المثقف - قراءات نقدية

عبد الحق السالكي: شعرية الكتابة الصوفية

abdulhaq alsalikiسأمحور القول حول: شعرية الكتابة الصوفية، باحثا من خلال هذا المكون عن خصوصيات هذه الكتابة التي ارتبطت في أعلا مدارجها بأحوال تخرج بالإنسان من ظاهره الطبيعي الى تمثلات روحانية ؛ يدفعنا الفضول وحب المعرفة الى الوقوف عندها، بغية تجلية مظاهر النص أولا، لتحديد دلالاتها وأبعادها الاشارية ثانيا .

 

أولا: تحديد المفاهيم

يقتضي الاجراء المنهجي الوقوف على مصطلحات هذه المداخلة: " شعرية "، " الكتابة "، " الصوفية " ؛ قصد تحديد دلالاتها، وحدود توظيفها .

مصطلح " شعرية " Poétique " كما انتقل الينا عبر التقاليد يعني أولا، كل نظرية داخلية للأدب . وثانيا، أنه يطبق حسب اختيار الأديب من بين كل الامكانات الأدبية (وذلك مع الترتيب الموضوعاتي الذي يخضع له تكوين الأسلوب، الخ) " شاعرية فكتور هيجو " مثلا، وثالثا، أنه يرجع الى القوانين المرسومة، والتي يجب الخضوع لها، من طرف كل مدرسة أدبية . ولن نهتم هنا إلا بالتحديد الأول للمصطلح (1) .

فنرصد الخصائص البنائية والوظيفية التي تميز الكتابة الصوفية من غيرها، وهي الأركان التي بدونها، وبدون انسجامها لا تكون هناك كتابة صوفية وهي: " الغرض المتحدث عنه، والمعجم التقني، وكيفية استعماله، والمقصدية "(2) .

لقد اهتم بهذا المفهوم ثلاث مدارس أساسية هي:

الشكلانيون الروس الذين أعطوا للمفهوم بعدا لسانيا

New criticism

 النقد المعروف بالشعرية .

ونلفت الأنباه الى أن الشعرية لا تهتم بالشعر فقط، وانما تهتم – حسب التقليد الأوربي – بالوصف والتنظير للنص الأدبي . تكشف عناصره، وتضع وتؤطر أدوات التحليل، تحدد المشترك بين النصوص.

" وتحديد الكتابة الصوفية أنها: تهدف الى تكوين انسان كامل بطرق خاصة في سياق معين " (3)، بوساطة اللغة، باعتبارها " وعاء التجارب، ودليل النشاط الانساني ومظهرالسلوك اليومي الذي تقوم به الجماعة . فاللغة هي أساس كل أنواع الأنشطة الثقافية، فهي أقرب وأنجع وسيلة لاستقصاء الملامح الخاصة لأي مجتمع كان . " (4)

أما نعت الصوفية فمن التصوف La panthéisme وهو مبحث يطلب معرفة الحقائق الالهية عن طريق تطهير النفس . والتطهير درجة من العبادة تقتضي التخلص من المادة والتحرر من عبودية الجسم والانقطاع الى العبادة قصد الوصول الى المعرفة الحقة، بالتقرب من الله . لا تكون هذه المعرفة بالجدل والبرهان، كما هو الشأن بالنسبة للفلسفة وعلم الكلام، وانما بالكشف ؛ حيث تنكشف الحقيقة التي تعجز اللغة عن وصفها، كما يقول الغزالي " ... ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال الى درجات يضيق عنها نطاق النطق، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا واشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز منه " (5).

 سمي التصوف بهذا الاسم لأن أصحابه يقصدون صفاء القلب، أو لكون المفهوم مشتق من الصوف وهو لباس الناسك الذي يحتقر الجسد، ويتخذ هذا اللباس الخشن شعارا له . وقد نشأ في البداية زهدا تمثل في الاعراض عن ملذات الدنيا والاقبال على الآخرة ؛ لينتقل فيما بعد – متأثرا بالفلسفة الشرقية من هندية وصينية وفارسية ، وبالأ فلوطينية – الى اتجاه اشراقي نفسي وعقلي . بل ابتعد عن اطاره المرجعي الذي هو الاسلام مع المتطرفين من المتصوفة .

اذا كان الزهد قد قام على الخوف من النار والطمع في الجنة، فان التصوف قد قام على الحب وحده . تقول رابعة العدوية " ان كنت أعبدك طمعا في جنتك فاحرمني منها، وان كنت أعبدك خوفا من نارك.

