 دراسات وبحوث

الثورات وكربلاء المُلْهِمَة

ايمان شمس الدينقد نتفق مع السلطة على أن هناك تهديدا وجوديا للدولة، ونلتقي على هذا الأمر، لكن هدفنا هو الحفاظ على استقلال الدولة وأمن شعبها وتحقيق المصالح الخاصة بالدولة والشعب وخاصة العدالة، أما هدف السلطة هو الحفاظ على نفوذها وسلطتها وهيمنتها على النفوذ والثروات، وما أن تستشعر السلطة أنها حققت أمنها الخاص استراتيجيا بما يمكنها من الاستمرار، فإنها تنقلب على أي اتفاق قد يسبب لها حرجا أو مانعا أمام نفوذها. وستجر السلطة إلى شباكها الانقلابية كل من تشابك معها في المصالح والأهداف أو ارتبط معها بتعهدات، وبذلك تصبح أي محاولة إصلاح في مهب الريح، فالسلطة عادة لا يهمها الإصلاح بقدر ما يهمها تحقيق النفوذ والسيطرة، فهي يمكنها أن ترفع شعار الإصلاح لأجل امتصاص غضب الشعوب، أو للوصول إلى مصالح ذاتية بها، أو للتخلص من خصوم سياسيين وسرعان ما تنكس راية الاصلاح التي رفعتها.

لذلك من يمتلك الرشد ومعالم وصفات زعامة الحسين ع، يستطيع تشخيص الواقع ومعرفة ما يستلزم عليه فعله دون أن ينكث بيعة الحسين ع، فاختلاف الرؤى الكونية سيؤدي لاختلاف الأيديولوجيات وبالتالي السلوك، واختلاف الأهداف حتما سيؤدي لاختلاف المنهجيات والنتائج.

وما يحدث اليوم يثبت بشكل جلي أن هناك صراعات شبيهة بين زعامتين، ضعف في هذا الصراع الذين أغرتهم المواقع في السلطة، والأموال،  وهكذا سقط من خذل الحسين ع في الكوفة ممن كان من أتباع مدرسة أهل البيت ع، طبعا هناك أيضا من الأتباع من لم يحث الخطى لامتلاك  الرشد و الوعي الذي يمكنه من عدم التعثر في الطريق أثناء الفتن المظلمة، لكن من كان من أتباع هذه المدرسة في مواقع متقدمة قبليا و له تشابكات مصالح مع القبائل والسلطة، فهو حتما سيتعثر وينقلب ويخذل الحسين ع، الذي يجسد مدرسة الحق في مواجهة الظلمة والطواغيت والمتلبسين بلباس الدين ونخب السلطة وفقهائها.

فالشعار وحده لا يكفي كدليل على الانتماء لخط القيادات الربانية، لأن كثيرين من أهل الكوفة رفعوا شعارات وبكوا على الحسين عليه السلام، ولكن قلة قليلة من نصره في ميدان كربلاء، وهذه القلة هي القلة الراشدة الواعية المدركة لرسالة الإمام الحسين ع، وموقعيته في المشروع الإلهي، وهذا هو المطلوب.

هذا فضلا عن أن الانتماء لمدرسة الحسين عليه السلام وتحت زعامته لا يكون إلا عن معرفة وإدراك ووعي، أي قائما بالفكر والعقل، لا بالشعار والعاطفة، لأن الفكر والمعرفة هما منبع العواطف، فمن زادت معارفه زادت عواطفه كما ينقل في الأثر. فالفكر أساس في تشكيل البنى المعرفية للإنسان وتوجيه سلوكه وتحقيق إيمانه واعتقاده، لذلك يثبت في التصدعات الكبيرة أولئك الذين ترسخت أفكارهم في قلوبهم، وأصبحت إيمانا، تهتز منه الجبال ولا يهتز صاحبه.

فليس كل من يرفع شعارات كربلاء ويتحدث بمبادئها بالضرورة يكون حسينيا في أهدافه وأدواته، لأن حقيقة الإصلاح الذي قدمه الحسين عليه السلام تصدى هو بنفسه للميدان فيه، وقدم فيه عياله وأصحابه وأهله ونفسه، ومن يرفع شعارات الحسين ع، ويجلس خارج الميدان، ويبتعد بعياله وأهله عن الواقع المعاش وعن المشاركة في حركة التغيير خوفا على حيواتهم ومصالحهم، علينا التشكيك في شعاراته ومراداته، لأن المصلح يقدم في سبيل غايته كل ما يملك، لا أنه يستأثر بشيء لنفسه أو لأهله أو لمن يحب بما لا يتوافر عليه الشعب المضطهد.

هذا لا يعني الابتعاد، بل يعني أن أي تصد في الدولة يجب أن يكون جسرا لإحقاق الحق ودفع الباطل ورفع الظلم وتحقيق العدالة، لا أن تصبح السلطة غاية وليست وسيلة ويتحول الإنسان لأداة في تلك السلطة لتمكين الطغاة والظلمة.

وما قام به الحسين ع من رفض مطلق لمبايعة سلطة بمواصفات سلطة يزيد حتى لو بذل في هذا السبيل نفسه وأقرب الناس إليه، يدلل على حجم تضحية كتضحية الإمام، وعلى عظيم جرم كهذا النوع في التعاون وبيعة لسلطة بمواصفات سلطة يزيد، وتداعيات هذا التعاون والبيعة على مبدأ التوحيد وتحقيق العدالة وانتشار الظلم والباطل، وتبديل معالم دين الله باسم الدين. كما أنه يرسم معالم المنهج المطلوب من الإنسان في التعاطي مع الأنظمة التي تشبه في حقيقتها أنظمة بني أمية وغيرهم من الطغاة الذين ساروا على دربهم.

ويوضح حجم التضحيات التي يجب أن يقدمها الإنسان لأجل تحقيق الأهداف العليا، خاصة تلك التي تسعى لتحقيق العدل ورفع الظلم. فالمسألة ليست مجرد شعارات، بل فكر وإدراك ووعي وتضحيات قد تصل لبذل النفس في هذا السبيل، وهذا يشمل المناضلين بأنفسهم وبأقلامهم من النخب والمثقفين، والمناضلين في كل حركة إصلاحية حقيقية تريد أن تواجه الانحراف سواء في الساحات السياسية أو الدينية أو الاجتماعية أو الثقافية، كونها كلها ساحات تتطلب وعيا وإدراكا وفهما ومعارف وتضحيات، فقد يبذل الإنسان حياته لأجل أن ينهض بوعي الأمة، وقد يبذل من سمعته ووجوده ليعيد رشد الأمة، ويكشف من يريد تزييف وعيها.

هذا فضلا عن وظيفة القيادات الدينية في هذا الصدد، وأي شكل يجب أن تكون عليه هذه القيادات وفقا لنموذج الحسين عليه السلام في كربلاء كقيادة ربانية قدمت نموذجا في هذا الصدد.

فالاصلاح الذي نَشَدَهُ الإمام الحسين عليه السلام، قدم لأجله نفسه وأهله وكل ما يملك، لأنه أراد أن يحق الحق ويقيم العدالة ويعيد الحقوق إلى أهلها، وهي من أسمى الغايات التي أرسل الله لأجلها الرسل، وناضل لأجلها الأنبياء، فموقعه من الناس موقع المعطي، الباذل، المتجاوز ذاته ومصالحه نحو الآخرين. فلم يخرج الإمام الحسين ع عن الفضيلة، ولم يمارس العنف والإهاب وبيع القيم والمبادئ واستحخدام طرق غير صالحة بحجة تحقيق العدل وصلاح الغايات.

كما يوصف اليوم بعض الإصلاحيين بأنهم غايتهم تبرر وسيلتهم، إذ أن الغايات عند الحسين ع لم تكن أبدا لتبرر فساد الوسائل، بل على العكس كان صلاح الغايات يفرض وجوده ومنهجه في صلاح الأدوات، لذلك نظافة هذه الثورة الحسينية بأهدافها وأدواتها، هي ما خلدتها رغم تراجيدية المشهد ودمويته، إلا أن هذه الدموية لا تعني الهزيمة بالضرورة، بل تكشف عن أن قابلية المجتمع للحقيقة والحق لم تكن تحضرت وتهيأت كما يجب، وأن مستوى الانحطاط الذي وصت إليه الأمة نتيجة تغييب وعدها ورشدها ونباهتها، دفعها لعدم قبول هذا النموذج النظيف للثورات، بل هكذا نموذج لا يصمد أمام العنف، ولي عنق الحقيقة وتزييفها، واستخدام طرق ملتوية وخداع وكذب وتهديد بالموت، وقتل للأبرياء وهدم للقيم في سبيل تحقيق النصر المادي، لكن مع تقديم نموذج سيء للمجتمع يخضع إراداتهم للطاغوت، ويقدمهم قرابين له ولملذاته وشهواته في السلطة.

