قراءات نقدية

مسار المرأة ومخاضاتها لإثبات الوجود في نصوص الشاعرة عبير خالد يحيى

دراسة ذرائعية مستقطعة في المجموعة الشعرية "قصيدة لم تكتمل

مقدمة: مما لاشك فيه أنّ الأدب مرآة عاكسة للبيئة الآنية، حيث شهد القرن العشرين تطورًا كبيرًا على جميع المستويات، وهذا مادفع بالأدب والأدباء للدعوة الملحة إلى حرية الشعر والابتعاد عن قيود القافية وبحور الفراهيدي التي تقيد مضامينه ليصبح الأدب عرّابًا لقضايا المجتمع، كما جاء على لسان المنظّر الذرائعي العراقي الأستاذ الغالبي …

وسواء كان الشعر وسطيطًا "تفعيلة" أو حرًّا"نثريًّا" فإنه بالتأكيد يقبل الانزياحات نحو الرمز والخيال وهذا ما لمسته وظهر واضحًا وجليًّا في ديوان الدكتورة عبير يحيى بعنوان "قصيدة لم تكتمل "

وبما أنّ النقد العلمي هو مشاركة وثيقة بين الكاتب والناقد، فالكاتب يكتب النص أدبيًّا، والناقد يكتبه مرّة أخرى نقديًّا، وبالتالي يصبح النقد عرّابًا للأديب حيثُ يقف معه وليس ضده.

سيرة ذاتية

د. عبير خالد يحيي

طبيبة أسنان سورية

خريجة جامعة دمشق – كلية طب الأسنان 1990

من مدينة طرطوس في سوريا، مقيمة حاليًا بالإسكندرية في جمهورية مصر العربية .

عملت بمهنة طب الأسنان طوال 20 عامًا بين عيادتها الخاصة والمراكز الطبية التابعة لوزارة الصحة في الجمهورية العربية السورية.

أما في مجال الأدب:

  • ناقدة ذرائعية
  • قاصّة وشاعرة
  • روائية

العضويات الأدبية

  • عضو اتحاد الكتاب المصريين.
  • عضو اتحاد الأدباء الدولي ( المركز العام أمريكا ).
  • عضو اتحاد الكتاب والمثقفين العرب .
  • عضو مؤسس في حركة التصحيح والتجديد والابتكار في الأدب العربي.

إصدارات مطبوعة :

1- /لملمات / مجموعة قصص مكثفة إصدار دار فلاور القاهرة 2016 منشورة في موقع أمازون ككتاب الكتروني.

2- / عطايا / مجموعة شعرية إصدار دار فلاور القاهرة 2016

3- / رسائل من ماض مهجور / مجموعة قصص قصيرة إصدار دار النوارس الاسكندرية 2016

4- / ليلة نام فيها الأرق / مجموعة قصص قصيرة إصدار دار النابغة طنطا 2018

5- / قصيدة لم تكتمل / مجموعة شعرية إصدار مؤسسة الشريف للكتاب القاهرة 2019

6- / بين حياتين / رواية إصدار دار المفكر العربي القاهرة 2020

7- الذرائعية في التطبيق (آلية نقدية عربية ) بالاشتراك مع المنظر الذرائعي ومؤسس النظرية الذرائعية الأستاذ عبد الرزاق عوده الغالبي- إصدار دار شعلة الإبداع – القاهرة - 2017

8- الذرائعية في التطبيق طبعة مزيدة منقحة بالاشتراك مع المنظر العراقي عبد الرزاق عوده الغالبي – دار النابغة للنشر والتوزيع – طنطا - 2019

9- الذرائعية وسيادة الأجناس الأدبية – بالاشتراك مع المنظر العراقي عبد الرزاق عوده الغالبي – دار النابغة للنشر والتوزيع- طنطا- 2019

10- الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي- بالاشتراك مع المنظر العراقي عبد الرزاق عوده الغالبي – دار النابغة للنشر والتوزيع – طنطا- 2019

11- الذرائعية والعقل بالاشتراك مع المنظر العراقي عبد الرزاق عوده الغالبي – منشورات اتحاد الكتاب العراقيين -2021

