 قراءات نقدية

جمعة عبد الله: صراخ من عمق الوجع في المجموعة الشعرية (لن أنمو حجراً) للشاعر ضرغام عباس

جمعة عبد اللهصوت شعري واعد، يركز تجربته الشعرية بشكل مبدع، وانها تخرج من رحم الواقع العراقي المخيب والمحبط في كل الميادين . ان هذه التجربة الشعرية الشبابية، تمتلك سعة الافق الفكري، وسعة الصراخ الداخلي . وانه يرفض ان ينمو حجراً، لان الحجر أصم بلا صراخ ولا نبض الداخلي، حتى لو هشمت حجره المعاول وحولتها الى ركام . كما هو الواقع العراقي حول الانسان حجراً على حجرٍ، ولكن من عمق هذا الركام من الحجر، يأتي الصوت الصارخ والمدوي، يرفض مستلزمات الواقع المخيب، ويرتكن الى التمرد والتحدي والمجابهة . يصرخ عالياً بفم مفتوحاً ومدوياً (أين حقي؟). شاب عشرين عفرته غبار الرياح السوداء، التي جلبت عواصف الخراب والانهزام داخل أرواح البشر، كل أحاسيسه الملتهبة بالرفض والاشمئزاز، ليصوغ صراعاً جدلياً قائماً، يرفض مسلمات ارادة الطغاة في نهب الارض والبشر، هؤلاء الشباب يتحدوا الواقع وهم لا يملكون سوى لغة الرفض والصدور العارية، ولكنهم خلقوا المعجزة البطولية هي انتفاضة تشرين، التي زعزعت عروش الطغاة، ولذلك تأتي القصائد المجموعة الشعرية البكر (لن أنمو حجراً) من رحم لهيب النار والعنف الدموي في سبيل إخراس صوت الشباب، واصابته بلوثة الصم والبكم . ولكن الشباب يتحدى هذا الواقع المخيب، بجسارته وعنفوانه الشبابي . انه يعري ثوب الدجل والنفاق، ويكشف حقيقة الشياطين المتوحشة و المتعطشة للدماء الابرياء . ان دواعي الصراخ هو تعديل الميزان المقلوب . وانارة الطريق المظلم الحالك . كما يقول الثائر العالمى جيفارا (الطريق مظلم وحالك، فأذا لم نحترق أنت وأنا فمن سينير الطريق، وانبرى الإمام الحسين (ع) في وقفته البطولية التي أصبحت نبراش الشعوب المظلمة، انه يضحي بحياته الجليلة في سبيل إصلاح أمة جده وتعديل ميزان الحياة (إذا كان دين محمد لم يستقم، إلا بقتلي يا سيوف خذيني) من هذا المفهوم والمنطلق فأن معبد الحرية ليس مفروشاً بالزهور، وانما مفروشاً بالدماء . والمثل التاريخي الساطع، واجه شباب أنتفاضة تشرين الرصاص الحي والقنابل الدخانية، بصدور عالية وبالشموخ بالشهادة في سبيل الوطن، وحق الحياة والعيش الكريم، وهو يدرك ان الموت يبعد خطوات قليلة منه . ولكن اشباب نذر نفسه لانارة طريق الوطن، أو اصلاح الامة من الظلم والطغيان كما استشهد الامام الحسين العظيم من اجل الإصلاح في ملحمة كربلاء، التي أصبحت فنار ملهم لملاحم الشعوب المضطهدة والمظلومة . وانتفاضة تشرين تعيد ملحمة كربلاء من جديد . والشباب الجسور يدرك تماما مهما طال زمن الطغاة والظلام، فلابد ان تشرق شمس الحرية، وتحلق نوارسها في السماء الزرقاء الصافية، دون خوف من صياد أو قناص ملثم . هذه المضامين الفكرية والتعبيرية، التي نسجتها قصائد المجموعة الشعرية، بنبض الشباب المتلهف الى الحياة والجمال والحب. هذا الفعل الشعري الذي طرز القصائد الشعرية، وهي تتنفس برئة الوطن والناس من اجل ان تشرق عدالة الشمس وتقشع الظلام الجاثم كأنه صخرة سيزيف على ظهر العراق . المجموعة الشعرية تعتبر بحق صوت الوطن بصوت الشباب المتحمس والطموح، نتصفح بعض شذرات من القصائد الشعرية:

 × محاكاة آلة الموت، في القتل الذي ينتقل بعشوائية من شارع الى شارع من ساحة الى ساحة كالمجنون، يتصيد الشباب الذين لا يملكون سوى صراخ بفم مفتوح وكفن . ويتقمص الشاعر بأسمه الصريح شباب الانتفاضة، يندفعون الى الموت والجحيم اللاهب .

صرتُ أهرولُ من شارعٍ

إلى شارع

أصرخُ كالمجنون:

ها أنا ضرغام عباس

آخرُ بيدقٍ منْ رقعةِ تشرين

أقطعُ الصراطَ مرتجفاً

رغم مدخنةِ حياتي اللهّابةِ بالجحيم.

..............

صراخ

الى من يهمه الموت

أنا كفن .