بينما نموذج الحسين ع هو نموذج إصلاح وتحرير حقيقي، نموذج يجسد المثل الأعلى في الكمال وطلب الحق والحقيقة.

ومازال إلى يومنا هذا النضال مستمرا والصراع مستمر بين معسكر العدل ومعسكر الظلم، لذلك هذه المناسبة العظيمة تجدد لنا وعينا وإدراكنا وتعيد لنا رسم أولوياتنا، وتبصرنا بالخيارات الأقرب للعدالة وتصحح لنا مساراتنا، والأكثر تحقيقا لهدف عظيم كالإصلاح، وترشدنا إلى القيادات التي مثلت نموذج الإمام الحسين عليه السلام في القيادة، وسعت إلى أن تربط الناس به عليه السلام قولا وسلوكا ومنهجا.

فقط مثل الحسين عليه السلام كنموذج للحركة في المجتمع، ممثلة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بعده الواسع والحقيقي، وليس البعد الذي تم حصره به وتضييقه ليصبح وسيلة للتضييق على حرية الفرد وسلبه حقه في الاختيار وإرداته في التقرير، بل مفهوم واسع لتحقيق العدالة والكرامة الإنسانية، فهي حركة بناء للإنسان الصالح والحياة النظيفة.

"فلقد نظر الإمام الحسين عليه السلام إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كمسألة خارجة عن دائرة العلاقات الفردية، بحيث تمتد إلى الحكم والعلاقات القائمة بين المواطنين، وفي إطار الإطاحة بالحكومة.[1]

فهي للمسلم ولغيره، لأنها تقوم مساره في فهم الحياة وأبعادها على أسس عديدة منها مشترك إنساني ومنها مشترك عقدي ومنها خاص، فالمشترك الإنساني هو القيم الفطرية والمعايير التي تستمد وجودها من الضمير والوجدان الإنساني، والمشترك العقدي هو التوحيد ورفض العبودية لغير الله، والخاص، الخاصة بالمسلم.

فالطابع الثابت في شخصية الحسين عليه السلام، هي علاقته مع الله، وعلاقته مع الناس، وعلاقته مع المجتمع، الطابع الثابت في هذه العلاقة هو الإخلاص لله، وتفانيه في طلب رضاه، وإعراضه عن أي مكسب خاص دنيوي. لذلك كان انبعاثه للتغيير والإصلاح والثورة انبعاثا إلهيا يهدف من خلاله خدمة عباد الله دون تمييز، وإصلاح واقعهم الاجتماعي بل قبله واقعهم الإنساني.

وبذلك أسس الإمام الحسين عليه السلام صلة الإنسان بالإسلام المكافح في سبيل رفع الظلم وتحقيق العدل بين الناس جميعا دون تمييز، لا بالإسلام من خلال مؤسساته الرسمية الحاكمة، والتي تمثلت بارتباطها بمعاوية وبعده بيزيد. وهذا يعني أنه طالما هناك تمثلات للسلطة تشبه تمثلات معاوية ويزيد فيها، فالإنسان عليه أن يرتبط في حراكه بمنهج الحسين عليه السلام، والابتعاد عن الارتباط بسلطة كهذه أو محاباتها، بل عليه أن ينتهج مبدأ المعارضة والعين الناقدة، التي تتخلى عن كل مصالحها لتحقيق العدالة ورفع الظلم، وعندما تتمثل السلطة بما أراده الحسين عليه السلام وتحقق العدالة، فلا ضير بمساندتها ودعمها دعما ناقدا ومصححا لمواطن الخلل، ومؤيدا لمواطن القوة والحقيقة.

أي أن عدم الوصل مع الإسلام المتصل بالسلطة ليس على إطلاقه، بل ذلك الشكل الذي تتمثل فيه نموذج سلطة معاوية ويزيد. وهنا تتمثل لدينا عقلنة الثورة من خلال عدم إطلاق العنان للثورة المطلقة، بل بالنظر للنموذج السياسي الذي تمثله السلطة، فإن كان نموذجا شبيها لمنهج معاوية ويزيد، فإن هذا التطابق في المنهج والأدوات ستكون انعكاساته شبيهة إلى حد كبير لتلك التي حدثت في واقع المجتمع في عهد يزيد، بالتالي لابد هنا من الثورة لمواجهة هذا الفساد، وهذا يتطلب إدراكا واقعيا لمعطيات الزمان والمكان، وللقدرة على قراءة الظروف الاجتماعية والسياسية ومآلات الفساد على الواقع الاجتماعي، وإمكانيات الثورة أو الإصلاح التدريجي، إلا أن الأصل هو ضرورة المواجهة والتغيير، لذلك قد تحقق السلطة العدل وتنتهج مبدأ يحقق كرامة الإنسان فيتصل بها ويتعاون معها النخب تعاونا تكامليا، ولكن في حال انحرفت أو انقلبت فهنا تصبح الثورة والتغيير ضرورة حتمية كخيار واقعي.

فثورة الحسين عليه السلام ذات طابع شمولي، ليست ذات طابع عائلي أو أسري أو طائفي، فالثورة وقعت لتأكيد حقائق غير مرحلية، لا تخص زمانا ومكانا بعينه، فهي جاءت لتؤكد على حقائق خالدة عابرة للزمان والمكان، وعابرة للمذاهب والطوائف، وممتدة في مستقبل الزمان والإنسان، كما هي ذات جذور عميقة في ماضي الإنسان والزمان وحاضرهما.

وهذا لا يعني أبدا أنه تحت ضغط الجور والقهر، فإن خيار الإنسان الوحيد هو الثورة والعنف، والتغيير المفاجئ للعالم، وأنه رغم عظم قوة السلطات فإن الحل الوحيد هو التغيير الثوري العنيف، بل إن الانتقال للثورة يتطلب تشخيصا وآليات دقيقة، حتى لا تتحول الثورة على الجور والظلم إلى وسيلة للجور والظلم، وبدل تغيير الحال للأفضل، يتغير للأسوأ.

فإرادة الثورة السريعة كسرعة النظام، وتصور ارتباط الثورة السريعة بقرب الاكتمال البشري هي مغالطة كبيرة، لأنه لا بد للبشرية من قطع الكثير من المراحل، ولا بد لكثير من العقد أن تحل، فلا كل ظرف سياسي ضاغط هو ظرف يتطلب تغييره الثورة، ولا كل ظرف سياسي ضاغط يحتاج إلى السلمية والمرحلية في التغيير، فالمسألة متعلقة بتشخيص الظروف والمعطيات، وقراءة الواقع والمآلات، ورمزية الثائرين ومدى تأثير ثورتهم في الوجدان الشعبي، وتحقيقها لغاياتها المعنوية قبل المادية، لأنه بدون بعد معنوي وروحي فإن الحال سيتجه بنا نحو التوحش والهيمنة، وهذا ما ميز ثورة الإمام الحسين عليه السلام، وأكسبها ديمومة واستمرارية، في كونها ركزت على المعنى والوجدان رغم عدم تحقق النصر بالمعنى المادي، وركزت على البعد المعنوي والروحي في أبعادها التغييرية بعد إهمالها للجوانب المادية، لكن الغلبة في أبجدياتها كانت للمعنى والبعد الروحي.

فالقضية الحسينية رأس حربة التغيير والإصلاح في تاريخ طويل من النضال المتلاحق في سبيل قضية الإنسان بشكل عام والإنسان المسلم بشكل خاص، وقد كان في كلمات الحسين عليه السلام ما يؤسس لخلود ثورته وتحقيقها للنصر عاجلا أم آجلا، حيث قال حين خروجه من مكة: "أما بعد، فإن من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح".[2] إن الزيارات المذكورة للإمام الحسين ع في الكتب المأثورة والموثوقة تؤكد غالبا على حقيقة مهمة جلية هي: "جعل الثورة الحسينية بما هي ممارسة للإسلام ولمبادئه جزءا نابضا بالحياة في الوجدان، موحيا بشتى المعاني المناسبة له في الحياة اليومية".[3]

فظاهرة الاحتجاجات هي ظاهرة عابرة لمختلف النظم، سواء النظم الديموقراطية في عصرنا الحالي أو غير الديموقراطية، ولكنها عادة ما تؤدي في الأولى إلى تطوير النظام ولفت انتباهه إلى ثغرات ومظالم اجتماعية أو تكريس تهميش اجتماعي لفئات وأقليات غير ملتفت إليها، تهميشا سياسا يؤدي بعد ذلك إلى تحسين أدائه وتجديد أو تطوير نخبته السياسية. أما في الثانية فإنها تكرس، وربما تعمق، أزماته، لأنه عادة ما يعجز عن الاستجابة لمطالب المحتجين السياسية، خاصة مع تراكم الفساد، وغياب قانونية المعارضة لوجود حالة أحادية سياسية تمثلها السلطة، بالتالي ميل الكفة الأمنية على حساب كفة الاستقرار السياسي.

