دراسات وبحوث

منى زيتون: آل فرعون وقوم نوح وعذاب القبر

منى زيتونكل مؤمن بالله واليوم الآخر يعلم يقينًا أن حياته الدنيا هي دار عمل واختبار له، وأنه بعد موته وانقطاع عمله محاسب ومجازى بما فعل فيها، ولكن ما بين موته والقيامة ماذا سيكون من أمره، وكيف سيقضي وقت البرزخ؟

ولنتفق أولًا أن هناك أدلة معتبرة على أن المؤمنين بالفعل سيرون مقعدهم من الجنة ليطمئنوا، وسيُوسع عليهم في قبورهم، وكذلك الكافرين سيرون مقعدهم من النار ليُخوّفوا، وسيُضيق عليهم. ولا أرى ما يدعو لذكر هذه الاستدلالات فما على هذا الخلاف، وإنما الخلاف على ادعاء بعضهم أن هناك عذابًا جسديًا في القبر، وادعاءهم إجماع علماء المسلمين عليه، وإقناع عوام المسلمين به على أنه معتقد سلف الأمة!

ومن رأيي أننا نحتاج إلى دليل على هذا العذاب الجسدي المدعى في البرزخ، فالتوسعة والتضييق ورؤية المنزلة عليها دليل، لكن وجود عذاب جسدي ليس عليه دليل، ولم يقل به قدامى علمائنا، على عكس ما يعتقد العوام! ومن ادعى شيئًا فعليه إثباته وليس أن يلزم الناس بالتسليم به لأن الله قادر على كل شيء! خاصة وأن الحساب لم يقع بعد، وكيف يكون عذاب قبل حساب؟!

ويدعي من يقول بثبوت عذاب القبر أن الآية الواردة في حال قوم فرعون في البرزخ تمثل ذلك الدليل ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]. وكما هو معلوم أن عرض الحوض على الإبل إذا سقاها صاحبها منه، وعرض الرجال على السيف أي قتلهم به. لكن لو كان العرض على النار هو الوقوع فيها وصلي نيرانها فكيف سيكون عذاب الآخرة؟ والنار من مختصات عذاب الآخرة.

وقد أورد الإمام الطبري في تفسير الآية قول محمد بن كعب القرظي: ليس في الآخرة ليل ولا نصف نهار، وإنما هو بُكرة وعشيّ، وذلك في القرآن في آل فرعون ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ وكذلك قال لأهل الجنة ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. وقيل: عنى بذلك أنهم يعرضون على منازلهم في النار تعذيبًا لهم غدوًّا وعشيًّا. كما أورد الطبري عن قتادة قوله: يعرضون عليها صباحًا ومساء، يُقال لهم: يا آل فرعون هذه منازلكم، توبيخًا ونقمة وصغارًا لهم. وكما نرى فلا أثر في هذا التفسير للعذاب الجسدي الذي يدعيه بعضهم.

وقد ورد في تفسير آية غافر في تفسير الطبري نفي صريح آخر لأن العذاب يصيب الجسد؛ فذكر الإمام الطبري -نقلًا عن الهذيل بن شرحبيل- أنهم "لما هلكوا وغرقهم الله، جعلت أرواحهم في أجواف طير سود، فهي تُعرض على النار كلّ يوم مرتين ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ إلى أن تقوم الساعة"أهـ. فإن كنت أتفق مع ما رواه الطبري في نفي أن يكون الجسد هو ما يُعذب فإن الروح هي نفخة الله في الإنسان، والتي استحق آدم سجود الملائكة له بعد أن صارت فيه، ومن ثم فليس هناك عذاب للروح حتى بالنسبة للكافرين؛ فالروح طاهرة لا تتنجس، ونفس الكافر هي ما تدرك مصيره في البرزخ وتشعر به. ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: 38].