12- السياب يموت غدًا/ دراسات ذرائعية لقصائد للشاعر العراقي عبد الجبار الفياض

في العام دار شعلة الإبداع القاهرة 2017

13- أدب الرحلات المعاصر بمنظور ذرائعي/ إصدار دار الحكمة – القاهرة-2020

14- قصيدة النثر العربية المعاصرة بمنظور ذرائعي/ إصدار دار الحكمة القاهرة – 2020

15- تحليل نقدي في أدب الفانتازيا والخيال العلمي عند المنظر عبد الرزاق عوده الغالبي- دراسات ذرائعية للناقدة الدكتورة عبير خالد يحيي/ إصدار دار المفكر العربي – القاهرة2020

16- الأدب النسوي العربي المعاصر بمنظور ذرائعي / إصدار المفكر العربي – القاهرة 2022

مستويات الدراسة الذرائعية

أولًا- المستوى البصري واللساني والجمالي

لذلك سأبدأ بثيمة بعض النصوص في الديوان لنتبيّن الدلالات اللغوية التي تطرحها الشاعرة وبؤرتها الفكرية:

مما لاشك فيه أنّ العنوان يعبّر عن ماهية النص، كونه مجموعة من العلامات اللسانية التي يمكن أن توضع على رأس النص لتحدّده وتدلّ على محتواه لإغراء المتلقي وفتح شهيته لكشف مغاليق محتواه وسبر أغواره، وبالتالي العنوان نصٌّ موازٍ كما يرى النقاد، فهو مفتاح جمالي وعلامة سيميائية تقوم بوظيفة الاحتواء لمدلول النص، كما يساهم في توضيح دلالاته، فيعيد إنتاجه وقدرته على تكثيف واختزال الفكرة المحورية فيه .

أتناول القصيدة الأولى في الديوان "نزيف الشمس"

نبدأ بالثيمة الأساسية العنوان النزيف صفة ثابتة للمفعول من نزَفَ · النَّزِيفُ : المحمومُّ · 00نَزيفٌ: ذهَبَ عقلُه · وبئرٌ نزيفٌ: قليلة الماءِ · ورجلٌ نزيفٌ: عَطِش حتَّى يَبِسَت عروقُهُ وجفَّ لسانُه ..وقد استخدمت هذه اللفظة من قبل الشعراء، يقول الشاعر صفي الدين الحلي:

وأنزفُ من حزني دمي لا مدامعي، ... وأيُّ دمٍ أبقيتَ فيّ فينزفُ

كما جاء ذكرها في القرآن الكريم سورة الواقعة

(لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ )

جعلت الشاعرة هذه الصفة ملازمة للشمس من خلال جملة اسمية نزيف الشمس تقول:

هل فعلًا شمسُ بلادي

تشرقُ في الأنفوشي

وتغسلُ أشعتُها شوارعَ طرطوسْ...؟

وينامُ الليلُ

بأحضانِ البحرِ

وعيونُ الأطفالِ

تعزفُ ألحانَ السِحْرِ

وأحاديثُ الحبِّ

تداعبُ أهدابَ القلبِ

وتلاعبُ أغصانَ شجيراتِ الفِرْدَوسْ

ينحسرُ الهمُّ قليلًا

ويجفُّ عرقُ الآباءْ

يقفُ الخبزُ اليابسُ

عندَ طواحينِ العقلْ

يغزوهُ الذُّلْ

بينَ فكوكِ الأبناءْ

فأرى قمرَ الشامِ حزينًا

يعلوهُ شحوبٌ لفراقِ

أنترادوسْ

لقد حملت الشاعرة وطنها، وتحديدًا مسقط رأسها طرطوس، معها حيث إقامتها على أرض الكنانة بما فيها من أماكن الدلتا والنيل وسيناء، وقد حمّلت تلك الأماكن معاناتها والوجع النفسي المتخم بالآهات المتمردة، في صور شعرية مركبة تجمع بين الأشياء ومدلولاتها، تعبّر عن الذات وهمومها وردة فعل الواقع الذي يعجّ بالمتناقضات، حيث الخبز اليابس يقف عند طواحين العقل يغزوه الذل بين فكوك الأبناء. لقد فارقت الشاعرة أنترادوس باللاتينية جزيرة أرواد وقلبها يعتصر ألمًا على بلدها الذي ضاع وتنهي قصيدتها كما بدأتها باستفهام استنكاري تعجبي وكأنها تعيش الحلم واقعًا .