إلا أنه وتحت ضغط الخوف على استمراريته يستجيب لبعض المطالب الاجتماعية عن طريق تغيير في بنية العلاقة بين النظام والمحتجين، ويعمل على التحايل عليها، فهو يلبي جانبا لامتصاص حالة الغضب والشعور بالغبن والظلم، إلا أنه يرفض جوانب كثيرة وخاصة المهمة والمحورية منها في عملية الإصلاح وتحقيق العدالة، بصورة لا تجعله في كل الأحوال قادراً علي الاستفادة منها من أجل تطوير نظامه السياسي وتحقيق مزيد من الانفتاح السياسي، الذي يستطيع من خلاله تحقيق استقرار سياسي على المدى البعيد.

وهناك أنظمة ما زالت موجودة تواجه شبيهة بنظام الحكم الأموي، تواجه أي حراك احتجاجي سلمي بنفس طريقة مواجهة الدولة الأموية للمعارضين، من خلال السجن والقتل، والتهجير، والملاحقات الأمنية، بل يصل الأمر إلى ملاحقة المعارضين في خارج الدولة وقتلهم أو استدراجهم لداخل حدودها لسجنهم أو إعدامهم أو اختفائهم القصري. مع وجود تغاضي دولي عن هذا النوع من الدول، لتشابك المصالح معها، خاصة الاقتصادية والعسكرية منها.

وثورة كثورة الإمام الحسين ع لم تكن في طابعها ذات بعد مذهبي أو ذات طابع خاص بقيادتها أو عقيدتها أو حتى مناخها السياسي، لأن العنوان كان الإصلاح، ورفض بيعة يزيد الفاسق، وتحقيق العدالة والعمل بالحق، وهذه عناوين كبرى على المستوى الإنساني تعتبر مشتركات بشرية خارج إيديولوجية.

وقد كانت تجارب الثورات في الوطن العربي والاحتجاجات متنوعة سياسيا، إلا أن كثير منها لم يحقق مطالبه، بل انحرفت الثورة إلى الفوضى. واختلفت هذه الحراكات باختلاف أسبابها وأهدافها وأدواتها، إلا أنها اتفقت أنها تعبر عن حالة رفض شعبي لعدم تحقق العدالة، ولتفشي الفساد، وظهور حالة السخط الاجتماعي الذي تراكم وأدى في نهاية المطاف إلى الانفجار، وهو ما يوضح أن الثورة تأتي في سياقها الطبيعي في ظل أنظمة فاسدة، وغياب للعدالة، وتفشي الفقر والجهل، ومع التقادم يؤدي هذا الوضع السياسي المضطرب الذي يتمحور حول شخص الحاكم ورغباته، إلى احتجاجات وثورات قد ينجح بعضها ويفشل الآخر، إلا أنها كلها تعبر عن حالة السخط والرفض ومحاولات التغيير والإصلاح.

فالاحتجاجات والثورات التي حدثت في الوطن العربي منذ عام ٢٠١٠م تنقسم إلى عدة أنماط:

- احتجاجات وثورات ذات طابع سياسي؛

- احتجاجات وثورات ذات طابع حقوقي لا ينتمي فيها المحتجون إلى أي تيار، ليبرالي أو إسلامي أو يساري؛

- احتجاجات اجتماعية على السياسات العامة للحكومة، كان يحمل في الغالب الأعم مرجعية سياسية ليبرالية أو إسلامية.[4]

فالثورات العربية نجحت من زوايا وفشلت من زوايا أخرى، لقد نجحت وتميزت بتجاوزها للأطر التقليدية للأحزاب الساسية، حيث تحررت من حسابات وتحرزات الأحزاب الخاضعة لمعطيات تتداخل فيها لمصلحة الحزبية، مع تغاير الأفهام في قراءة هذه المعطيات والواقع السياسي، ومن المعلوم أن أغلبية هذه الأحزاب لم تكن صاحبة المبادرة إلي التجمع أو التظاهر، بل كثير منها التحق بالشباب الذي استخدموا مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات الالكترونية للتواصل بين بعضهم البعض.

ويعود سلوك الأحزاب هذا إلى عدة أسباب، أهمها أن السلطات عبر التاريخ، وبعد ثورة الإمام الحسين ع، وخاصة في منطقتنا التي حكمتها عدة مراحل تطور فيها العمل السياسي والنظام السياسي:

مرحلة سميت بالخلافة، بدأت من عهد معاوية، لكنها في الواقع ليست خلافة بل ملك عضود، يتم توارث الحكم فيها ضمن العائلة الواحدة، يحكمها شخص، تكون كل مؤسسات الدولة تحت سيطرته.

مرحلة الاستعمار، بعد سقوط الخلافة العثمانية

مرحلة ما بعد الاستعمار، وما انبثقت عنها من نظم سياسية وضع أغلبها الاستعمار، كنظم مستقلة في ظاهرها، لكنها في الواقع تابعة له، وهذه النظم مازالت مستمرة إلى الآن، حتى مع عمل بعض التطويرات الشكلية السياسية، من خلال وضع دساتير، أو وجود برلمانات.

فمرحلة الاستعمار كانت تتميز بالاحتجاجات الثورية العسكرية، التي تمثلت بمفهوم مقاومة الاستعمار، وطرده كمحتل أجنبي للأرض.

ومرحلة ما بعد الاستعمار، مرت بمراحل أهمها:

تمكين السلطة؛

مواجهة الاحتجاجات المطلبية بالترهيب والترغيب؛

تدجين المعارضة.

ويشكل البرلمان في هذه الدول وسيلة لتكريس نفوذ السلطة من جهة ولتدجين المعارضة من جهة أخرى، وتحويل مسار مطالب المعارضة  من تحقيق العدالة الاجتماعية ومواجهة الفساد والدفع باتجاه التنمية على مستوى الوطن، إلى مشروع  يعتمد على  مفهوم كمي يتمثل في عدد الأصوات في صندوق الاقتراع في الانتخابات البرلمانية، التي شاركت فيها أغلب المعارضات وتم تدجينها، وهي التي كانت سابقا، تقود احتجاجات شعبية معارضة ومطالبة بعمل إصلاحات جوهرية في النظام، وتطالب بحق الشعب في المشاركة في القرار، وفي ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية، والعدالة في توزيع الثروات، إلى تحقيق مكاسب ضيقة على مستوى الطائفة أو الحزب أو خلافه، والاندماج في العملية السياسية التي يشوبها كثير من الفساد، لتصبح مع التقادم جزء من هذا الفساد، سواء ادركت ذلك وأرادته، أو لم تدركه ولم تلتفت إليه، فعدم الالتفات يدلل على سوء التخطيط وقصر الفهم، وعدم وجود إدراك استراتيجي، وقصور في الرؤية السياسية وآليات العمل السياسي والتخطيط.

لقد اعتمدت ثورة الإمام الحسين ع على مخزونها الداخلي وعلى هويتها الخاصة، ولم تلجأ إلى أنصاف الحلول، أو تنازلات في أمور قد تبدو للوهلة الأولى أنها أمور فرعية في المطالب، لكن حقيقتها أنها جوهرية مجرد التنازل عنها هو تنازل عن الجوهر، فقد رفض الحسين ع بيعة يزيد كليا، لأن مثله الذي يمثل طريق الحق والعدالة، لا يمكن أن يلتقي مع مثل يزيد الذي يمثل سلطة الجور والظلم وسلب الحقوق، حتى لو كان هناك ممارسات إرهابية عنفية من سلطة يزيد وتهديد مباشر لحياة الحسين ع ووجوده بشكل كامل، لأن الحق لا يعرف أنصاف الحلول.

فالاستحواذ الحركي في مواجهة الفساد، هو فساد بذاته، يمكنك أن تميز حراكك في مواجهة الفساد عن الآخرين لاختلاف الأهداف والآليات، لكن لا يمكنك أن تستحوذ على الحراك، بحجة الاصلاح، وتستحوذ على الحق بأنك الأحق به، كما لا يمكن لمصلح حقيقي يثور على الوضع الفاسد، أن يبرر هتك كرامات وانتقاص حقوق خصومه المتورطين في الفساد، فالبينة على من ادعى، ولهم الحق في محاكمات عادلة حتى في لحظات الثورة، فمن الفساد الظلم، بل هو أشد أنواع الفساد، ولا يمكن للعدالة أن تتحقق بفساد الأدوات والطرق.

