 دراسات وبحوث

العنف: التبرير والعدالة الإجتماعية

علي رسول الربيعيلا يكتمل أيّ تحليل لظاهرة العنف ما لم تنافش المسوغات التي تقدّم كتبرير لاستعماله، وعليه فإنّ التّساؤل عمّا إن كان الواجب يقتضي استعمال العنف أو يبرّر بالفعل تعزيز الخيريّة وتحقيق العدالة على الرّغم من قبحه الجليّ وسوء عواقبه.

من نافلة القول الإشارة إلى أنّ هذا الموضوع كبير، معقد ومتعدّد الأوجه، وأنّ أيّ محاولة لمقاربة جيع أبعاده في دراسة واحدة ستؤدّي إلى السّطحيّة حتما. ومن ثمّة سيكون طموح هذه الدّراسة محدودا في تقديم مختصر لمخطّط عامّ للمسائل الأساس، وللمميّزات النّظريّة عن استعمال العنف. لذلك ستنطلق نقطة الشّروع في القسم الأوّل من رسم صورة مختصرة للموقف المؤسّس ممثّلا بالسّؤال: "لماذا يكون العنف وسيلة مشروعة لتعزيز العدالة؟ بينما يتصدّى القسم الثّاني للإشارة إلى الموقفين المهيمنين في الغالب على السّاحتين السّياسيّة والقانونيّة اللّذين يُستشهَد بهما للتّبرير وهما: حجّة الهوّيّة، وحجّة النّتائج أو العواقب. في حين يتصدّى القسم الثّالث لفحص ما تقدّم الحجّتان من مبرّرات ومطالب إن كانت قويّة بما يكفي لتستحقّ أن يُنْظَر إليها بالاعتبار، أم ضعيفة مهزوزة بما يؤكّد فشلها. ولا يعني ذلك عدم اللّجوء إلى استعمال العنف بالنّظر إلى ما تمّ التّوصّل إليه من فصل بين مواقف الفلاسفة المحدثين من عدم إمكانيّة تبرير العنف من حيث المبدأ تحت أيً شرط أو ظرف، لأنّ إمكانيًة استعماله تظلّ واردة في بعض الظّروف والأوضاع الخاصّة والمحدّدة جدّا. ومع أنّ هناك من الأوقات ما يتعيّن معه اللّجوء في ظروف استثنائيّة جدّاً إلى استعمال العنف وفق شروط صارمة لحفظ النّظام والأمن العامّ، إلاّ أنّ ذلك لا يسوّغ وضع نظريّة عامّة أو صياغة مبدأ عامّ كُلّيّ وشامل يمكن أن يُستند إليه باطمئنان في التّبرير.. ويتناول القسمان السّادس والسّابع ما تتطلّب هذه الظّروف الاستثنائيّة من شروط تقيّد استعماله بمجموعة من المبادئ الرّئيسة التي تخضع للفحص والتّدقيق والمساءلة.

العنف من أجل العدالة

قد يكون من المُغري تبنّي خطّ متصلّب ضدّ العنف دفاعا عن المواقف التي لا تقبل التّطبيع معه تحت أيّ ظرف حتى لو كان بقصد طلب العدالة أو تثبيتاً لها انطلاقا من وجهة نظر تعتبر أنّ هناك دائما بديلا عن العنف؛ وأنّ لهذا البديل نموذجا قويّا تمّ التّعبير عنه من قبل مفكّرين وسياسيّين بارزين من أمثال تولستوي، غاندي، مارتن لوثر كنغ، لكن وبدلا من ذلك ستتناول الدّراسة توضيح الأساب الأخلاقيّة المتينة التي تبرّر استعمال العنف حصراً.

