قراءات نقدية

الحزن والغياب في رواية (الليل في نقائه) للاديب زيد الشهيد

3948 زيد الشهيدهذه الرواية هي الجزء الرابع من رباعية الليل (الليل في نعمائه. الليل في عليائه. الليل في بهائه. الليل في نقائه) وهي حصيلة خميرة متمكنة في ابتكار الفن الروائي الحديث في الاتجاه الواقعية الانتقادية أو الواقعية الاجتماعية. الذي يتجه الى الناس ويغور في طريقة حياتهم وسلوكهم وتصرفاتهم، ضمن الإطار الاجتماعي والسياسي السائد، والذي يفرض نفسه في شكل العادات والتقاليد وكيفية الافصاح عن المكنون الداخلي أو الذاتي بما فيها الرغبات والعلاقات بين الناس، ومن أهمها علاقة الحب وتداعياته. الأستاذ الروائي (زيد الشهيد) متمكن في بناء الشخصية الروائية وهندسة الحدث السردي بشكل منسق ومرتب، ويدخلهما بالتفاعل الدرامي المتصاعد والمتحرك، أي لكل شخصية في الحدث السردي لها دور واهمية في التفاعل وموقع متحرك في الفضاء الروائي، وفي وتطوراته المتلاحقة، اي لا يحبذ كومبارس الشخصية أو ديكور الشخصية الجامدة. يهتم بالأسلوب اللغوي في السرد الواضح والمشوق والمرهف يشد انتباه القارئ بشكل مرهف ومتلهف في متابعة تطورات الحدث السردي. وبراعته في الغوص في أعماق الشخصية دواخلها واحاسيسها، لذا فأن شخوص الرواية واضحة المعالم وليس شخصيات مبهمة غير فعالة. ويركز على الطابع الاجتماعي في تقاليد الناس وهمومهم وانشغالهم أو انخراطهم في الحياة العامة بكل مفرداتها. ويركز بشكل خاص على ظلم المجتمع للمرأة، التي تلعب التأثيرات البدوية والعشائرية في عقول الناس بشكل مؤثر وفعال، وخاصة التزمت الديني تجاه المرأة. ومن يريد ان يبحث عن الدور الاجتماعي في ظروف العراق المتلاحقة وأزمنته المختلفة، عليه أن يطلع على روايات الاستاذ (زيد الشهيد) المكان ثابت هو مدينة (السماوة) وبالتحديد زقاق العمة والبيت الذي اجرته نسوة رباعية الليل بأقسامها الأربعة تدور فيه احداث رباعية الليل المتوالية، أما الزمن فهو متغيرفي كل مرحلة تاريخية لها خصائص محددة، لكن الثابت هو الظلم الاجتماعي والحب المقموع. فجعل من رباعية الليل صورة مصغرة للواقع الاجتماعي العراقي وأزمنته المتعاقبة في المكان الثابت. وان الحب المقموع يغوص الى أعماق والخيبة والانكسار في أجزاء الرباعية، رغم عفته وطهارته وبراءته بالغزل العذري، لكن الظروف القاسية اقوى من الحب، ويدخلنا الروائي في الرومانسية الحزينة بكل همومها وشجونها، التي تنتهي الى مطاف الفراق والغياب، وبالتالي يكون الحب قد تجرع كؤوس الحنظل عسفاً وظلماً. والحدث الروائي في هذه الرواية يركز على علاقة الحب في فارق الزمني الكبير في العمر بين المحبين. وهذا الفارق الزمني في العمر حجرة عثرة في طريق تطور الى حالة ارقى. الحب بين الشخصية الرئيسية في الرواية، الاستاذ وطالبته (جميلة عبدالجليل) رغم انه يطوقها باكاليل الحب الانساني في عاطفته و دوافعه الغريزية الطاهرة وليس المدنسة، واعتبرت (جميلة) أن ارتباطها بأستاذها، كأنه هبة من السماء في نورانية من الحب الأبوي، بما يملك من رزانة وسلوك رصين، وبما يملك من رصيد ثقافي وادبي واسع الثراء، وهو الذي اختار البيت لتسكن فيه ودفع مقدمة ستة شهور قادمة، وتعلقت بكلامه والحوارات التي يسوقها بأسلوب مدهش ولذيذ، وهو يملك ثقافة ومعرفة واسعة في الشأن الأدب الروائي العالمي وتاريخه، وأبرز روايات العصر التي