ولا يمكن لمصلح حقيقي ثائر يطلب تغيير الوضع الفاسد، بأن يرتكب جرائم قتل عشوائية بمن كانوا في النظام الفاسد، بحجة تثبيت دعائم الثورة، ولا يمكن التوسل بالفوضى واستخدام سذاجة الناس وعفويتهم، أو استغلال جوعهم وفقرهم في مواجهة الفساد القائم، واستعمالهم كوقود للمواجهة والمعركة ضد الفساد والاستبداد، وتعريضهم للقتل أو السجن دون أن يدركوا تبعات مشاركتهم وخياراتهم لذلك، ودون أن تبذل جهدا في شرح الواقع لهم وتبعات الحراك، وحجم التضحيات المطلوبة، حتى يكون لهم حرية وإرادة الاختيار. كما فعل الحسين عليه السلام مع أصحابه في ليلة عاشوراء ووضح له ما هم مقبلين عليه، وأباح لهم الذهاب، ليكون خيارهم خيار حقيقي عن وعي وبصيرة وإدراك، وإرادة جدية نبيهة واختيار حر غير متردد.

لذلك الثورات النظيفة لم تبق غالبا وتنتصر بالمفهوم المادي للانتصار، وإن حققت نصرا استراتيجيا من خلال تثبيت منظومة القيم والمعايير لتصبح مرجعية معيارية من جهة، ومنهج يشكل نموذجا من جهة أخرى.

على سبيل المثال الثورة الفرنسية مرت بمراحل عديدة، لكنها تسلقت على جثث أبرياء، وتعرضت كثير من معالم باريس للسرقة والتلف، بل بعض الثوار القياديين تورطوا أيضا بالفساد، بل ينقل التاريخ اعدام قيادات الثورة لبعضهم البعض تحت شعار الفضيلة والارهاب، فكان ينقل عن ماكسيميليان روبسبيير أحد منظري الثورة وهو محام وقانوني ورجل دولة وكان أحد أشهر الشخصيات تأثيرا في الثورة الفرنسية بصفته عضوا في الجمعية الوطنية ونادي اليعاقبة، واتهم بمحاولته لتأسيس حكم ثلاثي أو ديكتاتورية جديدة، وقد لعب دورا وذاع صيته في عهد الإرهاب، الذي أشرف خلاله على اعتقال وإعدام عدد كبير من الخصوم السياسيين، وتشير التقديرات إلي أن ما يقارب ١٧٠٠٠ شخص حكم عليهم بالإعدام في عهد الإرهاب دون محاكمات عادلة، أو بتلفيق تهم كموالاة الملكية، أو عداوة الثورة وتقويض قيمها،حيث بقي موضوع مدي ملائمة من الإجراءات العادلة قبل إعدامهم مسألة مثيرة للجدل.

وكذلك تبقى شخصية روبسبيير شخصية مثيرة للجدل بين من يراه رمزا لعهد الإرهاب وممارسته، وبين من يراه المنظر الأبرز للثورة الذي جسد التجربة الديموقراطية الأولى للبلاد.

ولكن هوس ماكسيميليان بتصور جمهورية مثالية ولا مبالاته إزاء التكلفة البشرية لإقامتها سبب تشويه سمعته، فلا دخان دون نار، وقد كان ينقل عنه: أن الفضيلة بدون ارهاب ضعف، والارهاب بدون فضيلة ديكتاتورية، وقد أعدم في نهاية المطاف روبسبيير على نفس مقصلة الإعدام التي أعدم عليها رفاقه في الثورة، بتهم إما ملفقة، أو دون دليل.

هذا فضلا عن حجم الضحايا الكبير من عموم الناس الفقراء والجوعي الذين سقطوا في معارك الثورة دون وعي منهم للتبعات. لكنها نجحت في النهاية من التخلص من الحكم الملكي، الذي اعتبر طاغوتيا، لكن وفق معايير نجاح الثورات وقيامة دول حقيقية، هل فعلا فرنسا تخلصت من الديكتاتورية؟ وهل فعلا تحققت العدالة؟

إن حركات التغيير والاصلاح لا يمكن أن تنجح وفق معايير النجاح الحقيقية، إلا إذا تأسست على قاعدة ومنظومة ثابته من المعايير والمبادئ القيمية والأخلاقية، وجعلت مقاصدها العليا: حرية، عدالة، كرامة.

فالحرية لا يمكنها أن تحقق العدالة إلا إذا انضبطت هي بميزان العدالة، وتحرر الناس من كل أنواع العبوديات وأهمها عبودية الذات والشهوات، والعدالة لا تتحقق إلا إذا حققت الكرامة للجميع.

أما المساواة فهي فرع من فروع العدالة المنضبطة بها، لأن ليس كل مساواة تحقق العدالة، بل تكون في أحيانا كثيرة، هي الظلم بعينه.

طبعا لا أريد عمل اسقاطات تاريخية، لكن هناك عناوين كبرى في عملية الإصلاح لا تتصل بزمان بذاته ومكان بعينه، ويمكن الاستفادة منها والبناء عليها. صحيح أن الإمام الحسين ع تحرك بعد مطالبة عدد كبير له بالتحرك، وهو ما أكسبه نقطة قوة وهي الحراك الاجتماعي ومقبولية جمهور واسع لحراكه الاصلاحي ومواجهة سلطة يزيد، ولكن الإمام الحسين ع حتى بعد تراجع هذا الحراك، وانعدام المقبولية من أغلب الذين ناصروه، ومحاولته تصحيح الأمور، لكن مع الحفاظ على المطلب الرئيسي والمحوري وهو رفض بيعته ليزيد، ورفض وجود يزيد في السلطة، وعندما بات بين خيار البيعة أو الموت، اختار الموت كخيار مبدئي رشيد، وهو خيار يعتبر من خيارات الإصلاح الكبرى التي يلجأ إليها المصلح في حال انعدمت الخيارات المتاحة عنده، وفي حال بات الإصلاح يتطلب تضحية بحجم تضحية الإمام الحسين، لكنها تضحية تبقى حية في وعي الجماهير عبر التاريخ، تعيد لهم نباهتهم كلما غيبها الظلم، وتعيد لهم وعيهم كلما شوهته السلطات.

فهناك خلل في السلطة يمكن التعايش معه لمدة محددة ومن ثم إصلاحه، وفي هكذا حالة يمكن المشاركة السياسية بحد أدنى تمكن المصلحين من إصلاح الخلل وإن بشكل تدريجي، لكن هناك خلل جوهري مع سلطات بنيتها العميقة معطوبة بنيويا وفكريا وسياسيا، وهكذا سلطة في حال ظهور أي خلل سياسي فيها، ووجود سلوك ظالم ومنهج سلطوي غير عادل، فإن إصلاح الظواهر لا يمكن أن يحقق العدالة، ولا يعيد الحقوق، بل غالبا هي تلجأ لمحاولات تدجين للمعارضين مختلفة، منها عمل برلمانات شكلية، تمتص من خلالها مناهضة المعارضة لها، وتحقق لها مطالب شكلية لا تمس حقيقة الإصلاح، ولا تعالج الاختلالات البنيوية العميقة في جسد الدولة. بل غالبا ما تورط المعارضة في نظام السلطة ومؤسساتها العميقة المتورطة بفساد بنيوي، فتضطر المعارضة لاستخدام البنية والآليات الفاسدة لتمرر مصالح الناس، أو حتى مصالحها السياسية فتصبح جزء من منظومة الفساد، وهي تعتقد أنها تحاول الإصلاح. إلا أن الإصلاح لا يقبل لا بالأدوات الفاسدة ولا بأنصاف الحلول.

وحال كهذا من وجهة نظري لا ينفع معها المساكنة السياسية، بل يحتاج إلى معارضة مستمرة يواكبها حركة إحياء لنباهة المجتمع، وترشيد لوعيه وإيقاظه، وتوضيح حجم الخلل في السلطة، وحجم الفساد وانعدام العدالة، حتى يصبح المجتمع شريكا في عملية الإصلاح، وتتشكل جبهة من النخب والمجتمع تمثل ورقة ضغط تجبر السلطة في تحقيق الإصلاحات المطلوبة، وإعادة بناء الدولة وفق أسس تصحح الخلل البنيوي العميق في تركيبتها.

وتأتي أهمية عملية الإحياء المستديمة لقضية كربلاء، أنها تدفع باتجاه إحياء الذاكرة، التي يتم محاولة تدجينها أو طمس معالمها، أو تغييبها، أو تخديرها، وهذا الإحياء مثله في هذه الحقبة، التزايد المطرد في الاهتمام بالحركات الاجتماعية، الذي يجسد تطورا إيجابيا ونضجا في اختيارات الناس لطرق مؤثرة في مواجهة مشكلاتهم، والعمل على إيجاد حلول مستدامة لها.