فمن الممكن جدّا أن يصبح العنف في بعض الأحيان مبرّرا بحسب ما اشار إليه جيرت[1] على الرّغم من أنّه ليس بالإمكان إنكار شرّه المستطير. فمع أنّ أغلب أعمال العنف محرّمة من قبل العقل العموميّ وغير مبرّرة تماماً، إلاّ أنّ من الخطأ إنكار أنّ العقل العموميّ ذاته يطلب استعمالها في بعض الأحيان. ومدار السّؤال الابتدائيّ حول ماهية العقل العموميّ وحول ما يدفع به من مبرّرات لاستعمال العنف من حيث المبدأ انطلاقا من الواجب تُجاه العدالة، لفحص ما إن كان ذلك الواجب ممتدّا على نحو يشمل ذلك الاستعمال بقصد تحقيق العدل. علما أنّ الواجب تُجاه العدالة إجمالاً نوعان: واجب تأييد وواجب تعزيز. وكما أوضح ذلك جون راولز في الفصل السّادس من كتابه نظرية العدالة تحت عنوان "الواجب والالتزام" حيث يقول: "إنّ الواجب الطّبيعيّ الأكثر أهمّيّة هو دعم وتأييد مؤسّسات عادلة، ولهذا الواجب جزءان: الأوّل، علينا التّقيّد بالمؤسّسات العادلة والقيام بدورنا فيها حين تكون موجودة ومطبّقة علينا؛ وثانيا، علينا أن نساعد في تأسيس ترتيبات عادلة حين لا تكون موجودة على الأقل حين يمكن القيام بهذا بتكلفة أقلّ على أنفسنا".[2]

فواجب دعم العدالة يتجلّى في الالتزام بقبول مبادئها والعيش في ظلّها، وواجب تعزيزها يقتضي الالتزام بتيسير تطبيق تلك المبادئ وإنفاذها. لا يشمل ذلك دعم الإجراءات المنصفة حتى لو كانت طويلة وعلى حساب المغانم النّفعيّة فقطّ، ولكن يشمل أيضا الاستعداد الدّائم للاهتمام بالعدالة حتى عندما ينطوي ذلك على تكاليف شخصيّة ضمن حدود مقبولة مثلما قد يحصل عند حدوث مظاهرات سلميّة وغيرها من حالات العصيان المدنيّ.

فالواجب تُجاه دعم العدالة وتعزيزها له مضامين مختلفة تستند إلى الوضع القائم معتمدة على ما إن كنّا نعيش في مجتمع عادل أو في مجتمع غير عادل. ومفهوم راولز عن الواجب الطّبيعيّ يفترض عموماً أنّ بنية المجتمع الأساس تنتظم من النّواحي السّياسيّة والاقتصاديّة وفقاً لمبادئ العدالة المعترف بها، والمعلنة من قبل ذلك المجتمع نفسه. وبالتّالي، في حالة قريبة من العدالة كما أشار راولز، نحن ملزمون بالامتثال لقوانين غير عادلة بشرط ألاّ تتجاوز حدودا معيّنة: "قد يقال: إنّ الطاعة ليست مطلوبة أبداً في مثلها، لكنّ هذا القول خاطئ. حيث إنّ عدم عدالة قانون عموما ليس سبباً كافياً لعدم التّقيّد به (...) يجب الاعتراف بإلزاميّة القوانين غير العادلة حينما تكون الهيكلة التّأسيسيّة للمجتمع عادلة بشكل معقول تُقدّر الأشياء التي يسمح بها الوضع الراهن، شريطة ألاّ تتجاوز تلك القوانين حدودا معينة من اللاّعدالة".[3]

فراولز على حقّ هنا بالتّأكيد، ولكن ماذا لو كانت هناك قيود جدّيّة على العدالة في المجتمع؟ ماذا لو وجد المرء نفسه في يعيش مجتمع غير عادل بشكل فادح؟ ما هي الالتزامات التي تقع على عاتقه تُجاه العدالة عند انتهاك حدود معيّنة من اللاّعدالة؟ لم يناقش راولز هذه الحالات، لذلك وجب التّفكير بطريقة أخرى للكشف عن أنّها من ضمن الأسباب الرّئيسة المنشئة للعنف. فإذا كان المجتمع غير عادل بشكل كبير، وإذا انتهكت القوانين الحدود المعيّنة للعدالة التي تحدث عنها راولز فكانت غير عادلة، فإنّ العنف يصبح عندئذ ليس خياراً فحسب بل واجباً أيضا.