جاءت الشاعرة بصور شعرية مكتنزة بمضامينها النفسية، حيث التشبيه والاستعارة والانزياحات

"ينام الليل، أحضان البحر، جرح القدس، بكاء أبي الهول، جيوش النخيل ……."

"قصيدة تلتقيني "

الثيمة الرئيسية اللقاء، وقد جاءت في صيغة المضارع دليل على الديمومة والاستمرار

لاقى فعل يُلاقي لقاء وملاقاة لاقى الشَّخْصَ: قابله وصادفه

تلاقى يتلاقى، تلاقيًا

تلاقى الصَّديقان /التقيا، تقابلا، لقِي أحدُهما الآخر

حتمًا سألتقيكِ

صار عمري خيطًا

يتدلّى

من حاجبَيكِ حتمًا سألتقيكَ

صار عمري أرجوحةً

تنوسُ بمرابطِ نجدَيكَ

تتشعّبُ أحلاميَ الخجلى

بمفرِقِ تاجِكَ أودّع الدنيا بحضنِكَ

اعتكافًا

وأصومُ الدهرَ

كفارةً

عن تائبَينْ

وهنا تناولت علاقة الرجل بالمرآة، وبرعت في وصف حالة التوق والحاجة إلى الاكتمال، تتراوح بين معاناة غياب وشغف وانصهار إلى لقاء حتمي.

ففي قصيدتها" انصهار"

نلمس شغفها وتوقها للقاء بمن تهواه نفسها وبنغمة موسيقية نشعر من خلالها بالأمل والبهجة:

يقيني أنتَ يا قَدَري

ولا أدري

لِمَ الأقدارُ تأخذُني

إلى أحضانِكَ الثَّرَّة

وفي الأغوارِ تُلقيني

بلا فَرجة

*

يقيني أنَّكَ عمري

تُقابلني بلا مَوعدْ

تُضمّدُ نزفَ أيّامي

تُرَتِّبُ ثوبَ أفراحي

يقيني أنَّكَ أملي

تباغتُني..

وتسكُنُني

ببَهوِ الجفنِ والمُقْلة

وفي اللّذّاتِ

تُنشيني..

وتُسْكرُني

*

يقيني.. أنتَ

بلْ قَدَري

سألقاهُ..

يُلاقيني

ويأخذُني إلى حُلمي

وفي الأعماقِ ..يُبْقيني

وإذا وصلنا إلى قصيدتها"حديث شهريار"نجد من ثيمتها أنها لجأت إلى الأسطورة، كما اعتمدت على التناص بقصيدة الشاعر نزار قباني

 "كلمات"

يُهديني شمسًا، يُهديني صيفًا

يُخبرني أنّي أسُّ الحياءِ

وأنّي..

أُزهِرُ في قَفْرِ القلوبِ أملًا

يجنحْ

يُهدِيني قَمَرًا

يرسُمُني نورًا

يَقْدَحْ

وبعودتي إلى قصيدتها التي سميت المجموعة الشعرية باسمها "قصيدة لم تكتمل"

وربما كان هذا النص نقطة المركز في المجموعة بل وجوهرة العقد الثمين:

يأمُرُني الضمير

أكتبُها بدونِ قافية

قصيدةً حمقاءَ غافية

ياااااا وجعي

أينَ السنين؟

وأينَ عُمري والحنين؟

أنطقُها كلمةً صمّاء

تدركُها

آذانُها الواعية

حمّلت الشاعرة الثيمة الرئيسية للنص التكثيف الكبير بحيث أبقت الباب مفتوحًا على مصراعيه للمتلقي، فعندها المزيد والكثير مما تقوله في قادم الأيام .

أتى العنوان ضمن جملة اسمية خبرها جملة فعلية يدل على الحدث والتجدد، وهذه القيمة الرمزية لها مدلولات متعددة، فنحن أمام انزياح ومفارقة دلالية، وهذا من شأنه أن يفتح شهية القارئ إلى التأمل:

وعندما أمّنتُ ..