وقد لاحظت في الآونة الأخيرة في عام ٢٠٢٠م، ورغم محاولات مذهبة الحراك الحسيني، إلا أن هناك قيادات من التيارات الإسلامية من السنة، بل وحتى من التيارات الليبرالية والشيوعية في يوم ذكرى استشهاد الإمام الحسين ع في العاشر من محرم، صدرت بيانات تعزية في الإمام الحسين ع خاصة في الخليج، واعتبرته ملهما لها في مواجهة الفساد والاستبداد، وفي استلهام قيم الحرية والكرامة والعزة من كربلائه، ويمكن مراجعة العديد منها في الآونة الأخيرة، دون ذكر أسماء بذاتها.

واختيارات كثير من الشعوب في مواجهة إشكالياتها لا تذهب بالمطلق هباء، وإن فشلت في بعض مطالبها، لكن هذه الخيارات لا شك أنها تأتي على خلفية إدراك ما حققته هذه المناهج الاحتجاجية من نجاح، في مجتمعات أخرى ناضلت وبذلت التضحيات للوصول إلى وضع أفضل من التمتع بحقوقها وحرياتها، وامتلاك ما يمكنّها من صون الحقوق والحريات.

فقد مرت مجتمعات كثيرة خارج المنطقة العربية بتجارب ومحن شديدة تشبه ما تعيشه شعوبنا من مأزق سياسي واجتماعي واقتصادي، لا سيما في ظل استمرار الاستحواذ على الموارد والسلطة من قبل مجموعة صغيرة من أصحاب المصالح الذين يقبضون على الثروة بيد، وأدوات القمع باليد الأخرى[5].

ومثال على ذلك الثورة الإيرانية التي وقعت في عام ١٩٧٩م التي قادها نخب وعلى رأسهم رجل الدين السيد روح الله الخميني الموسوي، وفئات مختلفة من الناس، اعتمدت على ثقافة كربلاء في ثورتها، وحولت إيران من نظام ملكي، تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي (١٩١٩م – ١٩٨٠م) الذي كان مدعوما من الولايات المتحدة الأمريكية، واستبدلته في نهاية المطاف، بالجمهورية الإسلامية ضمن عدة استفتاءات شعبية أظهرت وفق دراسات عديدة دور الشعب في تحقيق مصيره، وبدعم من العديد من المنظمات اليسارية والإسلامية والحركات الطلابية الإيرانية، بغض النظر عن النقود التي قدمت على هذه الثورة، ولكنها ثورة حدثت في راهننا المعاش واستمدت مقوماتها من الإمام الحسين ع، ومن تجارب بشرية معاصرة، فمازجت بين ثقافة الثورة الحسينية في قيمها وكلياتها كالحرية والعدالة والعزة والكرامة ورفض العبودية والقهر وطلب الاستقلال، واستفادت من تجارب الغرب في بناء نظام سياسي يكون الشعب شريك محوري فيه. وكان الشاه معروفا ببذخه وحرمان كثير من القري من أبسط مقومات الحياة، فضلا عن جهاز الشاباك الأمني الذي كان معروفا بالقمع واعتقال المعارضين وإبعادهم أو إعدامهم.

إضافة إلى ثورات أوروبا الشرقية – مع وجود أيادي خارجية عبثت بهذه الثورات، لكن هذا العبث كان نتيجة الضعف الداخلي للسلطة وممارستها لكل أشكال القمع، مما دفع الشعوب للثورة - التي أدت لسقوط ديكتاتوريات والتي وقعت أغلبها عام ١٩٨٩م، والتي أدت إلى سقوط الشيوعية، وأبرزها الثورة في رومانيا التي أطاحت بالديكتاتور الروماني نيكولاي تشاوشيسكو (١٩١٨م – ١٩٨٩م) وانتهت بإعدامه هو وزوجته إلينا تشاوشيسكو(١٩١٦م – ١٩٨٩م)، حيث كان يحكم رومانيا من خلال الشرطة السرية الرومانية التي تحكمت في كل شيء في رومانيا، وكانت إحدي أكبر أجهزة الشرطة السرية في الكتلة الشرقية وأكثرها عنفا، وكانت تمثل جهاز القمع الرئيسي على مدار عقود في جمهورية رومانيا الاشتراكية.

وهذه الثورات أظهرت لشعوب المنطقة العربية شعور عام بالتهميش والافقار وانتشار وبائي للفساد، وغياب مريع للقيم والمشاريع الفكرية، وتخلي الدولة عن أدوارها الأساسية، إلا من مشاهد القمع والهيمنة. هذه الخلفية المؤهلة لإدراك الناس ضرورة العمل معا، والاقتداء بتجارب مفيدة حسمت فيها الحراكات الاجتماعية الأوضاع لصالح الشعوب ولصالح الحقوق والحريات، وامتلاك القدرة على مقاومة المدّ الاستعماري بأشكاله المختلفة، وغير ذلك من إنجازات في كافة أنحاء العالم حققتها الحركات الاحتجاجية، مما دفع البعض إلى وصف هذا الشكل من العمل الجماعي ب " القوة العظمى الأخرى في العالم".[6] ويوضح هذا العرض، أن الاحتجاج والرفض والثورة هي وسائل مهمة وناجعة عبر التاريخ في مواجهة الانحراف السياسي والاجتماعي والاقتصادي من السلطة، وضرورة ممارسة النقد والتقويم حتى لو تطلب ذلك أقصى درجات البذل وهي التضحية بالنفس. ولكن كيف يمكن التمييز بين الحركة الاحتجاجية أو الثورة وبين الفوضى؟

يرى هربرت بلامر (Herbert Blumer) – (١٩٠٠م – ١٩٨٧م) أن الحركات الاحتجاجية هي ذلك الجهد الجماعي الرامي إلى تغيير طابع العلاقات الاجتماعية المستقرّة في مجتمع معين[7]

هناك عناصر أساسية أجمع عليها الباحثون لابد من توافرها في الحركة الاحتجاجية، حتى تستحق هذا المسمى هي:

جهود منظمة، ومجموعة من المشاركين، وأهداف، وسياسات، وأوضاع، وتغيير، ومكونات فكرية محركة، ووسائل تعبئة. فالحركات الاجتماعية " هي تلك الجهود المنظمة التي تبذلها مجموعة من المواطنين بهدف تغيير الأوضاع، أو السياسات، أو الهياكل القائمة لتكون أكثر اقترابا من القيم التي تؤمن بها الحركة[8].ونجد نفس العناصر في التعريف التالي: " يمكن الإشارة إلى الحركة بالمعنى الاجتماعي، باعتبارها قياما بعدد من الأنشطة للدفاع عن مبدأ ما، أو الوصول إلى هدف ما؛ كما تتضمن الحركة الاجتماعية وجود اتجاه عام للتغيير، وهي تشمل أيضا مجموعات من البشر يحملون عقيدة أو أفكاراً مشتركة، ويحاولون تحقيق بعض الأهداف العامة. كما يشير البعض إلى أن الحركة الاجتماعية تتكون من مجموعة من الناس ينخرطون في أنشطة محددة، ويستعملون خطابا يستهدف تغيير المجتمع، وتحدي سلطة النظام السياسي القائم. كما يقترن مفهوم الحركة الاجتماعية بمفهوم القوة الاجتماعية، والقدرة على التأثر وإحداث التغيير"[9]

وقد تجلى ذلك في حراك الامام الحسين عليه السلام التي بدأت كحركة احتجاجية وإن مثلها الحسين ع كفرد، لكن كان واقع النخب وكبار الصحابة في المدينة رافضا بشكل جلي لبيعة يزيد، وهذا الرفض انعكس باستباحة يزيد للمدينة ثلاثة أيام، وهو ما يعكس حجم الرفض الذي كان باديا لحكومة الشام، وفي مكة حاول الإمام الحسين ع الحديث مع الناس لتوضيح معالم حركته، وأسبابها، ويوضح أيضا الأهداف، هذا فضلا عن إعلانه وبشكل تام عن اختلاف حراكه عن حراك عبد الله بن الزبير، والذي طلب منه مرارا الانضمام إليه، إلا أن الحسين ع رفض ذلك ووضح خطوط الاختلاف العريضة بين مطالبه ع وأهدافه ومطالب بن الزبير وأهدافه، حتى يميز حراكه بوضوح، فكثرة المحتجين والمعارضين لا تعني بالضرورة هذه الكثرة أن الأهداف واحدة، والآليات كلها صالحة، ولا تعني بالضرورة وجود مشروع سياسي واضح عند كل المحتجين.

