قراءات نقدية

حيدر عبد الرضا: دراسة في رواية (ليون الإفريقي) للكاتب أمين معلوف (4)

دراسة في رواية (ليون الأفريقي) للكاتب أمين معلوف وقفة مع كتاب (فاس) أنموذجا.. فواعل السرد بين الناظم الخارجي والفاعل الاستقرائي، الفصل الثاني، مبحث (2)

توطئة: أن من موجهات أوجه القيمة الإجمالية في محاور دلالات رواية (ليون الأفريقي) ليست مجرد حالة في إعادة الإنتاج للمقولات والأحداث والمواقف الأكثر مرجعية وحدود وهويات (المدون ـ المرجع) بقدر ما تشكل حقيقة مهامها المعالجة ــ تخييليا ودلاليا ــ، ذلك الجانب الإمكاني في مبثوث العلاقة العضوية والتنافذية بين (الروائي = التأريخي) كما أن علاقة خطاب السيرة الأحوالية في التدوين، ما هي إلا عين العلاقة المتكافئة بين (الرواية = التأريخ) بيد أن الفوارق النوعية بين أحوال خطاب الماقبل ونظيرها الحاضري، يمكننا تصنيفها على كونها العلاقة بكفيات خاصة من العاملية مع حقيقة مواضع المواقف، وكيفية اختلافها عندما يجري التعامل وإياها بموجب منظوريات وأنساق تبنى على أسس وخصائص ومميزات زمنية تحمها أوجه أكيدة من شرائط (التدوين ــ الوظيفة ــ الصياغة ــ المعالجة) وعلى هذا النحو يمكننا قبول الحضور التأريخي في سرود الرواية، شرطا إذا لم تكن الشواهد والعوامل الروائية متفقة مائة بالمئة مع وقائع التحقيب التأريخي.كل التعريفات والتحديدات التي تقدمها دلالات رواية (ليون الأفريقي) تكاد أن تكون عملا سرديا يرمي إلى توظيف علاقة ابداعية وتخييلية، إذ نلاحظ ثمة حالة تداخلية بين محاورتأريخية بالإضافة إلى عوامل تخييلية.ولهذا الأمر وجدنا ونحن نتداول فصول الرواية، بأن هناك جهة خاصة من (الحقيقة السياقية = التحقق التخييلي) وقبل محاولة دخولنا إلى تقديم بعض من أوجه الانماذج الوقائعية في المتن الفصولي من الرواية، نود التنويه إلى أن الرواية التأريخية المحدثة لا أواصر أو صلات بينها وبين (الرواية التأريخية في القرن التاسع عشر؟) التي نجد لمثلها لدى والتر سكوت نموذجا، صحيح أنها رواية ولكنها تظل إلحاقا دؤوبا بالخطاب والواقع التأريخي، كما يجعلها هذا التوجه عبارة عن سياق مندرج حول مواطن الوثيقة ــ التدوين، للمادة التأريخية، بعيدا عن أسس العلاقة المعالجة بالإبداع والتخييل الأدبي لسياق من الأنساق الإطارية للمدونة للمادة المرجعية.

ــ العلاقة الاقتضائية في مخصوصية التمثيلات السردية.

أن فنون السرديات من المسميات الاصطلاحية التي قام في وضعها الناقد الروسي (تودوروف) عام 1969 للدلالة على علم السرد الذي أخذ يشغل حيزا واسعا من اهتمام النقاد والباحثين ./ انظر: السردية وحدود المفهوم، بول بيرون، ترجمة عبد الله ابراهيم.وبتعبير أكثر دقة ووضوحا، فإن السرد الروائي يشير إلى الطريقة التي يختارها الروائي أو حتى الحكواتي الشعبي، ليقدم بها الحدث إلى الملتقى، فكأن السرد إذن هو نسيج الوقائع المتموقفة والمقولات في صورة محكية.مما يعني بصيغة ما أنه بإمكان الروائي تنظيم ومعالجة مادة تأريخية بموجب مؤديات خاصة من الأحداث والتوزيع الابداعي ــ التخييلي، وبذلك يمكن معاينة هذه المهمة في النظر إليها على إنها (محمولات تشكيلية) في البناء الفني اقترانا بحقيقة منظومة علاقة جمالية تستأثرها مستويات إمكانية من المواقع المحورية المترشحة في محددات الطلوع بالمادة التاريخية في صياغات دقيقة من الانساق والمعالجة والأسلوبية المستلهمة بين حدود متلازمة بين شكل المرجع السياقي وتطورات مضمونة السردي بالملفوظ والخطاب والزمانية المفترضة في نظام ظهورها التحفيزي والتقني.

