 دراسات وبحوث

محمد بنيعيش: حرب الفِجار والتأسيس المحمدي لقوانين العصبية والعمران

محمد بنيعيشمهما كان الصالح أو المصلح متوخيا ومتحريا للسلم وإرضاء الجميع، على مسافة واحدة من التوافق والتواصل والمعاملة، فإنه على أرض الواقع قد تعترض منهجه وسلوكه وطريقه حوادث مشكَلة كل الإشكال وحائلة بينه وبين كل ما يتمناه ويرجوه.إذ العالم له قوانين ثابتة والإنسان له تصورات وخطط متحركة ومتغيرة، ومصالح متضاربة ومتراكبة .وهنا تقتضي الموازنة بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن، وهذا هو عين الحكمة وسعة البصر والبصيرة فهل من حكيم ومستبصر حاضر؟.

أولا: سلبيات حرب الفجار وإلزامية الحضور المحمدي

فالمرة الأولى التي سيظهر فيها النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عند مقتبل عمره، مساهما ومشاركا اجتماعيا على مستوى الحرب، والدفاع الوطني، قد كانت عند محطة ما عرف تاريخيا بحرب الفجور أو الفجار، والتي ستتلوها مرحلة سلم واستقرار متسمة بتأسيس العدالة ورد المظالم إلى أصحابها والتي ستسمى بحلف الفضول، والذي حضره أيضا ولكن بصفة ملاحظ ومؤثر سلوكيا وروحيا وإن شئنا نورانيا لمن يفهم الخطاب.

فنحن إذن أمام محطتين متكاملتين، متلازمتين ومتناقضتين، في بناء العمران وهما:

الأولى: قد تتمثل في ردع عدوان خارجي لحماية المكتسبات الوطنية من السلب والنهب والعبث بالهوية والوحدة والسلم الاجتماعي، وهي ما سيعرف بحرب الفجار .

الثانية: وهي قد تعمل على حماية النسيج الداخلي للمجتمع وتقويته والحفاظ على تراصه وتضامنه، وذلك من أجل كسب الاستمرارية وتحقيق تماسك اللحمة الاجتماعية، التي ستعمل بوجه أو آخر على ردع العدو الخارجي، والوقوف صفا قويا في مواجهته في حالة ما هم بالغزو أو الإغارة، وهذا ما اصطلح عليه بحلف الفضول.

فملخص حرب الفجار بأنها قد كانت (بين قريش ومن معها من كنانة، وبين قيس عيلان . وكان الذي هاجها أن عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن جار لطيمة[1] للنعمان بن المنذر، فقال له البراض بن قيس أحد بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة: أتجيرها على كنانة ؟ قال: نعم وعلى الخلق كله، فخرج عروة الرحال، وخرج البراض يطلب غفلته، حتى إذا كان بتيمن ذي طلال بالعالية غفل عروة، فوثب عليه البراض، فقتله في الشهر الحرام، فلذلك سمي الفجار)[2].

وعن حضور النبي (ص) ودوره في هذه الحرب تقول بعض الروايات إنه " شهد بعض أيامهم، أخرجه أعمامه معهم، وقال رسول الله (ص): (كنت أنبل على أعمامي" أي أرد عنهم نبل عدوهم إذا رموهم بها)[3].

ليس مهما هنا تناول موضوع حرب الفجار وطبيعتها وتفاصيلها، من محركها حتى نهايتها، فهذا شأن عربي قد كان في الجاهلية نظير داحس والغبراء، وهي في جوهرها كما لخصها محمد الخضري بك بأن(انتهت هذه الحرب التي كثيرا ما تشبه حروب العرب، تبدأها صغيرات الأمور حتى ألف الله بين قلوبهم وأزاح عنهم هذه الضلالات بانتشار نور الإسلام بينهم)[4].

بل المهم لدينا هنا هو الحديث عن طبيعة الحضور النبوي المحمدي في هذه الحرب ودلالاته وإشاراته النفسية والاجتماعية وغيرها . بحيث إن النبي (ص) قد حضر بعض أيامهم، أي المتحاربين، وهذا يعني أنه لم تكن له الريادة ولا مسؤولية القيادة ولا حتى مراجعة الرأي في إذكائها أو التحريض عليها، وخاصة حينما يكون الأمر متعلقا بالأمن القومي، كما جرت به عادة المجتمعات المتناصرة والمرتبطة بالنفير.