لذلك ميز الإمام الحسين عليه السلام حراكه عن ابن الزبير، أي أن الحسين عليه السلام على عكس ما كان يشير البعض أنه خرج وليس لديه مشروعا سياسيا، بل الحسين عليه السلام كان لديه مشروعا سياسيا واضحا منذ رحيل أخيه الحسن ع، فهو مدرك تماما لسياسات حكومة الشام، ومدرك تماما لمشاريع الشخصيات المعارضة من كبار الصحابة، ومدركا لتوجهات كثير منهم وطريقتهم السياسية في التعاطي مع يزيد.

ويذكر تاريخ ابن مخنف ما دار بين الإمام الحسين ع وابن الزبير في مكة[10]: .. قال بن الزبير:إليّ يابن فاطمة؛ فأصغى إليه، فسارّه (همس في أذنه)، ثم التفت إلينا الحسين ع فقال: أتدرون ما يقول الزبير؟ فقلنا: لا ندري جعلنا فداك! فقال: قال أقم في هذا المسجد أجمع لك الناس. ثم قال الحسين ع: والله لئن أقتل خارجا منها بشبر أحب إليّ من أن أقتل داخلا منها بشبر! وأيم الله لو كنت في جُحر هامّة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا فيَّ حاجتهم، والله لَيَعْتَدُنَّ عليَّ كما اعتدت اليهود في السبت.

ورغم أن الزبير كان حريصا على أن يجعل طلبه سرّا مع الحسين ع، أمام الناس في الكعبة، إلا أن الحسين ع أصر أن يتكلم في العلانية ما حدثه به ابن الزبير ليؤكد اختلاف الأهداف والحراك بينه وبين ابن الزبير ، فيكفي أن الزبير يريد أن يتحرك في مكة ويعرض حرمتها للخطر، بينما الحسين ع رفض أن يعلن عن أي حركة احتجاجية في مكة حفاظا على حرمتها، ، بل هذا الحوار يوضح مدى وضوح المشروع السياسي لدى أبا عبد الله ع، وأن القوم إما يجبروه على بيعة يزيد وإذلاله، وإعطائه الشرعية ليزيد الفاسق كحاكم شرعي على المسلمين، وهو ما يستحيل لشخصية بحجم الحسين ع فعله، أو يقتل، وهو ما كان واضحا للحسين ع أنه ذاهب إليه، لأنه لم ولن يبايع ويعطي شرعية لرجل كيزيد.

وقد يكون ما نقل عنه في هذا الصدد يبين مدى وضوح الأسباب والأهداف حيث قال: "اللهم إنك تعلم إن ما كان منا لم يكن منافسة في سلطان ولا التماسا لفضول شيء من الحطام، ولكن لنري المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك، فإنكم إلا تنصرونا ولم تنصفونا قوي الظلمة عليكم، وعملوا في إطفاء نور نبيكم، وحسبنا الله وعليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير.

فالسلطة ليست هدفا بل وسيلة، يريد من خلالها أن يعيد معالم الدين، ويصلح الانحرافات الخطيرة في النظام السياسي، ويحقق الأمن للمظلومين نتيجة شياع ثقافة الخوف والترهيب للمعارضين والمظلومين، ويعيد العمل بالفرائض والسنن والأحكام التي غيبتها حكومة الشام، ويوضح لهم أن عدم دعم مساره الإصلاحي نتائجه وخيمة، وأهمها تقويض مشروع النبوة خاصة فيما يتعلق بالعدالة، وتقوية الظالم وحكمه ومساره السياسي الظالم، الذي لن يحقق العدالة أبدا.

فالاستهداف ليس فقط لرأس السلطة، لأن تغيير الرأس لا يعني بالضرورة تغيير النظام الذي تسير عليه مؤسسات الدولة، بل الاستهداف هو لرأس السلطة ولنظام مؤسساتها والبنية الداخلية التي تعمل وفقها، إذا هو تغيير يشمل قاعدتها وبنيتها ورأسها. بينما ما حدث في ثورات الربيع العربي، وما نجحت به هو إسقاط رأس السلطة، دون أن تنجح في تغيير النظام الذي تعمل من خلاله مؤسسات الدولة، سياسية كانت أو اقتصادية أو أمنية.

ويشير تشارلز تيلي (١٩٢٩م – ٢٠٠٨م) أن الحركات الاحتجاجية تعمل من خلال التنوع الواسع وضبط التركيبة الداخلية، وتتيح لخلق مناخ يتيح المجال لتآلف ثلاثة عناصر وظيفية:

الحملة ((campaign: مجهود عام مستدام ومنظم يملي مطالب جماعية على سلطات مستهدفة؛

ذخيرة الحركة الاجتماعية (social Movement Reportooire): عبارة عن توظيف لتوليفات ممكنة من بين أشكال العمل السياسي (خلق جمعيات وتحالفات ذات أهداف خاصة، ولقاءات عامة، ومواكب مهيبة، واعتصامات، ومسيرات، ومظاهرات، وحملات مناشدة، وبيانات في الاعلام العام، ومطويات أو كراسات سياسية). ويعتبر تشارلز تيلي أن مفهوم ال " Reportooire" يقصد به: " مجموعة الأعمال الروتينية التي يتجمع بواسطتها الناس للعمل على مصالحهم المشتركة. وهذا المفهوم يدعونا - كما يقول تيلي – إلى البحث في نماذج من الإملاء الجماعي للمطالب، وانتظام طرق تجميع الناس وترابطهم معاً لرفع مطالبهم عبر الزمان والمكان".[11]

مؤهلات التحرك: تمثيل المشاركين لجملة من الصفات العامة الموحدة هي: الجدارة، والوحدة، والزخم العددي، والالتزام تجاه أنفسهم أو تجاه قاعدتهم الشعبية"[12].

وقد قاد الإمام الحسين عليه حملته ضد مبايعة يزيد من خلال مساره الذي بدأ من المدينة، وخروجه كحركة سياسية احتجاجية رافضة للبيعة، ثم مواقفه في مكة، وخروجه منها حفاظا على حرمتها بعد أن وضح معالم حراكه، ووصلت إليه رسائل أهل الكوفة متوالية تطالبه بالمجيء، وخلال رحلته من مكة إلي كربلاء كانت لديه محطات استراحة، كانت بمثابة توضيح لأهدافه ومعالم مشروعه وحراكه، وكان في الطريق نتيجة خطاباته السياسية يلتحق به الناس تباعا، إلا أن النواة التي شكلها الإمام الحسين عليه السلام في حراكه والذين انضموا إليه بشكل تدريجي وبقوا معه حتى استشهد، كانوا من أجدر الشخصيات وأكفأها تقى وورعا وخبروية، ومنهم كان كبار الصحابة الذين خاضوا مع نبي الله محمد ص معاركه وتجربته النبوية والسياسية.

وقد توحدت هده النخبة حول الأهداف التي أعلنها الإمام الحسين ع، إلا أن قوتها كانت تكمن في نوعها وليس في كمها، لأن الثقافة القرآنية تعتمد النوع لا الكم، وكانوا من أشد الناس التزاما لعهودهم، ودليل التزامهم أنهم ضحوا بأنفسهم لأجل الأهداف السامية، وهي رفض الذلة برفض البيعة، وأعلان يزيد حاكم مغتصب، يجب مواجهته حتى الموت، وقد صدقوا وواجهوا ورفضوا حتى استشهدوا، ومن بعد استشهادهم تواصلت الثورات ضد يزيد، فلم يستقر له حكم حتى مات ميتة غامضة لم يعرف له قبرا حتى الآن، وانتقلت الخلافة من آل أبي سفيان إلى آل مروان، ولم تدم الدولة الأموية أكثر من قرن، وانتهت دولتهم وفق المقولة الشهيرة: "سقطت الدولة ببولة".

وبالوقوف على الاحتجاجات الشعبية والثورات التي حدثت في أواخر عام ٢٠١٠م، ما يمكن ملاحظته على المستوى الاجتماعي أن القوى التي قررت النزول إلي الشارع وتحدي السلطة وأجهزتها الأمنية لم تكن الأحزاب والرموز والقيادات التقليدية التاريخية، بل هذه القوى والقيادات التحقت فيما بعد بالحركات الاحتجاجية والثورات، وساهم بعضها في إنجاح الثورة، ونزلت بقوة إلى جانب المتظاهرين، لكن من وجه الدعوة إلي النزول إلي الشارع هي مجموعات غير معروفة. وليس لها قيادة واضحة، ف "البوعزيزي" الذي أحرق نفسه في تونس شكل الشرارة التي أشعلت نيران الثورة فيها وانتقلت العدوي لجوارها الجغرافي في مصر، بل بعد ذلك باتت شعلة الثورة تنتقل من جمهور إلي جمهور ومن جغرافيا إلى أخرى.