كما أن التفسير اللغوي للجزء الأول من الآية وحده غير كافٍ؛ فيجب النظر إليها مكتملة وليس على نحو ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾، ذلك أنه استنادًا للمعنى اللغوي فلو كان العرض على النار في حق آل فرعون في فترة البرزخ يعني أن يصيبوا شيئًا من لهيبها، استعجالًا لهم بالعذاب، فباقي الآية توضح بأن آل فرعون لن يكون لهم فقط عذاب عادي يوم القيامة بل سيردون أشد العذاب بسبب شدة خطاياهم. ولكن في هذه الحالة -ووفقًا للقواعد الأصولية- فلن تكون هذه الآية دليلًا على عموم العذاب الجسدي للكافرين في فترة البرزخ، بل سيكون التفسير أن هذا من مختصات آل فرعون، أو لمن تأكد أن حالهم يشبه حال قوم فرعون؛ لأنه لا يجوز التعميم وقد خصهم الله في الآية.

ومما يعزز هذا التفسير ويثبت له وجاهته، قوله تعالى في حق قوم نوح في آية أخرى: ﴿مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا﴾ [نوح" 25]. ويُقال إن الموت غرقًا من علامات شدة الخطايا وسوء العاقبة، ولا يُقال هذا في حق من مات أولًا ثم غيَّب الماء جسده، وجاء في مسند الإمام أحمد (1574) عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن لا يهلك أمته بالغرق، وأنه تعالى أعطاه إياها.

وقوم نوح قد أغرقوا مثل قوم فرعون، والعطف بالفاء في اللغة يقتضي الترتيب والتعقيب بلا تراخٍ؛ ما يعني من ظاهر الآية أنهم بعد الإغراق مباشرة ادخلوا في النار. وعلى هذا النحو فالآية تبرر تخصيص من هذا حالهم ﴿مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ بهذا العذاب؛ أي بسبب خطاياهم العظيمة خُصوا بهذا العذاب في فترة البرزخ.

ولكن هذا لا يمنع من وجود تفسير آخر للتعبير في الآية بالفعل الماضي ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾؛ وهو أن التعبير بالماضي جاء للدلالة على المستقبل تأكيدًا لصحة الوعد به وحصوله، فدل على أن مصيرهم يوم القيامة النار لا محالة، فلا ناصر لهم من دون الله ليدفع عنهم عذاب الله المحقق والمقدر لهم. ومن ذلك قوله تعالى في أول سورة النحل: ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فالمعنى أن الساعة قد اقتربت، وأن وقوعها حاصل لا محالة، فعبر تعالى عن ذلك بالماضي.

وكل ما ورد من أدلة في العموم عن فترة البرزخ تشير إلى أن المؤمن يوسع عليه في قبره ويرى منزلته في الجنة ليفرح، والكافر يضيق عليه في قبره ويرى مقعده من النار، فلو جاز أن يسمى هذا التضييق على الكافر عذابًا -لأن هناك إصرارًا على استخدام لفظ العذاب بالقبر-، فهذا العذاب لا يصيب الجسد فهو ليس عذابًا حقيقيًا لأن الجسد لا يُعذب في البرزخ قبل الحساب، ولو تريدون أن تسموا هذا عذابًا سموه!

والقول بالتوسعة على الميت المؤمن في قبره وطمأنته برؤية منزلته في الجنة والعكس بالنسبة للكافر هي من أفضل ما فسر به علماء المسلمين حال الإنسان في القبر، ومنهم من أضاف أن هذا يكون أشبه بحال النائم، واستدلوا بقول الكافرين يوم البعث: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 52]، فيستدل منه أن ما بين موتهم وبعثهم كان أشبه برقود النائم، أما ما عدا ذلك من أقرع شجاع وخسف بالكافر في قبره فمن الموضوعات التي لم يقم عليها دليل.

وبعد القيام من القبر يكون الحساب، ومن ثم النعيم أو العذاب الحقيقي الذي لن ينقصه أو يزيده كونه بُشر أو أنذر بهذا في قبره.

 

د. منى زيتون

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5663 المصادف: 2022-03-08 02:28:40


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5864 المصادف: الاحد 25 - 09 - 2022م