جدرانَ قصيدتي..

المبتورة ..

ترنّحَتْ مذعُورة ..

تبحثْ في البيتِ الأخيرْ

عن الحياءِ والضميرْ!

الوطن عند الشاعرة د. عبير هو القضية التي تمحورت حولها ثيمة معظم النصوص تعبيرًا عن اعتزاز الشاعرة بهويتها الوطنية، تقول في قصيدتها "أهل العويل":

نحنُ يا سادة

في أحسنِ الأحوالْ

مشاريعَ موتٍ غيرَ منجزة !

نرتدي سَتْرَنا على نيّة الكفنْ!

نتوضّأُ بطُهرِ العيونِ إنْ فاضتْ

وإنْ غاضتْ فَتُرابُ التُّرَبْ

طهارةٌ من إثمِ البشرْ!

الكفنُ سِلعةٌ غالية، يحوزُها أهلُ التَّرفْ

والقبرُ أبدًا ما استوى فيهِ الغنيُّ والشهيدْ

نلاحظ حضور مكثّف لضجيج الحياة والوجع النفسي المتخم بالآهات المتمردة، من خلال صور شعرية مركبة تجمع بين الأشياء ومدلولاتها، أمام واقع يعجّ بالمتناقضات.

نقف الآن على قصيدة "نقطة انعطاف":

ففي اللغة انعطفَ ينعطف، انعطافًا، فهو مُنْعَطِف · اِنْعَطَفَ الغُصْنُ : اِلْتَوَى، اِنْحَنَى، مَالَ ...

والنقطة هي التي لا يحدث فوقها أي تغير فيزيقي، وبالتالي نقطة انعطاف هي نقطة الانقلاب، بمعنى آخر إن لكل مرحلة نقطة تحوّل، وهذه لفظة دلالية مكثّفة أتتْ بها الشاعرة كونها تتقن علم الرياضيات والحساب، فقد درست الطب، أضف على ذلك أنها امرأة مثقفة وملمّة بمختلف أنواع العلوم، وقدْ وظّفت هذه الدلالة العلمية في الأدب، وهذا يُحسب لها .وبعودتنا لقصيدتها تقول:

جرّدْني مِنْ كلِّ حرّياتي،

وأطلقْ عليَّ رصاصةَ الرحمة!

كلاهُما اعتقال..

سَرْبلْني بقيودِ صَلَفِك

وانتشي ..

و توهّمْ أنّكَ شمشوم، أو شهريار ..

وخُذْ آخِرَ أنفاسي..

وازفُرْني حلقات..

لا تنسَ أنْ تعُدَّها ،

أظنّها خمسونَ سبيّة

مما لاشك فيه أنّ الشاعرة جعلت محاربتها للتسلط الذكوري والتمرّد نقطة انعطاف في حياتها، عندما خلعت جلباب العادات والتقاليد الاجتماعية المريضة في مجتمع ذكوري لا يأبه بحقوق المرأة، فكانتْ بحق حواءَ المتمردة الاستثنائية التي تحارب التسلط الذكوري لها ولبنات جنسها.

كما برعت باستخدام التناص من القرآن الكريم بسورة يوسف تقولُ :

هيتَ لكْ!

لا تقدُّكَ لا مِنْ قُبُلٍ و لا مِنْ دُبُرْ..

تلتَقيها ... في لحظةِ انعطافْ.

وبعودتي لقصيدة أخرى لها في المجموعة بعنوان "فراق أمْ لقاء"

- "غادريني"

قالها عمدًا بوجهي:

- غادريني...

كنتِ دائي ودوائي

بلوتي .. وصلاتي

فلقدْ غارتْ حياتي

في جنونٍ وحنينِ

غادريني دعْ رِضا الناسِ عنكَ

فلم يَرضَوا عن أفعال النّبيّينِ

وهكذا تناولتْ الشاعرة علاقة حواء بالرجل بسلبياتها المعروفة والتغلّب عليها، معلنة الانتصار، بورك لها هذا الانتصار على مجتمع ذكوري لا يعطي المساحة الكافية لحواء كي تعيش بجانب نظيرها الرجل بحقوقها ومساواتها معه.

