
دمت في خير حال يا استاذ رشيد

جمال مصطفى
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3746 المصادف: 2016-12-07 21:36:09