 قراءات نقدية

البعد الفني والإبداعي في قصيدة الشاعر التونسي طاهر مشي: جرح.. هاجع خلف الشغاف

محمد المحسنقد لا يحيد القول عن جادة الصواب إذا قلت أن أهمية العمل الفني بعامة، والأدبي بخاصة تكمن في ما يحمله من مرجعيات وإحالات فكرية وثقافية وفلسفية، فالقصيدة العابرة للزمن هي التي تحمل إلى جانب بنيتها الجمالية همًا فكريًا، بعبارة ثانية:هي القصيدة المحملة بالثقافة المتماهية مع جماليتها، بحيث لا تتحول إلى تنظير خارج لُغة الشعر الرقيقة.

وإن علاقة الشعر والفكر تبدو للوهلة الأُولى متناقضة، فالأول يتعامل مع الحدس أما الثاني فميدانه العقل، ولكن النظرة العميقة تأبى ذلك، فالشاعر الحقيقي هو مفكر أو فيلسوف بشكل ما،  يُثير مشكلات الحياة الكُبرى كالموت والغيب، يتأمل الوجود وما وراءه، ويعيد صياغة أحداث التاريخ بإعطائها أبعادًا في الحياة المعاصرة، ومفهومي هذا تُجاه الشعر لا يقتصر على الشعر المعاصر أو العربي فحسب، بل يشمل الشعر في معظم آداب العالم ومنها الشعر العربي قديمًا وحديثًا.

ويُعتبر الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي من أهم الشعراء المعاصرين الذين تتجلى في قصائدهم سمات الشعر العظيم، وهو شاعر استطاع في جل قصائدة التي اطلعت عليها أن بقول قول ما لا يمكن قوله في زمن يزدحم بالشعراء والمبدعين على إمتداد الوطن العربي الفسيح، ورغم كل ما احتوته (القصائد) من رؤى فكرية ومرجعيات ثقافية تراثية حافظت على شاعريتها، أما الصور في قصائده فكانت على قدر عال من الفنية رُغم وضوحها إلى حد ما، فلم تكن موغلة في الرمز، وجاءت الموسيقى مناسبة للحالة العامة للقصيدة وفيها نوع من التمرد والجدة، فلم يقد دفة الإيقاع سوى الشعور.

وإذن؟

اللغة إذا، هي الوسيلة الأولى لعملية التواصل مع الآخرين، غير أنها تتعدَّى وظيفتها الاجتماعية المحدودةَ هذه، فتشكِّل الأساس في عملية بناء القصيدة؛إذ تمثِّل الطريق الموصلة بين المبدع والمتلقِّي، فتؤدي بذلك وظيفةً أخرى، تتمثَّل في إيجاد روابطَ انفعالية بينهما، فتتَجاوز بذلك لغة التقرير إلى لغة التعبير، وتسعى للكشف عن العواطف والأحاسيس، والانفعالات الكامنة في قلب الشاعر، ومحاولة إيصالها في نفس المتلقي.

يختار الشاعر الألمعي د-طاهر مشي من اللغة وإيحاءاتها، ويولّد منها ما قدر على التوليد، لا ليأتي بمعانٍ يجهلها الناس تمامًا، ولكن ليصوّر الواقع كما يراه من زوايا متفردةٍ تدهش المتلقي وتجعله يعيش إحساسات جماليةً لا تنتهي، وحجارة هذا البناء الموضوعيِّ الألفاظ، إلا أن الألفاظ في الشعر تومئ إلى ما وراء المعاني، فتُضيف إليها أبعادًا جديدة، وبذاك تتجدد وتحيا، وبغير ذلك تذبل وتموت، إذ نجد ألفاظها تقدِّم صورة إنسانية وفنية بغرَض إماطة اللِّثام عن هذه الألفاظ..

ومن هنا:

تعد العملية الإبداعية في حقيقتها نفاذا إلى واقع متخيل، أين يستطيع الشاعر تحويل أخيلته إلى نوع جديد من الحقائق التي تكون انعكاسات قيِّمة لواقعه الذي يمثل مسرحا لتجربته الفنية، فتكون رؤية الشاعر لهذا الواقع مختلفة تماما عما يراه الناس، فهو لا يكتفي بحدود واقعه، بل ينفذ إلى عمقه متخطيا النظرة السطحية إلى نظرة مرتبطة بالكشف والتجاوز..

و”جرح..هاجع خلف الشغاف” هي صورة نقية عن الوطن وتعبير صادق عن طين الأرض ودلالة خلاقة عن حب البلاد، وصرخة مدوية في وجوه المتخاذلين ممن خانوا أوطانهم وباعوا

ضمائرهم..

تجليات اللغة الشعرية:

ونعني باللغة الشعرية ما تعارف عليه النقاد من استخدام الشاعر لمكونات القصيدة اللفظية ذات التداعيات والدلالات الإيحائية،  وهو ما اتفقوا عليه بالمدلولات الانفعالية للكلمة،  ولا يعنينا في هذا المقام ما قال به بعض النقاد من مفهوم للغة الشعرية بأنها الإطار العام الشعري للقصيدة،  والتي يقصد بها مكونات العمل الشعري من ألفاظ وصور وخيال وعاطفة وموسيقا ومواقف بشرية .