 

فاحرقني بها، انما أعبدك لأنك أهل للعبادة " . هذا الحب يعيشه الصوفي حالا لا مقالا، للدرجة التي لا يستطيع معها ضبط عدد ما يصلي من الركعات، ولا أن يأتي بالصلاة على وجهها . هذا الحب العرفاني سرعان ما اصبح نوعا من " النارفانا " أي اتحاد المتصوف أو الذوبان الكلي أو الحلول .

اذا كان التصوف قد نشأ في بيئة اسلامية، وارتبط بالإسلام ؛ فانه أخذ عن الديانة الهندية مفهوم " النارفانا " التي تقول بالتناسخ ، ومفاد هذه الفكرة: ان النفس ترجع الى الحياة عدة مرات تسمى أدوارا . وذلك من أجل التهذب فإذا اكتمل تهذيبها لم يبق لمجيئها هدف فتدخل في دور " النارفانا " أي التلاشي والانعدام والذوبان، وهذه أسمى مراحل النفس لأنها تفقد الشعور والاحساس بالألم الذي يسببه لها اتصالها بالأجسام .

ومن العنصر الصيني أخذ التصوف فكرة " الطريق " (التاو) وهي أسلوب في الحياة يساعد على تحقيق الهدوء والرضى . فقد تكلم عن هذه الطريقة الفيلسوف الصيني " لاوتسه تشانغ تسه "، حيث تمر النفس بثلاث مقامات: يبدأ المتصوف بتزكية نفسه حتى يتجرد من جميع شهواته، ثم يصل الى الاشراق حينما يصبح عمل الفضائل تلقائيا عنده، ثم يحصل له الاتصال، وعنده يصبح المتصوف قادرا على ادراك ما يجري في العالم وهو في بيته . أظن أن هذا الادراك غير ممكن، اللهم الا اذا كان المقصود به فهما خاصا . وما أظن المتصوف سيورط نفسه في هذا الادعاء الذي ستعود عاقبته عليه، لأنه أمر يسهل تفنيذه .

أما مفهوم وحدة الوجود فتم استقاؤه من الفلسفة اليونانية، ويعني أن مظاهر الطبيعة وأوجهها هي مظاهر ألوهية .كما نجد تأثير " الفيتاغورية " (نسبة الى فيتاغوراس) التي تقول: ان وراء العالم المادي عالم روحي تشتاق اليه النفوس ولكن لا تصل اليه الا بعد أن تتطهر .

ان المعرفة الصوفية معرفة غير مكتسبة ولا متعلمة، كما أنها ليست منطقية ولا جدلية، اذ هي الهام يصله المتصوف عن طريق المجاهدة القاسية، يتم البحث عنها في الباطن . بدورنا سنبحث عن شيء من ذلك داخل المتن الشعري بتحديد:

 

ثانيا: شعرية الشعر الصوفي بالمغرب

" الكتابة الصوفية أنواع متعددة: منها كتب طبقات الصوفية والشعر التعليمي الصوفي، والرجز الصوفي، والشعر الذي قيل في غرض التصوف، والكتب التعليمية الصوفية، والمؤلف الذي يجمع بين دفتيه غالب أنواع الثقافة العربية وكأنه من كتب الأدب العام . " (6) هذه التعددية،و الوفرة تفرض الانتقاء، وبالتالي الاقتصار على: شعرية بعض الشعر الصوفي .

 قبل تفصيل الكلام في الموضوع فإننا نفترض أن المتن الشعري الذي سنعتمده هو محقق تحقيقا أمينا

خاليا من كل تصحيف أو تحريف أو اضافة .. وغير ذلك مما هو موجود في ثنايا مخطوطات التصوف المحققة (7) . كما سنركزعلى العناصر البنائية للشعر الصوفي، والتي يمكن اختصارها اجمالا في

المعجم والغرض منه وتوظيفه ومقصده ؛ على اعتبار أن المعجم هو المشير الأساس والبارز الذي يجعل المتلقي يقبل على مأدبة المتصوف .