فالشباب الذي بادر إلى الاحتجاج الذي تحول إلى ثورة فيما بعد في الدول العربية، هو جيل متعلم ومثقف، يتقن أكثر من لغة، ويعرف التواصل مع العالم فهو جيل الحداثة والتكنولوجيا التي مكنته من الاطلاع على التجارب البشرية السياسية في الغرب، وهو جيل لم يشهد الهزائم العربية التي كسرت نفوس الجيل الذي سبقه من السياسيين ومن المثقفين. بل على العكس لقد شهد هذا الجيل " زمن التراجع الأمريكي في العراق، والفشل في أفغانستان، وزمن هزيمة الصهاينة في لبنان، وصمود المقاومة في غزة، لكن من جهة ثانية عاش هذا الجيل تحت وطأة استبداد وفساد فاحشين، لا يمكن مقارنتهما بما تعرف إليه من خلال تواصله المباشر أو التكنولوجي مع العالم وخصوصا الغرب، ومع البطالة التي بلغت في أوساط المتعلمين والجانعيين أكثر من ٥٠٪.. ومع شيوع استخدام تقنية التواصل اليومي والالكتروني، قام هؤلاء الشباب بما يملكون من حماسة وإرادة لم يشوبها ثقافة الانهزام الأخلاقي والنفسي كثيرا، قاموا بتقليد النموذج الغربي في الاحتجاج من خلال تشكيل مجموعات عبر الانترنت والفيسبوك. من دون أن يتوقعوا أن يتحول الأمر إلى ثورة. وفي الواقع لو لم تلتحق "القوى التقليدية" بذلك الاحتجاج، لما تحول الأمر إلى "ثورة"، شجعت باقي فئات المجتمع على الالتحاق بها والانخراط.[13]

استطاعت بعض هذه الحراكات وخاصة في مصر وتونس وليبيا، إلى إسقاط رموز الحكم ورأس السلطة، لكنها لم تستهدف نظام الدولة العام الذي تعمل وفقه المؤسسات، ولأن هذه الحراكات اعتبرت تهديدا استراتيجيا لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، والتي كانت تعاني من ضعف هيمنتها على المنطقة، نتيجة هزائمها المتكررة، فإنها حرصت واشنطن بالعمل على استراتيجيتين:

الأولى: منع الإسلاميين من الاقتراب من النظام أو السيطرة عليه، لأنها لا تريد أن تشهد تجربة إيران ثانية في المنطقة، والتي خرجت عن الطاعة الأمريكية، ودعمت مسار المقاومة في المنطقة ضد الاحتلال الصهيوني والتواجد الأمريكي المحتل في كل من أفغانستان والعراق. وخاصة مصر التي لها حدود جغرافية مع فلسطين المحلتة، ووجود نظام إسلامي في مصر يعني بالضرورة مع الأيام الخروج من اتفاقية السلام الصهيونية، والسماح للمقاومة الفلسطينية باستخدام الإراضي المصرية لتقوية وجودها المادي والعسكري.

والثانية: الاقتراب من الإسلاميين والتفاوض معهم، وهو لرغبة بعض مراكز القرار في أمريكا ومنها برنارد لويس (١٩١٦م – ١٠١٨م)، لاستنساخ تجربة تركيا في البلاد العربية، بحيث يحكم الإسلاميون بقبولهم المسار الديموقراطي ونبذ العنف وفق تفسير أمريكي له، والتعاون مع الغرب من دون أي مواجهة مع الصهاينة.

وبذلك شهدنا نجاح للثورات في إسقاط أشخاص حكام، لكن ونتيجة عوامل داخلية والتفاف خارجي، لم تحقق كل الثورات هدف التغيير والإصلاح الذي ثارت لأجله، كما حدث في كل من مصر، وليبيا، والبحرين.

أن ما جرى قد لا يكون "ثورة"، بالمعني المتعارف عليه للثورات التي حصلت عبر التاريخ ومنها ثورة الإمام الحسين ع قديما أو الثورات الحديثة، لأن الثورة تعني تغييرا كما أسلفنا تغييرا جذريا للنظام، أي أن يقوم نظام جديد مكان النظام القديم. وقد يكون سبب ذلك قيم القوة المنظمة والموحدة وغياب القوة الإيديولوجية التي تحمل برنامجا واضحا للتغيير.

فالقدرة على الدعوة إلى التظاهر والتحريض ضد النظام والدعوة إلى إسقاط الرئيس شيء، والقدرة على متابعة التغيير وإدراك التعقيدات السياسية والتصدي للتدخلات الخارجية شيء آخر.[14]

ورغم أن الإمام الحسين عليه السلام يعتبر في حسابات النصر والهزيمة المادية قد هزم وقتل وقتل كل أصحابه وأهل بيته، إلا أن ثورته تعتبر من آنجح الثورات في التاريخ، ومن أوضح الأدلة على نجاحها، هو مرور ١٤٠٠هـ عام تقريبا على حدوثها ومازالت حية في النفوس عبر التاريخ.

ولا توجد ثورة وقعت في التاريخ حفظت وتم إحياوها كثورة الإمام الحسين ع، وهذه الديمومة لها عدة أسباب أهمها، هو تركيز أهل البيت عليهم السلام بعد الثورة على اعتبار إحياء ذكرى الاستشهاد شعيرة وإقامة الشعيرة من تقوي القلوب كما يشير القرآن الكريم، هذا فضلا عن الحث على إقامة مجالس العزاء، وعلى الثواب الجزيل الذي يحصل عليه الإنسان في البكاء على مصاب الإمام الحسين ع وما جرى عليه في كربلاء، فضلا عن الروايات التي تتحدث عن أن أول من بكى عليه هو رسول الله ص جده، هذا التسالم والنقل من جيل إلى جيل، والاهتمام الشديد في نقل أحداث الثورة، واعتبارها من الشعائر، حفظ ديمومة وفعالية الثورة في وجدان الناس جيلا بعد جيل، واعتبرت ملهما لكثير من الثوار عبر التاريخ، وتذكر كتب التاريخ أن الدولة العباسية كي تحقق طموحها في إزاحة بني أمية، رفعت شعارات يا لثارات الحسين، وهي شعارات تدلل على عمق التعاطف الشعبي مع القضية الحسينية بحيث يتم استغلال شعاراتها لإثارة وجدان وتعاطف الجماهير وكسب تأييدهم. وقد نجح العباسيون لعوامل عدة منها هذه الشعارات، في هزيمة بني أمية وقيام دولتهم التي رفعت الشعار، لكنها انقلبت عليه بعد وصولها إلي الحكم.

هذا الإحياء المتواتر لواقعة كربلاء وأحداثها، هي وسيلة الإعلام التي روجت عبر التاريخ لثورة الإمام الحسين ع وضمنت استمراريتها عبر الأجيال، من خلال إقامة مجالس العزاء، وتأليف الأشعار، وغيرها من الوسائل التي عملت كمفاعيل إعلامية تحكي قصة كربلاء. لدرجة أنه يروى أن الإمام محمد الباقر ع (٥٧ هـ - ١١٤ هـ) وهو الإمام الخامس من أئمة المسلمين الاثني عشرية الإمامية، كان يدفع من حر ماله لبعض النساء لتندب الحسين ع في الحج في منى، وهي منطقة يجتمع فيها كل الحجاج دون استثناء كمرحلة من مراحل شعيرة الحج، وكان يهدف من ذلك حركة إعلانية مبطنة، لينشر أحداث ما جرى على الامام الحسين ع في كربلاء، مع محاولات السلطة للتعتيم الإعلامي على القضية. أي أن أئمة أهل البيت ع استغلوا كل طريقة وفرصة للإعلان عن كربلاء، ولاستمرار حضورها في الوجدان الشعبي جيلا بعد جيل، وهذا يعكس أمرا هاما، وهو من وجهة نظري اعتمادهم لهذا المنهج الحسيني، وترويجهم لأهدافه ووسائله في مواجهة المستبدين مدى ما توافرت الظروف اللازمة.