ثانيًا- المستوى الأخلاقي والبؤرة الفكرية الثابتة (الأيدلوجية الفكرية):

بعودتنا إلى عنوان الديوان، الوحدة الدلالية، نجد الشاعرة ألمّت بمعظم ثيمات النصوص، كالرومانسية والوطنية والسياسية حتى الأسطورية، كما وجدنا ثيمة في حقل الانتقادات الاجتماعية كالقمع والتسلط الذكوري وازدواجية المعايير، وبالتالي وُفّقت الشاعرة في اختيار العنوان كعتبة خارجية وربطه مع الثيمات الداخلية، وبالتالي نستطيع أن نحدد استراتيجية الشاعرة الفكرية من خلال قيمة الديوان بأنها: شاعرة وطنية متمردة تتألم لأوجاع وطنها، وتنتقد أحوال المجتمع، وتلفظ كل أنواع التخلف والظلم والقهر، فهي حواء المثقفة والمتمردة على العادات والتقاليد البالية، ففي قصيدتها"أين نحن" تقول:

أرادوني بوقًا في حناجرِهمْ

فتجمّدَ صوتي صقيعًا

وأسرَّ في أذني : لا تَبعْني ..

لا تَبعْني ..

و لا تخفْ ..

حينها ضاعَ صوتي في هياجٍ من سَقَمْ

وترجّلتُ الحياةَ كابوسًا

وحُلُمْ

فوجدتُ أنني رعديدٌ وجبانٌ

يسكنُ غيظًا وأَلَمْ

سعتْ الشاعرة إلى جمع الدلالة والرمز والإيحاء في إطار صورة كليّة عن موقفها ورفضها للفساد والقهر الذي تعاني منه معظم المجتمعات.

ثالثًا -المستوى النفسي:

⁃ المدخل السلوكي :

بالتأكيد الشعر يكتب بإحساس الشاعر، فإذا عدنا إلى متن القصيدة سنتمكّن من الدخول إلى أعماق الشاعرة ونتعرّف على جوانب عديدة من أفكارها، فهي حواء المتمرّدة التي ترفض الذّل والضيم، وتحارب التسلّط الذكوري من خلال قلمها الذي سنبقى نسمع صريره على الدوام قصيدة لم تنتهي، كما أنها تتألّم على وطنها وتشرذم شعبها، فهي بحق شاعرة رقيقة حساسة وطنية مثقفة تحمل نزعة اجتماعية إصلاحية .

⁃ المدخل العقلاني:

التناص والتوازي في نصوص الديوان: كتبت الشاعرة القصيدة الحرّة بشكل عام في معظم قصائد الديوان، كما كتبها الشاعر السوري نزار قباني بخروجها عن القافية باتجاه العصرية والتحديث والتجديد، وبالتالي لامست هموم مجتمعها بطرحها لقضايا مجتمعية تتصل بالظلم والقهر والاستبداد والتسلط الذكوري ومحاربة كل هذه القضايا من خلال توظيف المفردة الشعرية وسيكولوجية التواصل الشعري .

رابعًا - المستوى الحركي (الموسيقا الشعرية):

اشتمل الديوان على قصائد التفعيلة والقصائد النثريّة حتى العمودية سأعطي بعض الأمثلة :

⁃ أولًا قصائد التفعيلة:

"قصيدة فراق أم لقاء" أكلَ الضعفُ كثيرًا من قواي

ضاعَ عُمري

تحتَ أقدامِ السنينِ

وعنادِك ..

سطوتِك

قد مرَّغتْ حتى الجَبينِ

"قصيدة حديث شهريار "ذاكَ الذي ألقاهُ فوقَ سحابةٍ

لا تتزَحزَحْ

يُرابطُ على حدودِ ذاكرتي

يداعبُ أفكارًا تتلوّى

وتترنّحْ يُهدِيني قَمَرًا

يرسُمُني نورًا

يَقْدَح

قصيدة "جند إبليس"يحدثُ مرّة

أنْ تسقطَ صخرة

تهدمُ غلًّا

تسحقُ قِشرة

تكسرُ هيكلَ

أيّامي بقسوة!