فالحجج عن الواجب تُجاه تعزيز العدالة من خلال استعمال العنف نوعان: حجّة آتية من ضرورته، والثّانية حجّة الاستراتيجيّة. ولعلّ ما أثاره أودي[4] وجيرس[5] على التّوالي من مبرّرات للعنف في هذا السّياق يمثّل هذين النّوعين من الحجج. فأودي لا يقبل الفكرة التي ترى أنّ اللّجوء إلى استعمال العنف قرار خاطئ دائما، ويعتقد أنّ قرار استعمال العنف لإيقاف العدوان النّازيّ كان واجبا أملته الضّرورة. لذلك فهو يرى أنّ الحجّة المضادّة التي لا تجد ضرورة لاستعمال العنف أبدا حتى لو تعلّق الأمر بوقف عمل عدوانيّ وهمجيّ لرجل مثل هتلر هي أوّل علامات الشّرّ. وعلى هذا الأساس فإنّ تقييمه للعنف يعتمد على إجراء تحليل دقيق لكلّ حالة فعليّة باعتبار أنّ ذلك أمر ضروريّ. فمع أنّه من المؤكّد استحالة وقف عدوان رجل مثل هتلر بغير طريق العنف؛ وبقدر ما يكون هنالك من سبب وجيه للاعتقاد بأنّ إعمال العنف سيكون رادعا لبربريّته، يظلّ اللّجوء إلى العنف المطلق خطأ فادحا في ظلّ وجود خيارات ممكنة أقلّ عنفا، أقلّ دمارا ودمويّة كالمساعدة على انقلاب، أو الإجبار بطريقة من الطّرق السّياسيّة والقانونيّة وبشكل تبرّره المبادئ الأخلاقيّة على إحداث التّغيير اللاّزم.[6]

لم يعارض جيراس[7] مضمون حجّة أودي مع التّأكيد في الوقت نفسه على أنّ العنف يشكّل في بعض الأحيان خيارا استراتيجيّا أمام ضحايا الظّلم، وجهدا مشروعا بما يتيح من إمكانية لتعزيز العدالة. ويواجه الرّأي المعارض للعنف الذي يعترض على استخدامه مطلقا بزعم أن ليس للعنف ما يبرّره، بحجّة مقنعة تدحضه تماما حينما تعتبر أنّ ما يمكن الإمساك به من مبدأ اللاّعنف على الحقيقة دائما، هو حرمان النّاس في مواجهة أي اضطهاد أو تهديد مهما كان رهيبا من جميع الأسلحة باستنثناء المقاومة السّلبيّة، معتبرا أنّه إذا لم تكن هذه الحجّة كافية لنسف هذا المبدأ من الأساس فليس هناك من الحجج ما يمكن أن يقوم ضدّه.

يريد جيرس[8] الإشارة في هذا السّياق إلى حقيقة مفادها أنّ التّاريخ يحفل بالعديد من الأمثلة المروعة عن العنف الذي يستخدم كوسيلة لفرض الظّلم، منبّها إلى أنّ الواجب يلزم بالسّماح بإمكانية محاربة ذلك الظّلم ولو بالوسائل العنيفة نفسها مادامت تلك الإمكانيّة هي السّبيل الوحيد.

وبطبيعة الحال، لا يعني هذا رفض التّساؤل عن مبرّرات العنف السّياسيّ أو العنف الثّوريّ، لأنّه إذا كان ممكنا تبرير أيّ نوع من العنف فإنّه لا يعني بالضّرورة أنّ ذلك العنف مبرّر بشكل تلقائيّ أو مقبول. فالإجابة بالإيجاب عن السّؤال "هل يمكن أن يكون العنف مبرّرا؟ يجب أن يتبعها سؤالان آخران بطابع نظريّ أقلّ وهما:

أوّلا، "ما الخير الذي يمكن أن يتأتّى من الشّرّ؟"

ثانيا، "أيّ نوع من العنف يمكن تبريره؟ وما مقدار هذا العنف المبرّر؟".

سيناقش الجزء الثّاني والثّالث والرّابع والخامس أدناه السّؤال الأوّل، حيث سيتمّ طرح حجّتين تحدّدان الخير المحتمل الذي يمكن تحقيقه بواسطة العنف مع أنّه شرّ معلوم، وهما حجّة الهوّيّة بالإضافة إلى الحجّة المتساوقة معها أي حجّة حساب النّتائج أو العواقب. أمّا السّؤال الثّاني فسيعالجه الجزءان السّادس والسّابع، حيث سيجري إدخال بعض المبادئ الرّئيسة على تقاليد الحرب العادلة.