لكن كانت ثورة الإمام الحسين عليه السلام، هي نتيجة عوامل داخلية، كما أسلفنا، لم يذكر لنا التاريخ وجود عوامل خارجية واضحة أدت لتداعي الداخل الاجتماعي، والتوجه نحو خيار الثورة ، طبعا لطبيعة الظروف السياسية والجغرافية وغيرها من العوامل التي لم يكن فيها التواصل الجغرافي بقوة عصرنا، بينما واقع الثورات في عصرنا الحالي يختلف، إذ ينطلق فريد هاليداي (١٩٤٦م – ٢٠١٠م) أحد أهم أساتذة المدرسة البريطانية في العلاقات الدولية، والمقولة الأساس التي ينطلق منها هاليداي هي أن الثورة كإيديوجية وظاهرة عملية تاريخية هي ذات أبعاد دولية واضحة وخاصة الثورات الكبرى التي تعدت الحدود خلال القرنين (١٧٨٩م – ١٩٨٩م) وكانت بمثابة ثورات ضد الحداثة الرأسمالية، وتمارس هذه الأبعاد الدولية تأثيرها في مستوى" أسباب الثورة وتفسير اندلاعها، وكذلك مسار تشكلها وأسبابها ونتائجها وكيفية تأثرها بقوى أخري وتأثيره عليها.[15]

إلا أن اندلاع الثورات العربية، على النحو الذي قامت عليه جميعاً (ولو بدرجات متنوعة)، أي كونها شعبية من دون قيادة واحدة واضحة المعالم أيديولجيا وحركيا، ولكونها ثورات سلمية تواجه بطش الآلة الأمنية القمعية للنظم، هذا النمط من الثورات على هذا النحو، كسر حلقة مفرغة دارت فيها الشعوب لعقود طويلة، وأثبتت أنها مازالت حية قادرة على الفعل، وابتداءً من الداخل أساساً. والأهم أنها أثبتت أن البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسة الداخلية للنظم المستبدة، وفي تحالفاتها مع نظائرها الخارجية، لم يعد بمقدورها الاستمرار، بعد أن وصلت إلى ذورتها. حيث أفرزت خمائر الثورة ولدت حالة ثورية كانت تنتظر الانفجار.[16]

وقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا كوسيط إعلامي مهم في سرعة وتيرة الأحداث، وانتقالها بشكل سريع مختصرة الزمن والجغرافيا، عبر الفضاء الافتراضي، الذي سهل عملية الانتقال السريع، خاصة بعد نجاح تونس بثورتها وأسقاطها رأس السلطة.

وذهب البعض إلى اعتبار تعاقب الثورات العربية دليل على مؤامرات خارجية كبرى ضد استقرار المنطقة ولتقسيمها لصالح المشروع الصهيوني والأمريكي، إلا أن هذه المقولة وفق رأي آخر لا تعي حقائق التاريخ من ناحية، كما أنها انهزامية لا تؤمن بقدرات الشعوب على إمكانية التغيير.

ولكن من وجهة نظري، في موضوع الثورات العربية، لا يمكن وضع كل الثورات في سلة واحدة، والحكم عليها بطريقة واحدة، بل الموضوع يحتاج إلي دراسة معمقة تفصيلية للفروقات بين كل ثورة وأخرى، وإن وقعت الثورات في وقت واحد، إلا أن ظروفها الداخلية وموقعها وعلاقاتها الدولية خاصة بالدول العظمى، ليست واحدة، بل متفاوتة قوة وضعفا وقز ذكرت أن الامام الحسين ع تزامن حراكه مع حراك ابن الزبير بل ورفض كثير من وجهاء المدينة والكوفة لبيعة يزيد، ومع ذلك هذه الكثرة الاحتجاجية ليست كلها بأهداف واحدة وكمشروع واحد، وشاهدنا كيف ميز الحسين ع حراكه عن الباقين، لذلك لا يمكن اعتبار ما حدث مؤامرة بالمطلق، ولا حركة شعبية منفردة بالمطلق،  فهي في بعضها حراكات شعبية حقيقية قد يكون تم استغلالها وركوب موجتها، أو تقويض مقوماتها باستلام  زمام أمورها من قبل من  ليس أهلا لها، أو هي حراكات احتجاجية استغلت حاجة الشعوب وقمعها، ونقمتها على الأنظمة المستبدة، لكنها وجهت الحراكات باتجاهات خاطئة أدت لحدوث كوارث تدميرية بل أن تحقق التغيير والإصلاح.فالحكم على كل الثورات بمعيار واحد هو خطأ منهجي، ويتطلب تحقيق عميق في بنية وملابسات كل ثورة، حتى لو كان حدوثها في وقت واحد.

والأصل أن الشعوب حينما تصل إلي مرحلة الانسداد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، فإن الثورة على الوضع القائم هي الوسيلة التي يلجأ إليها الناس للتعبير عن سخطهم ورفضهم للوضع القائم، وقد تكون كصرخة مدوية تشعر الأنظمة أن وجودها بات مهددا، فتدفعها لعمل إصلاحات تصلح من الحال البائس، لذلك ليست كل ثورة تؤدي إلى إصلاح، فأصل الإصلاح لا يكمن في عمل تصحيحات آنية موضعية، بل هو إصلاح في النظام القائم وسياق عمله، ومنهجه وأدواته، بحيث يحدث تبدلا في المسارات، من مسار الظلم والقهر الاجتماعي، إلى العدالة والرفاه بكافة أشكالهما.

وقد أبدع الشاعر أحمد مطر في لافتاته بقصيدته "الاختيار" حينما قال:

إنني لست لحزبٍ أو جماعة

إنني لست لتيارٍ شعاراً

أو لدكانٍ بضاعة

أنني (الموجة) تعلو (حرةً)

ما بين بين

وتقتضي نحبها دوماً

لكي تروى رمال الضفتين

وأنا الغيمة للأرض جميعاً

وأنا الروح المشاعة

غير أني في (زمان الفرز)

أنحاز إلى (الفوز)

فإن خيرت ما بين اثنتين

أن أغني مترفاً عند (يزيد)

أو (أصلي) جائعاً خلف (الحسين)

(سأصلي) جائعا خلف (الحسين)

لست أهتم بمن كان معي

أو كان ضدي

لست أهتم بمن أترك بعدي

لست أهتم بمن يبكي دموعاً

أو بمن يبكي دماءا

ليس عندي غير (همٍ) واحدٍ

أن أسبق (الموت) إلى (العيش)

ف(أغدوا) من (ضحايا كربلاء)

***

إيمان شمس الدين

..........................

[1] الثورة الحسينية وتعزيز فقه المواجهة، الشيخ جواد فخار الطوسي، نصوص معاصرة، العدد٣١،٣٠، ص ١٧٨

[2] كامل الزيارات، باب ٢٣، ص ٧٥

[3] ثورة الحسين في الوجدان الشعبي، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، ط١ ١٩٨٠م، ص ٩١، الدار الإسلامية، بيروت

[4] الحركات الاحتجاجية في الوطن العربي (مصر – المغرب – لبنان – البحرين)، مركز ادراسات الوحدة العربية، ص ٩، ط ١، ٢٠١١م

[5] الحركات الاحتجاجية في الوطن العربي (مصر – المغرب – لبنان – البحرين)، مركز ادراسات الوحدة العربية، ص ٣٧، ط ١، ٢٠١١م

[6] الحركات الاحتجاجية في الوطن العربي (مصر – المغرب – لبنان – البحرين)، مركز ادراسات الوحدة العربية، ص ٣٧، ط ١، ٢٠١١م

[7] Herbert Blumer, ”Collective Behavior”, Alferd McClung,ed., Principles of sociology,intro. By Samuel Smith(New York: Barnes and Noble, 1951) pp. 67 - 121

[8] إبراهيم البيومي غانم، " الحركات الاجتماعية: تحولات البنية وانفتاح المجال"، إسلام أون لاين

[9]نولة درويش، "هل نحن إزاء حركة بالفعل أ إزاء منظمات محددة؟، "كفاية".

[10] وقعة الطف، لأبي مخنف، لوط بن يحيى الأزدي الغامدي الكوفي، تحقيق الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي، ص ١٧٧

[11] تيلي، الحركات الاجتماعية، ١٧٦٨ – ٢٠٠٤، الفصل الأول، ص٢٧.

[12] تيلي، الحركات الاجتماعية، ١٧٦٨ – ٢٠٠٤، الفصل الأول، ص٢٧.

[13] مجلة الغدير، أسئلة الثورات العربية، العدد ٥٥، صيف ٢٠١١، د. طلال عتريسي ص ١٧،١٦ بتصرف

[14] مجلة الغدير، أسئلة الثورات العربية، العدد ٥٥، صيف ٢٠١١، د. طلال عتريسي ص٢٢

[15] نقلا عن:

Richard Saull, Review of revolution and world politics, Historical Materialism, Vol 10, NO 1, 2002

[16] مجلة الغدير، عدد ٥٥، صيف ٢٠١١، الثورات العربية والنظام الدولي (خريطة الملامح والإشكاليا والمآلات)، نادية محمود مصطفى، ص ٣٣

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5744 المصادف: 2022-05-28 02:14:26


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5784 المصادف: الخميس 07 - 07 - 2022م