يقول الشاعر الصوفي المغربي أحمد بن عجيبة، وهو من متصوفة القرن الثالث عشر الهجري، في عينيته:

سقاني حبي من مدامة حبه = = فأصبحت من خمر الهوى أتضلع

فلما سقاني زاد منه تعطشي = = فكان فؤادي بالجوى يتقطع

فلو أن الكون عرشه مع رشفه = = كؤوس خمر الحب ما أنا قانع

صحا الناس من سكر الحبيب وأفرقوا = = واني على الصهباء في الحان جامع

و لي لوعة بالراح اذ فيه راحتي = = وروحي وريحاني وخيره واسع

سكرنا فهمنا في بهاء جماله = = وغبنا عن الاحساس والنور ساطع

تبدت لنا شمس النهار وأشرقت = = فلم يبق ضوء النجم والشمس طالع (8)

 

تدخل هذه القصيدة في اطار الشعر الذي قيل في غرض التصوف، المجسد، هنا، لمعاني الحب الالهي أو (التلميحات الخمرية) . قصد، من خلالها، الشاعر التعبير عن حالة الامتلاء من الهوى بعدما سقاه حبيبه من مدامة الحب ؛ فزاده جوى وتعطشا . هذه الخمرة التي كل ما زاد منها شربا زادته ظمأ، ففيها راحته وروحه وريحانه . هذا السكر يرفع شاربه الى ملكوت الجمال، ويغيب احساسه في جو نوراني .

وقد وظف في هذا المقام معجما خمريا هذه عباراته:

(سقاني، مدامة، خمر، رشفه، كؤوس، صحا، سكر، الصهباء، الحان، الراح، سكرنا) .

هذا بالإضافة الى ا لمعجم ا لمساند لسياق الشرب والندامى مثل: (حبي، حبه، الهوى أتضلع، تعطشي، الجوى يتقطع، الناس، الحبيب، أفرقوا، لوعة فهمنا، بهاء جماله، غبنا عن الاحساس) .

ماذا لو لم أنسب، في البداية، هذه القصيدة لصاحبها أحمد بن عجيبة وقلت لكم: قال أبو نواس في خمرياته، وسردت الأبيات، أتراكم مصدقوني ؟

نعم،

ان هذا المعجم الذي يوظفه الصوفي في أشعاره يثير اشكالا متعلقا بالعلاقة بين الدالSignifiant والمدلول Signifie والمرجع Referent . فالدوال لمدلولات وحيدة ويرمز بها الى ما تدل عليه ؛ والذي له حق التصرف واعطاء دلالة ثانية أوثالثة .. هو السياق أو الاستعمال الاستعاري مثل: (العين = منبع الماء)، (العين = الجاسوس)، (العين = عين الركبة)، (العين = مدينة في الامارات العربية المتحدة)،(العين = زكاة العين)، (العين = عضو النظر)، (العين = حرف) ..

فاختلاف السياقات هو الذي يرجح معنى دون آخر . أما مع الشعر الصوفي فالدوال والمدلولات متحدة مع السياق، والذي يمكن أن يكون مخالفا هو المرجع، فما الذي يدل عليه ؟؟ اذ هو مضمر، خاص بالصوفي . بينما اللغة هي للجماعة التي تعبر بها عن أغراضها كما يذهب الى ذلك ابن جني لكي تكون هناك مفهومية .

ان الذي يفهمه المتلقي من البيت:

سقاني حبي من مدامة حبه = = فأصبحت من خمر الهوى أتضلع

هو، هو، سواء أقاله عمر أو قاله زيد، سواء أقاله أبو نواس أو قاله ابن عجيبة .. فألم يكن أجدر بالشعر الصوفي أن يضع لنفسه مصطلحات تفيد معاني الاتحاد والفناء في المحبوب بدلا من توظيف معجم الخمريات الذي يوقع المتصوف في شبهة،ثم أنه في هذا التوظيف يكون مستعيرا ن ومشبها لحاله بحال من لعبت الخمرة برأسه . والواقع أن المشبه يكون أقل من المشبه به مقاما وقدرا وصفة ؛ وهذا ما لا يرضاه الصوفي الذي ينشد الصفاء لنفسه، بل الكمال لروحه .

بالإضافة الى اشكال الاحالة الذي يثيره المعجم ؛ حيث ان المتلقي لا يعرف من الدوال والمدلولات الا ما تعود عليه في استعمالاته اللغوية فان الاشكال الثاني يتمثل في كيفية التفاعل مع الخمرة التي تنقل شاربها من حالة واعية الى حالة لا واعية . بينما الصوفي يظل محافظا على وعيه مع شربه وغياب حواسه . يقول الشاعر:

سكرنا فهمنا في بهاء جماله = = وغبنا عن الاحساس والنور ساطع .