الجزء الثّاني: حجة الهوّيّة

تختلف تعاريف العنف إلاّ أنّ معظمها تشترك في التّركيز على المعاناة والإصابة النّاجمة عن إعماله ممّا يترتّب عنه تقرير حقيقة مفادها "أنّ تبرير العنف يعني تبرير الشّرّ"، فلو لم يكن العنف شرّا لما احتاج لأن تُطرح مسألة تبريره. لذلك، ينبغي أن يؤخذ في الحسبان حجم الشّرّ الذي ينتج عن عمل من أعمال العنف، كما ينبغي أن يؤخذ بالاعتبار مطلب تعويض تلك الشّرور بخير أكبر. ولعلّ من تبرير العنف القول بخيريّته والاعتقاد بأنّه ليس سيّئا تماما، وهو ادّعاء يتعيّن على من يستحسنه تفسيره حتما. فهو جيّد بالنّسبة لمن؟ طبعا ليس بالنّسبة لضحاياه. يُنظر إلى العنف في بعض الثّقافات كطقس من طقوس المرور إلى الرّجولة فيعتبر جيّدا بالنّسبة للضّحيّة إلى حدّ تحدّد معه ذكورتها.[9] قد يستحقّ نيتشة اللّوم بوصفه أبرز مبرّري العنف عندما نفى نسبته إلى الظّروف الاجتماعيّة المحيطة معتبرا ضرورته للاندماج في الجماعة وإحراز القوّة باعتبارها مناط الفضيلة.[10]

إذن تعتمد حجّة الهوّيّة المبرّرات التّالية:

ـ كون العنف جيّدا إذا تمكّن مقترفه من إثبات هوّيّته الخاصّة كشخص ذي قيمة أخلاقيّة مساوية للآخرين تجعله ينال إعجابهم واحترامهم.

ـ كونه وسيلة لمناهضة القوى الاستعماريّة وهو الرّأي الذي حاز به فرانز فانون شهرة بما نال من تأييد من قبل جان بول سارتر وجوليا كريستيفا في حجاج مماثل. وسيأتي فيما يلي النّظر في حجج هؤلاء المؤلّفين الثّلاثة.[11]

نشر فانون[12] "معذبو الأرض" لأوّل مرّة باللّغة الفرنسيّة عام 1961 في ذروة الحرب الجزائريّة، وكانت حجّة هذا الطّبيب النّفسيّ الذي استلهم من خلالها خبرة معياريّة وعلاجيّة على حدّ سواء، تقوم على الاعتقاد بأنّ الاستعمار يشكّل نوعا خاصّا من العنف الذي لا يمكن إلغاؤه إلاّ إذا تمّ التّصدّي له بعنف مضادّ. وتتمثّل خصوصيّة عنف الاستعمار بالنّسبة له فيما للاحتلال من آثار مادّيّة ونفسيّة. يتمثّل العنصر المادّيّ في الجانب العلنيّ من أي احتلال وهو فعل الاستيلاء بالقوّة على ما ينتمي بقوّة الحقّ إلى الآخرين. فمن وجهة النّظر هذه، لم يكن احتلال فرنسا للجزائر حتى عام 1962 مختلفا عن أي عمل من أعمال العنف الإمبرياليّ، كما لم تكن حروب الإسكندر الأكبر، وحروب الإمبراطورية الرّومانيّة، وحروب الإمبراطوريّة البريطانيّة، وحروب الإمبراطوريّة الأمريكيّة منذ نهاية الحرب العالميّة الثّانيّة وإلى اليوم مختلفا عن ذلك في شيء بالإضافة إلى ما يستتبع العنف الجسديّ العلنيّ النّاجم عن الاحتلال من عنف نفسيّ أيضاً، وقد كان هذا الأخير محور تفكير فانون حول العنف.