وعليه، فقد تميزت لغة شاعرنا بالشفافية والوضوح،  فهي بعيدة عن لغة التعتيم والتهويم في سرف الوهم واللاوعي، تلك اللغة التي تلفها الضبابية القائمة والرمزية المبهمة، فلغته ناصعة واضحة لا غموض فيها، وتعبر عن مضامينه بأسلوب أقرب فيه إلى التصريح المليح منه إلى التلميح، هذا يعني أن الشاعر ذو مهج تعبيري سلس،  وقاموسه الشعري لا يحتاج إلى كد ذهني وبحث في تقاعير اللغة،  وأنا إذ أصرح بهذا إنما أغبط شاعرنا على الرؤى الواضحة والألفاظ المعبرة بذاتها

الخيال الشعري:

ونعني باللغة الشعرية ما تعارف عليه النقاد من استخدام الشاعر لمكونات القصيدة اللفظية ذات التداعيات والدلالات الإيحائية، وهو ما اتفقوا عليه بالمدلولات الانفعالية للكلمة، ولا يعنينا في هذا المقام ما قال به بعض النقاد من مفهوم للغة الشعرية بأنها الإطار العام الشعري للقصيدة،  والتي يقصد بها مكونات العمل الشعري من ألفاظ وصور وخيال وعاطفة وموسيقا ومواقف بشرية.

هكذا تجلت لي لغة هذا الشاعر العذبة..نعم هكذا رأيت الشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي في هذه الأبيات صورة للرجل العربي الأصيل الذي يعشق وطنه وينتصر لرموزه، وحتى وأن أخفى هذا الحب في حضرة الواقع، إلا أن الشعر الذي دائما يمثل اللهب الذي يختزن الطاقة الداعية للتغيير كشف أمره، إنه ينظر إلى العروبة التي يختزلها وطننا العربي، نظرة لا تُنظر بالبصر بقدر ما تُدرك بالبصيرة، إنه الوطن الجميل والمفعم بكل معاني الجمال، وبأثمن عبارات الصدق، إنه الجمال الكوني كله.

وإذن؟

الغضب إذا يا سادة، هو عود الثقاب الذي يوقد الثورة، الغضب -يا أعزائي-هو ما يدفع البشر الى أن يقولوا لا، هو ما يبقيك حيا، هو ما يحافظ على حياتك، وهو ما يجعلك انساناً وان كان الغضب حقا لكل شعوب الأرض المقهورة المكبوتة فإنه في حالة الإنسان العربي يصبح واجبا لا يسقط الا بسقوط مسبباته.

في هذه القصيدة (جرح.. هاجع خلف الشغاف) يظهر لنا الشاعرالتونسي الكبير د-طاهر مشي كما لم بظهر لنا من قبل، ولأن الأحداث العظيمة تجبرنا على الابداع، فإن قريحة -شاعرنا الفذ-قد اجترحت أفضل ما يمكن لشاعر ان يكتبه، فكتب بحبر الروح..ودم القصيدة ..

إن الغربة التي يعاني منها الشاعر، رغم أنه يعيش بين ظهراني أهله وصحبه، ويتمتع بصحبتهم في ربوع وطنه، ما هي الا حتمية من حتميات الغربة النفسية التي أفرزتها جراحات الأمة العربية على امتداد مسافاتها وتباين أقطارها،  فهي غربة الحرف والكلمة واللغة والمصير المشترك كما يقول شاعرنا أنها غربة الضياع والتمزق الذي ينتابنا اليوم..

وفي هذه القراءة العجلى لا أريد أن أخوض في الدوافع ولا في الخصائص التي اتسمت بها قصيدة شاعرنا القدير د-طاهر مشي إلا بالقدر الذي يخدم القراءة حرصا على عدم تشعب الموضوع، واعدا في دراسة قادمة لقصيدة أخرى أن أتطرق لما غفلته في قراءتي هذه أن شاء الله .

وأترك للقارئات الفضليات، والقراء الكرام أحقية التفاعل والتعليق..

جرح.. هاجع خلف الشغاف..

جرحي أنا

والأوطان تنزف من دمي

اليوم يبلونا الطغاة

ونحتفي

ويلي أنا من يغسل ثوبي

قد دنسته المحبرة

وتمزق جنح الظلام

شرخ أصاب الذاكرة

كيف سأخبرهم غدا

أن أثوابي تلوثت

وغدت على الأرض بساطا

أحمر..

كيف سأخبر بلقيس

عن هذه المهزلة..؟!

وماذا أقول لفرعون

الذي طغى وتجبر

جرحي..ينزف..

من سيكفكف نزفه..؟

من سيصفف شعر

البنية التائهة..؟

وماذا سأقول للغربان الناعقة

كيف سأحتمي..؟!

من النار وأثوابي ملقاة

بساطا..

يدوسه الطاغية

حتى إسفلت الطرقات

قد اختفى

في رأسي شرخ

ولا أدري من سيرمم

الذاكرة!..”

أخيرا أسوق إلى هذا الشاعرالفذ أجمل التحايا المفعَمة بعطر الشعر..أقول هذا الشاعر الذي حاول حينا أن يتحفنا بما جادت به قريحته، وأن يحلق بنا في خيالاته العلوية، ويصهرنا في أتون ثورته الداخلية الوطنية المعطاءة حينا آخر، ولا يسعنا إلا أن نتمنى له ديمومة الإيداع ونأمل منه المزيد، ونهمس في أذنه-بلطف شديد- بألا يكرر ذاته، وان يكون دائما ودائما متجددا.

***

محمد المحسن - ناقد تونسي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5722 المصادف: 2022-05-06 04:50:02


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5823 المصادف: الاثنين 15 - 08 - 2022م