ظلت خالدة في التاريخ، كانت تتابع حواراته بقلب مشدود بكل شوق وعاطفة مدهشة في حلاوة تروي الظمأن، فلم تشعر بالوحدة والغربة والوحشة وهي ساكنة في البيت لوحدها. فكانوا يقضون أماسي الليل في الحديث الطويل في الشأن الروائي والادبي، وبعدها تعود الى البيت وحدها، وهو يمشي في حال سبيله (كانت جميلة أذ تعود الى البيت محفوفة بأيات الهناء، مرتوية بعذيب القول) ص32. وكانت تحرص على حضور محاضراته وندواته. وكان نصيراً ومدافعاً عن المرأة، وكان يردد في كل محاضراته (إن الأمم التي تتنكر لأهمية المرأة في بناء اجتماعي حضاري رصين، لهي أمة فانية) ص23.كانت (جميلة) تشعر في قرارة نفسها بالاستقرار والطمأنينة والأمن والسلام، وهذه ضرورات ملحة للمرأة وبحاجة إليها، فكان الحب الابوي يخيم على القلبين، ويصاحبها في أماسي الليل، ودائم الزيارة لها لتفقدها. ولكي تتذوق طعم الأدب الروائي العالمي الانساني، وتعرف من عسل الثقافة والمعرفة بشكلها الجميل. وتحس في أعماق روحها ان ترتوي اكثر واكثر (زد.. فالليل طويل وما تقوله لا يشبع روحي الجائعة) ص48. هي السعادة الروحية التي تشعر بها وهي تتسامر معه في الليل. وكان صريحاً معها (عرفتكِ، يا جميلة وأنا اتابع اهتمامات الحضور أنكِ تمتلكين موهبة أدبية سنفتخر بها ثقافياً.. نعم اللغة ظلنا الجميل وحبنا العذري.. هي زورقنا الأبدي في شموخنا الأزلي.. لمن تقرأين؟) ص75. فترد عليه في بهجة وأنشراح (نعم أقرؤك أنت، يا أستاذ، كل مؤلفاتك عندي، جميع منشوراتك في الصحافة أجمعها.. من رياض ابداعك غذيت ذائقتي، وهي نمير بثراء علميتك أغترفت ماء ثقافتي) ص76. لكنه انقطع عنها ولم يعد يزورها، فكان غيابه وضعها في موقف صعب، كأنه وضعها على جمرة النار بين بالصبر والانتظار والقلق، وغيابه لا يتحمله قلبها المفتون بأستاذها، كل يوم غياب عنها يجعلها أن تتجرع كأس الحنظل في عذاب الروح يزيد هواجس الفوضى في قلبها، والقلق ينهش راحتها. في هذا الغياب المرهق، تحولت أمسيات الليل الجميلة الى حزن وشجن. شعرت بمرارة الغياب الثقيل على قلبها، فكانت تذرف دموع ساخنة طوال الليل والنهار، تشكو الفراغ والمحنة. رغم ان صاحبة البيت تحاول ان تواسيها وتخفف من وطئة المعاناة نار الحزن التي يغلي في قلبها، فتقول لها (أنه أبوك يا أبنتي، لابد أن ما يتمناه لكِ هو ما لا يريده أن يؤذيكِ، أن الاباء ليشعروا أن أبناءهم أرواحهم وقلوبهم) ص100. فلم تعد تستطيع ان تقاوم اشباح القلق، فهجرت البيت وعادت الى اهلها وهو تحمل الخيبة والانكسار، وعلقم الحزن يغوص في أعماقها. لكن بعد فترة عاد (الاستاذ) وتفقد ابنته فلم يجدها في البيت، شعر بتأنيب الضمير لغيابه لها،، وهي التي اصبحت قطعة من روحه، كأنه فقد نصفه الثاني، وزوابع المعاناة تتضخم في داخله، كان كل يوم يأتي الى البيت ويطرق الباب ولكن دون جواب، حتى انتبه الى حالته المأساوية اهل الزقاق وحتى اطفالهم، يدركون عمق الالم والغياب الذي ينهش في داخله (يا عم.. لماذا تطرق وتطرق، لا أحد هنا.. تكرارك الطرق لا طائل منه؟.. فيطأطئ رأسه جزعاً، ويروح في محاولة إخفاء دمعتين تترجرجان في مقلتيه) ص13.، وشعر ليس عدلاً أقترف هذا الغياب بحق الحب الأبوي، فوهنت حالته وضعفت واصبح يتعثر في مشيته كالثمل (ما بك، ياعم تتعثر في الطريق وكنت قبل اسابيع كالجبل، شامخاً؟ !!!!!) ص13، ويشعر بطعم الخيبة والخسارة المرة.