ثانيا: الهامشية الإيجابية للحضور المحمدي في حرب الفجار

إذن، فحضوره (ص) قد كان هامشيا في هذه الحرب، هامشية إيجابية بالنسبة لمقامه وحاله، وذلك لأن الصراع هنا قد كان غير عادي وذا سلبية روحية وأخلاقية، ألا وهو وقوعها في الأشهر الحرم المعظمة عند العرب. والنبي (ص) أكثرهم تعظيما لها وأكثرهم احتراما والتزاما بمقتضياتها، وأكثرهم وعيا ومراعاة للرأي العام العربي الذي قد يتجاوز موقف القبيلتين أو القبائل المعدودة التي انجرت إلى هذه الحرب عصبية ضيقة لا غير.

الجانب الآخر، هو أنه لم يكن مبادرا بالخروج إليها طواعية وإنما حدث ذلك في شكل إكراه ومساوقة للجماعة المدفوعة إلى ذلك، وخاصة أعمامه الذين أخرجوه معهم، أي أنهم قد كانوا ملحين على حضوره معهم لاستكمال وجه العصبية والتناصر في إطار: انصر أخاك ظالما أو مظلوما، وذلك لما كانوا قد يأملونه من نصر بسبب دعمه (ص) ، ولربما التطلع إلى أثر بركته، وهو ما قد حصل فعلا، بحيث قد انهزمت قيس واقترح الصلح فيما بعد ووقيت مكة شر هذه الحرب التي كادت أن تصبح دائرة في عمق الحرم المكي إن هي استمرت إلى أجل غير معلوم.

وكتحديد وظيفي للنبي (ص) في هذه الحرب فإنه قد كان مجرد موفر للدعم (اللوجستي، أو الخدماتي – إن صح التعبير-)هناك، ولم يكن محاربا ولا مخترقا لحرمة الأشهر الحرم، وبالتالي فهو سيقوم بدور دفاعي وسائطي جانبي، وليس حتى مباشر، أي أنه (كان يرد نبل عدوهم إذا رموهم بها).

فهذه الأدوار والمواقف قد تتناسب مع موقع ومقام النبوة وأخلاقها المتهيئة لنشر الدعوة عند المبعث، أي أن النبي (ص) لم تنل يده أحدا بسوء أو مكروه، أو قتل وقتال، قبل مبعثه، وذلك لإبقائه في مقام المحبة المطلق والشامل، وموقع الاحترام من الجميع، لأنه مبعوث إلى العالمين.

وأيضا، حتى لا يكون هناك شقاء ورفض لدعوته عند مبعثه بباعث نفسي وخلفية مكبوتة ضده صلى الله عليه وسلم بصفة شخصية، وهذا على الرغم من أنه كان حينئذ قد ناهز سنه العشرين، وهي مرحلة العنفوان والقوة والقدرة على حمل السلاح والفر والكر وخوض المعارك، فلا مانع لديه إذن من أن يكون في المقدمة وصف الهجوم.

لكن العكس والأقوى من هذا هو الذي بدر منه، وذلك لأن الحضور المحمدي بين قومه قد كان باعثا نورانيا وحثا غيبيا على إقامة الصلح بين تلك القبائل المتناحرة، ثم الرضوخ أخيرا إلى الصلح والسلم، والذي قد كان من نتائجه إنشاء حلف عند أهل الحرم، سيكون بمثابة محو واستدراك تصحيحي لما خلفته حرب الفجار من نضوب وجراح في النفس العربية عامة وتعظيمها لحرماتها.

فهلا كان هناك في هذا العالم المعاصر والمتحضر المتبختر من يريد أن يلبس لباس الجهاد بالحياد والتوسط لكي لا يتسع لهيب النيران الذي هو عدو الإنسان بدل المساهمة في أسباب الحداد والتأجيج بالضغط على الزناد في مثل هذه الحروب، والتي تكاد تهلك الحرث والنسل ولا تراعي حرمة ولا عهود ولا قيود؟.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

................

[1] هي الجمال التي تحمل البز والمسك، وإجارتها أن يكون لها جارا فيمنع التعدي عليها.

[2] ابن هشام: سيرة النبي (ص) ج1ص199

[3] ابن هشام: سيرة النبي (ص) ج1ص201

[4] محمد الخضري بك: نور اليقين من سيرة سيد المرسلين (ص) ، المكتبة العصرية، بيروت

ط1425هـ -2004 ص22

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5669 المصادف: 2022-03-14 01:27:13


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5827 المصادف: الجمعة 19 - 08 - 2022م