قصيدة "سكين الأحلام "شحَذتُ نفسي

لأذبحَ بها

كلَّ الأحلامْ

وجعلتُ دمي مِدادًا

يُؤرّخُ بصدري

كلَّ الآمالْ

وصارَ وقعُ وجودِكِ

في عمري

كالزلزالْ

أظنُّ هروبَكِ مني

مُدلّلتي

صارَ مُحالْ

أخيراً قصيدة "فراق أم لقاء "غادريني"

قالها عمدًا بوجهي :

- غادريني...

كنتِ دائي ودوائي

بلوتي .. وصلاتي

فلقدْ غارتْ حياتي

في جنونٍ وحنينِ

جاءت الموسيقى متنوعة انسيابية بتنوع التفعيلة وإن خرجت في بعضها عن القافية في القصيدة الواحدة، وهناك قصيدة واحدة "إنّ بعض الشيء عشق "من الشعر العمودي وكذلك قصيدة انصهار تكاد تكون عامودية وإن وجد فيها كسرًا بالوزن .

- ثانيًا القصيدة النثرية:

باقي قصائد الديوان كلها نثرية وهي نزيف الشّمس-تلتقيني-خلود-قصيدة لم تكتمل-أهل العويل -سر سعادتي- جنّتي- حرب رقميّة-ملكة بين مملكتين-سمراء مُرّة-زوبعة - معراج-جداريات-البعد الرابع-نقطة انعطاف-أين نحن-حنانيك-تجوال-ونيّف-رسالة أهملها الزمن-جنّة أم جحيم -محكمة- عوالم –

وُفقتْ الشاعرة في اختيار الألفاظ ذات الأصوات التي تملك نبرة إيقاعية في قصائد النثر، لذلك جاء النص مموسقًا، وبالتالي هناك إيقاع موسيقي متحقّق بحسيّة الألفاظ وتراتبية الأفعال .

أخذ أمثلة:أضلُّ عنكَ والساعدين دقات قلبي والخافقين

أينَ السنين؟

وأينَ عُمري والحنين؟

أنطقُها كلمةً صمّاء

تدركُها

آذانُها الواعية

كما لجأتْ في بناء ايقاع القصيدة إلى تكرار جملة بعينها لتكون لازمة موسيقية تستخدمها كلّما خفّ ايقاع القصيدة ،بسبب السردية لتستأنف من بعدها السرد:

-" غادريني"

قالها عمدًا بوجهي :

- غادريني...افتريتُ غادريني .لاتبعني لاتبعني

أخيرًا التجربة الشعرية

نستطيع أن نقول أنّها شاعرة مثقفة، كتبت القصيدة الحرّة بتفوّق، وحمّلتها دفقات شعورية عبر مفردات وتراكيب وصور شعرية مركبة، جمعت بين الأشياء ومدلولاتها، كما عبّرت عن الذات وهمومها، فأحسنت الصياغة والتعبير، كما أنّها وظفت ثقافتها العامة والمتعددة في كل المجالات التاريخية والأسطورية والوطنية السياسية والعلمية في مجال تخصّصها بالطب، فذكرت فيثاغورث والعمليات الحسابية بطريقة مشوّقة:

تربطني ب ( فيثاغورث) علاقةٌ حميميّة ..

بعيدةٌ عن الماديّة الرقميّة..

أحترمُ ثالوثَهُ القائم

مربّعاتِ ضِلعَيه

ووترَهُ المدلّلْ

أستبدلُ أرقامَهُ بحروفِ أبجديّتي..

أهديهِ السينَ والعينَ و الدّالْ..

و أرفعُها للتربّعِ على عرشِ الجمعِ والمساواة

هنيئًا للشاعرة والناقدة الذرائعية والروائية الدكتورة عبير خالد يحيي.

مع الشكر الجزيل

***

بقلم الشاعرة والناقدة الذرائعية سمر الديك  

.......................

* الصورة للدكتورة عبير خالد يحيى

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5873 المصادف: 2022-10-04 02:45:13


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5994 المصادف: الخميس 02 - 02 - 2023م