الخاتمة العودة: بين الافتراض أو الانسياق في تطور الحدث الروائي المتلاحق.

الخاتمة تحمل تأويلات وتفسيرات متعددة ومختلفة، ربما يجدها البعض افتراضية في العودة، بأنها هي محاولة الاستاذ (زيد الشهيد) بأن لكل أزمة انفراجة، ولكل خيبة وانكسار الروح، لابد في النهاية أن تجد بؤرة ضوء من الامل، لان الحياة لا تقف على عمود واحد: الحزن والخيبة والاحباط والغياب والفراق. وربما هي محاولة اشفاق للقارئ الذي تذوق طعم الخيبة من غياب بطل الرواية (الاستاذ) عن طالبته (جميلة) التي تعتبره الاب الروحي، لذلك افترض عودة (الاستاذ) الى طالبته بعدما هزه الشوق والحنين من غيابه الطويل، ولكي ينتشل من قاع الحب المقموع الى ضوئية الحياة من جديد، لتعود الايام الى حلاوتها وطراوتها (أبنتي.. أبنتي !.. يا نور الصبح الوضاء، وفيض بهاء الله الماطر ورحمة، يا ذهبي المصفى،ويا قصيدة المحبين، واخبرها وسط دموع تفجرت في عينيه أنه نادم، ويعتريه شعور بتأنيب الضمير) ص110. وترد عليه بكل لهفة وسعادة، كأن مجيئه كالمطر الذي يروي صحراء القلب (أبي.. أبي.. أبي. يانور شربت منه وشربت، وما ارتويت، أبي.. أبي) ص110. ليطوي ايام العجاف، وتعود الحياة الصفاء والحب الابوي، كأن الشباب يعود من جديد أو يحيى من جديد.. أو ربما يجدها البعض انها حالة منطقية وانسيابية، تتلائم مع سياق الحدث تفاعلاته، من البداية الى تفاقم الحدث الى الذروة، والى حالة الانفراج، أي أنه انتقل من حالة التجافي والغياب الى حالة اللقاء والانسجام في مديات الحب الابوي، أي تعود جميلة الى البيت ويعود (الاستاذ) الى أمسياته الليلية الجميلة، أي تعود المياه الى مجاريها في الحب الابوي واللقاء مجدداً، وهي ايضاً تدخل في حالة انسانية في تطور الوعي في الحب، رغم أن الفارق الزمني بالعمر كبير بينهما. ليحيى الحب المقموع الى حالة من النبض الحياتي المنعش.

***

جمعة عبدالله

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5789 المصادف: 2022-07-12 07:05:17


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5931 المصادف: الخميس 01 - 12 - 2022م