اشكال آخر يرتبط بالسابق، وله علاقة بالمعجم الصوفي ككل ؛ اذ يتحدث المتصوف أو الداعي الى التصوف عن موضوعات مثل الحديث عن المرأة مثلا، ويستعمل عبارات غزلية كالتي يوظفها غير الصوفي .

يقول ابن العطاء أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل (ت 309):

أجلك أن أشكو الهوى منك أنني = = أجلك أن تومي اليك الأصابع

وأصرف طرفي نحو غيرك صامدا = = على أنه بالرغم نحوك راجع .

الا أن هذا الذي أعتبره نقصا لم يمنع وجود مصطلحات صوفية عرفانية مثل: (السالك، المريد،المجاهدة، مدارك، المقام،الأحوال، القطب، التعراج، المعرفة الاشراقية،الحضرة اللدنية (الحدسية)) .يذهب د . جميل حمداوي الى أن " هذا الاصطلاح العرفاني ليس مثل غيره من الاصطلاحات العلمية والفنية المقننة بدلالات حرفية معينة، وانما هو اصطلاح زئبقي تتغير دلالاته المفهومية والتصورية حسب كل صوفي ومقام سلوكي وتجربة عرفانية، وبالتالي، تدخل الكتابة الصوفية والاصطلاحية ضمن عالم مجرد مغلف بالمجاز، ومسيج بنسق مكثف من الاشارات والعلامات الرمزية، كما تتخذ هذه الكتابة أبعادا سيميائية ايحائية تنزاح عن الدلالات اللغوية والمعجمية الحرفية " (9)

 

ثالثا: المعجم الشعري وتجاذبات الواقع

تتجاذب القصيدة الحديثة وهي بين الرؤية والرؤيا اتجاهات فلسفية وفكرية ودينية من بينها التصوف، هذا الى جانب الاغراق في الذاتية والتعبير عن الصوت الداخلي للشاعر الذي يتخذ تجليات يصعب تأويلها، هذا في عالم تحكمه العولمة والتوجه البراغماتي، وتحقيق الصوت الوحيد المجلجل الذي يخرس التأوهات، وينأى بنفسه عن التضرع والمناجاة . انه الصوت الذي يملك لغة ليست على شاكلة ما يشنف به أسماعنا الشعر الصوفي وهو يريد أن يصفو بالروح، ويتطهر مما علق بها من أدران المادة .

ان التوجه الصوفي الصحيح قد يشكل الملاذ، وصوت الضمير لذات أنهكتها فضاضة الآلة ؛ فصارت تحن الى الانعزال، والخلوة مكتفية بالخشن من اللباس، والخشاشة مما تجود به الأرض ؛ مما يحوجنا الى معجم أكثر نفاذا الى نفس يعمل على اعدادها للترقي بها نحو مدارج الكمال .

فهل يكون ذلك ؟؟

 

.......................

المصادر والمراجع

(1)Oswald Ducrot et Tzvetan Todorov , dictionnaire encyclopédique des sciences du language .p .106 . édition du Seuil , 1972.

(2) د . محمد مفتاح:دينامية النص، ط 1، 1987،المركزالثقافي العربي، بيروت – لبنان . الدارالبيضاء – المغرب، ص 129-130 .

(3) نفس المرجع، ص 129 .

(4) زهير قوتال (شعبة الفلسفة جامعة سطيف 2، الجزائر): " معمارية القول الفلسفي "، مجلة، أفكار، عدد 10، أكتوبر / نونبر 2016 .

(5)الامام الغزالي: المنقذ من الضلال .

(6) د . محمد مفتاح: دينامية النص، المركز الثقافي العربي، بيروت / الدارالبيضاء، ط 1، ص 130 .

(7) وقف د . محمد مفتاح على عدة نماذج اختلافية بين تحقيق كل من: د . عبدالقادر أحمد عطا ، وتحقيق د . محمد الكتاني ل " روضة التعريف ... " .

راجع كتاب د . محمد مفتاح: النص: من القراءة الى التنظير، شركة النشر والتوزيع – المدارس الدارالبيضاء، 2000، ص 131 وما بعدها .

(8) ديوان أحمد بن عجيبة ص 102-103 .

(9)file:///c:/Documentsandsettings/Administrateur/Bureau/جميل حمداوي المصطلح الصوفي.htm

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3764 المصادف: 2016-12-25 09:36:30


Share on Myspace