1 ــ عام العرافين: تجسيد محاكاة الواقع ومحورية الفاعل المركزي:

لاشك أن بناء الشخصية الروائية في فصول رواية (ليون الأفريقي) ترتبط ارتباطا متعددا بماهية أفعال (الرواة ــ راوي الرواة) وذلك لأن عملية مسار الحكي تحدث في حدود مرحلة (شفاهية ــ نقلية) باعتبارها ذلك اللسان للحال الشخصي في المروى إليه.فلا يمكن أن تكون شخصية ليون راويا وهو لم يتعد السابعة أو الثامنة من العمر. خصوصا وأن طبيعة موضوعة الرواية متصلة بالشكل المرجعي المتعلق بحروب غرناطة وسقوطها على أيدي القشتاليين، إذن هناك مواقف ومشاهد وشخصيات وتحقيبات وصراعات لا بد من أن تكون مفصلة في مفادها المحكي.لذا وجدنا جميع مؤشرات الرواة جاءت (مروى إليه) تكاملا مع حيثيات ارتباط (الفاعل المركزي) بما يدل عليه في أوجه متباينة في مراحل الزمن والمكان والاتجاه الواقع عليه في موضوعة الحقبة الزمنية في حدودها التي تؤشر على طبيعة محددات زمن الفاعل المركزي.وعلى ضوء ما حلت به ارتباطات فصل (عام العرافين) نستدرك بأن هناك متعلقان اثنان هما (الناظم الخارجي ـــ الفاعل ـ المركزي ـ الاستقرائي) ولعل ما يلاحظ في صدد وظيفة الناظم الخارجي كونه المستوى السردي الذي يتكفل بالممكنات السردية (البرانية ــ الخارجية) أو ما يمكننا تسميته أيضا ب (خارج الحكي) أي الذي يقوم بحكي الحوادث والأحوال دون أن تكون له علاقة مشاركة في النص: (لم تكن سلمى تغفل عن تغيير مشيتها عندما كانت تمر بالساحة المربعة التي فيها سوق الأزهار./121: عام العرافين) ولتعزيز موقفنا من كون أن (أمين معلوف) قد غدا مستثمرا في محكي روايته مستويات خاصة (الملفوظ ــ التلفظ) فذلك ما يرجح قولنا بأن الخطاب الوارد هنا وهناك، ليس في الاتجاه التمثيلي للواقعة التأريخية وإنما جاءنا في (فاعلا وغير منفعلا)، دالا وغير مدلولا، يختص فيما يختص بحدود (الفضاء ـ المتن = نص سردي) ولو افترضنا بأن الحيز الوحداتي هنا مرويا عن ميثاق مرجعي، لما كان شكل المحكي يبدو كتوليفة ظاهرية من الخاصية الانشائية الموصولة بالتخييل وليس بالتوفيق المحاكاتي بين التدوين والمدرج المعالجاتي في مسافة الفضاء النصي.

2 ـ الفاعل الداخلي: الناظم الداخلي:

من الإمكان حصر وظيفة (الفاعل الذاتي) على إنها العملية التبئيرية ـ الجوانية ـ إذ يكون عمقها ذا تكوين داخلي.فيما نركز الضوء على كون الناظم الداخلي ممارسا للحكي بطريقة المبأر من الداخل، حتى يستوي المستوى السردي لديه كونه ذا المنظور البراني وعمقه الدراخلي.ومن خلال حالات الاشتغال المجملة في موضوعة (الشكل السردي ـ خارج الحكي ـ داخل الحكي ـ الفاعل الذاتي ـ الداخلي الخارجي) نستدرك الرؤية في العلاقة الحاصلة بين الفاعل الذاتي ومستوى ممكنات الحكي: (وقد أنتهى بي الأمر إلى ملاحظة سلوكها ـ وإذ راق لي على أنه لعبة جديدة حين كنت أتكروح إلى جانبها فقد كنت أتظاهر./ص121) إن مسافة الحكي هنا لا تعبر باسم الصوت السردي، بقدر ما تقدم متغيرات في ممارسة حكي المسافة الحاصلة في العلاقة بين (الراوي ـ الحكاية) ومن خلال هذين التجليين، سوف نلاحظ كل المظاهر المحققة من خلال التحولات والعينات السردية داخل صفة المنظور الأفعالي والحوادثي في مسار السرد.

ــ إمكانية استقصاء الاحوال المتحركة في إنتاج المحكي

1ــ فعاليات الاستنهاض وتشكيل الفضاء الروائي:

بهذا المعنى من عنونات ومؤشرات مباحث فروعنا، يصبح من السهل علينا معرفة وقائع إنتاج أحوال السرد المتحركة بالصورة المرجعية الشاهدة عبر الكيفية التخييلية وليس التقاطع السياقي في مأثورات التدوين التأريخي، حيث تحول الهدف من كونه واقعة مرجعية محددة، إلى احساس إبداعي في تلقي الحكي كممارسة بالصورة السردية، وهي الصورة التي تعرض الأشياء والأحوال على مواضع يتوزعها الوصف والتشكيل والانسجام في دلالة الفضاء والمتن الروائي، إذن لننظر رويدا إلى مغامرة الشخصية سلمى مع وردة اليهودية في منازل العرافين والمنجمين: (سارة المبرقشة: كان كل ما فيها يبدو لي غريبا، ثيابها التي تجمع كل الألوان، وضحكتها المتواصلة، وأسنانها الذهبية، وأقراطها الضخمة، ولا أنسى عطرها الخانق الذي تلقيته ملء منخري عندما ضمتني إلى صدرها./ ص122) إن القابلية الملفتة ها هنا تبرز لنا ذلك الدور الفعال الذي أثاره (المتن الحكائي) أي خلاصة مجموع الأحداث المتصلة فيما بينها، والتي يقع إخبارنا بها خلال علاقة ومستوى مخصوص من النظام الزمني والسببي للأحداث المحكية، وباستقلالية تتعدى جاهزية وأفتعال ربط الحوادث في المحكيات الشفاهية المنقولة عن الألسن.إذن نفهم من وراء ذلك كله أن المتن هو مادة الحكي التام، وبما يشير إليه المبنى من تقديم المادة بموجب تراتيبية تقنية.نلاحظ ما جاءت به حادثة لقاء سلمى بوردة اليهودية حيث كانت قائمة على نوعين من (حوافز معلنة ــ حوافز ضمنية = حوافز دينامية) .

2 ــ مؤثرات الإيقاع الصوتي وإيقاعية الأداة الحوارية:

يمكننا العثور على جملة تجليات قصدية وإيحائية في وحدات المستوى الأداتي في منطوق الأصوات الحروفية، بوصفها الوسيلة الصوتية الإيقاعية التي من خلالها يمكننا استدراك الوسائط العلاماتية التي تؤشر في أشكالها نحو وظائف خاصة في البنى الحوارية مثالا، وكذلك ما يجرى في مستوى المواطن الملفوظية وعلاقاتها الدلالية في أحوال المكان والزمن والمظاهر الخارجية والوضعية من مكامن الموقع الشخوصي: (وأنزلتني إلى الأرض قبل أن تتابع بصوت أكثر خفوتا (...) . / ص122 الرواية) تشتغل مثل هكذا تواظيف نحوية وإشارية إلى مواضع الأداء الصوتي، كمسلمة تتخللها صياغة أكثر قدرة على انماء هوية المتحدث، وعلى كون أن المحمول هنا أكثر تحديدا في مرحلته العمرية.اما ما تكمن خلفه وحدة (تتابع بصوت أكثر خفوتا؟) فهو ذلك المقتضى في حال كون الديانة اليهودية التي غدت أكثر رفضا في بلاد الأندلس، مما جعل وردة اليهودية خاضعة إلى ذلك الطابع النفسي والسلوكي الذي يجعلها تبقي اليهودية سرا حتى وهي في بلاد المنفى فاس.لا شك ان الوسائل الدرامية في حوارات المنطوق السردي، أكثر تعلقا بوظيفة (الراوي الداخلي) خصوصا في تلك المواقف التي توازي وعي وخاصية راوي الرواة: (لقد كان الانتقام من القشتاليين ولا ريب أمنية غالية جدا على قلب سلمى ./ص123 الرواية) إن إمكانية التحديد الضمائري في الفصول المتوسطة من الرواية، صار من التمحور والثبات حو الشخصية المشاركة (ليون = المروى إليه راويا) وذلك ما بدا لنا أكثر اشتغالا حينما غدا يتولى الحكي من خلال حال الشخوص لينتقل من خلاله راويا إلى مروى إليه، وربما أحيانا تضيع الحدود الفاصلة بين (الراوي ـ الشخصية) حتى تبدو كمحصلة (هوية متكلم غائب) أو هو ذلك النوع من خطاب الكاتب المركزي وإن كان ــ استنادا إلى معنى ـــ المؤلف الضمني في العادة ومن خلفه المؤلف الفعلي.

ــ تعليق القراءة:

عندما نستعرض مصير الشخصية سلمى في فصل (عام العرافين) وتلك المحاور السردية ـــ الاخبارية، من خلال فصل (عام النوادب) نستدرك توكيدا ان أغلب ما جاء في فصول رواية (ليون الأفريقي) قد لا يدخل في غالبه الأعظم ضمن جهة تحليلية وتقويمية، وذلك لكون الأسلوب الموظف في مسار نمو المواقف والشخصيات، أسلوبا مقاربا إلى دائرة (أقوال الراوي) والمروى إليه راويا، خصوصا وأن طبيعة النمو الحدثي جاءتنا مسرودة بطريقة الرواة أو راوي الرواة أو المتكلم بضمير الإجمال.ومن الجدير بالأهمية أن الرواية تحكى ضمن حركة الناقل والتنقل، وهذا ما يخلق احساسا جماليا بوثوقية (الراوي ـ البطل) ومجمل محكيات الرواية الواقعة بين حضور الذات (الفاعلة ــ الشاهدة) مما يجعل الخطاب أكثر تفعيلا للفواعل السردية الممكنة والمحتملة في التأويل والتحليل لهويات الرواة النواظم والفاعلين لأقصى ثيمات الخطاب تأشيرا في سياقه التأريخي وتمثيلاته الابداعية المعمقة في حراجات التخييل.

***

حيدر عبد الرضا

في المثقف اليوم