 × ولكن من قال ان الصمت قدرنا كالحجر الصماء . ومن قال ان المهانة والذل حليفنا، هاهي انتفاضة تشرين تمزق كل شيء بصوتها وصراخها المدوي، لكن الصدى أصم .

من قال بأن الصمت حليفُنا

نحنُ نصرخ؛

نصرخ بصوتٍ عال جِدًّا

لكنَ صدانا هرِم !

× فحريق تشرين يلهب كل شيء ولطخ عروش الطغاة بالوحل، لكن حريقه لا يروي الارض . رغم الدماء والحرائق . فإذا كان الاحتراق نجاة الوطن فنحترق ليعيش الوطن ، ونلوح للفرات بأيدي مقطوعة . كفانا عطشاً، والنار الحبلى لا تلد إلا العراق

3373 ضرغام عباسغريقٌ أنا بدمٍ ليس دمي

بل بدمِ أخوتي الذين كانوا يعبرون الشارع

وهم يهتفون

أمطار تشرين لا تروي الحريق

قبل أن تسحقهم قذائفٌ من سِجيل،

 

أيها الرب الأعلى

إن كان لابد من الاحتراق

فلْنحترقْ إذن

ونلْنلوحْ للفرات بأيدٍ مقطوعة

أقتربْ

 كفاك عطشا

فالنار الحبلى لا تلدُ إلا بالعراق.

× الوطن اضحى بؤرة وشعلة ثورية من الشهداء في كل زاوية شهيد وثائر، وكل كفن لا يحملهُ إلا ثائر . وكل شهيد كفنه (شيلة أمه) فقد اصبح الوطن لا يبنى إلا بالدماء والشهداء، واصبح بحق وطن الشهداء .

 وطنٌ كل شيءٍ فيه ثائر

أبنُ الشهيد، ثائر

أرملةُ الشهيد

أمُ الشهيد

أختُ الشهيد

أبُ الشهيد

أخُ الشهيد

   ثائر

     ثائر

        ثائر

نعشك يا وطني لا يحمله إلا ثائر

ولا يُكفنُ إلا (بـ شيلة أمي) .

× أيها الحب الجميل، دغدغ عواطف ومشاعر الشاب الوسيم بشغاف الحب الحنون، فهو ينتظرك بفارغ الصبر ان تطل عليه بوجهك المشرق، فلا تتأخر عليه . فأحرث الصحارى القاحلة، لتغمر القلوب بالحب والحنان، لتتعطر بعطر الرياحين، وتذوقها من عسلك ونبيذك .

 أيُها الحــبّ

أيها الشابُ الوسيم، تقـدم

حانَ الحنين !

أعقد حاجبيك، العذارى تنتظر !

أيُها الحـبّ

لا تتأخر !

إن كانت أفعالُنا سوداوية،

فلتحرث بنا الصحراء، نحنُ قاحلون !

لـكنك تعرفُ قلوبنا

يملؤها النحل !

فـأسكب لنا نبيذُك

لـنْ نثمُل !

نحتاجُ فقط أن نوقظ الحرب من نومها

ونقُودُها كـالعميان نحو الهاوية

تقـدم، نحنُ نُـزهُر !

أيُها الحـبّ

لا تتـأخر !

× سلالة الليل الطويل في هذا النفق المظلم . لا يمكن ان تتوقف الحياة وتتحول الى حجر أصم لا يتحرك ولا ينمو . فلابد للحلم أن يبرق في ظلام النفق، ليرى في آخر محطة للنفق بارقة ضوء وسنبلة قمح . لابد للحياة ان تتحرك وترفع رأسها الى السماء، لكي ينجلي الليل ويبرق النهار، لذلك ترفض النفس ان تكون حجراً لا ينمو، لا يتحرك، لا يصرخ، من أجل أن يزهر العراق .

سلالةُ الظّلام

في هذا النفق أتجذر،

نسيتُ رأسي عندَ أولِ محطةٍ للضوء

عندَ أولِ قطعٍ للحيّاة

نسيتهُ حبةُ قمحٍ أينعتْ.

أسعفني أيُّها الثعبان البريّ

أحتاجُ إليك

أحتاجُ طولكِ واقفاً أيّتُها السكة.

لا بُدَّ لي أن أنموَ في السماء

تمامًا مثلَ غيمةٍ

لا حجراً، تسلبُ عذريتهُ الرّيح

لنْ أنمو حجراً . .

 × أحتلت ساحات الوطن بالمجازر المروعة من آلة الموت الوحشية، ومنها مجزرة (ذي قار) التي تحمل الإرث الحضاري الخالد . طالتهم آلة القتل والموت فجراً والشباب في ذائقة الحلم للوطن . فكان نصيبهم القتل العشوائي من الجزاريين الوحوش .

لم تكتفِ ذي قار بدخُول أهوارها

في التراث العالمي،

بل أرادت أيضاً دخُول شعبها

في مجازر القتل العشوائي

أمطار ديسمبر،

أمطار عقيمة لا تروي الثورة

فأمطرت ذي قار بشبانها

ليزهر العراق .

***

  جمعة عبدالله

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5658 المصادف: 2022-03-03 02:50:08


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5784 المصادف: الخميس 07 - 07 - 2022م