ووفقا لفانون، يمثّل الاحتلال علاقة قوّة بين محتلّ يعتبر نفسه راشدا ومُستعمرين ينظر إليهم ذلك المحتلّ بوصفهم قاصرين، وهي علاقة غير متكافئة يرى فيها الأوّل نفسه متفوّقا، ويشعر معها الآخرون بالضّعف والدّونيّة. وقد كان هذا الشّعور بالدّونيّة هو مدار اهتمام  فانون الذي اعتبر الاحتلال هيمنة تقوّض الشّعور بالهوّيّة وعدوانا ينسف احترام الذات على المستوى الشّخصيّ لدى المُستعمَرين. وهو ما يستدعي بنظره عنفا مضادّا لإنهاء الاحتلال وتصحيح علاقة القوّة بعكس اتّجاه ما أقامه منها المحتلّ، لاستعادة الهوّيّة الثّقافيّة التي باستعادتها يستعيد المُستعمَرون احترامهم لأنفسهم وذواتهم. لقد أصبحت أطروحة فانون مؤثّرة بشكل كبير في الأوساط السّياسيّة والفكريّة بالعديد من البلدان ذات الماضي الاستعماريّ، حيث يتمّ الاحتجاج بها في أيّ نضال مسلّح حتى من قبل الأصوليّين الإسلامويّين. وهو ما حذا باستعداء مارثا كرينشاو[13] لهذه الأطروحة إلى حدّ جعلها تنسب لأفكار المثقّفين الثّوريّين من أمثال فانون "الأثر الكبير على الحركات المتطرّفة في الغرب المتقدّم" بشكل عزّز بزعمها الإرهاب وطوّر أساليبه فأحاله استجابة روتينيّة. واستعداء مارثا كرينشاو هذا لأطروحة فانون جعل ماسي تشير بحق  إلى أنّ النّقّاد يتفّهونها في أغلب الأحيان لجعلها تبدو كما لو أنّها تمجيد للعنف بحدّ ذاته.[14] وترى جوين تروتو[15] أنّ من الصّواب النّظر إلى فانون بوصفه سياسيّاً واقعيّا عندما يؤكّد أن العنف المقاوم للاحتلال ليس سوى استجابة لعنف ذلك الاحتلال ذاته. ولعلّ مقدّمة جون بول سارتر الشّهيرة لطبعة الكتاب عام 1961 كانت سببا لشعبيّة أسيء فهمها بالنّظر إلى ما استهلّها به من إشارة إلى العنف الابتدائيّ للمحتلّ الذي ليس له من هدف سوى حماية مصالح الفئات النّافذة والثّريّة لبلده كقوّة استعماريّة، واستنزاف ثروات المُستعمَرين وتدمير قدراتهم المادّيّة والمعنويّة للحيلولة دون نهوضهم مُنافسين على السّاحات السّياسيّة والاقتصاديّة والعلميّة. ولأنّه أيضا يوحي وبقوّة أنّ هدف العنف المضادّ هو اكتشاف الهوّيّة واستعادة تشكيل الذّات من النّواحي المادّيّة والنّفسيّة، يقول:[16] "نصبح نحن فقطّ عندما نرفض بشكل جذريّ وعميق ذلك الموقع الذي يريد الآخرون حشرنا فيه". ففي سياق نقاشه للاحتلال قدّم سارتر انطباعا واضحا بقدرة العنف الثّوريّ على رفع مرتكبيه إلى مستوى الأبطال ومصافّ النّبلاء والعظماء لأنّه يمكّنهم من استعادة إنسانيّة هدرها الاحتلال، ويشفيهم من الإحساس بالدّونيّة لاسيما عند تحقيق النّصر وطرد المُحتلّ بقوّة السّلاح.[17] ذلك أنّه عندما يغلي الغضب الثّوريّ ضدّ وضع مختلّ فإنّه يساعد على اكتشاف القدرات المكنونة ويستنهض هوّيّة مهدورة، فيسعف ذلك حتما في استعادة تشكيل الذّات واستثمار الإمكانيّات المتاحة لاستعادة الاعتبار.

كتبت جوليا كريستيفا[18] عن حتمية التّمّرد أيضا وهي متخصّصة مثل فانون في التّحليل النّفسيّ، ومن المستغرب فعلا عدم إطّلاعها على أطروحة رصيفها التي صاغها من خلال مؤلّفه "معذبو الأرض". فحججها حول الثّورة لا تختلف كثيرا عن حجج فانون وسارتر، وهي تقوم كذلك على فكرة تشكيل الهوّيّة، وتعتبر حرّيّة التّمرّد تأسيسيّة وليست مجرّد خيار متاح. والفرق في مطارحة الموضوع بين مقاربة فانون ومقاربة كريستيفا يتمثّل في تناول الإهانة، ففي الحين الذي أدان فيه فانون إهانة المحتلّ لعموم الأهالي بشكل خاصّ، اقتصرت كريستيفا على إهانة المواطنين الأكثر حرمانا بشكل عامّ، ومن ثمّة أمكنها تفسير نزوع المُهانين وميل المحرومين إلى الثّورة من أجل استعادة كرامة مهدورة.[19]

تؤيّد حجّة الهوّيّة إذن أنّ العنف يمكن أن يكون مقبولا ومبرّرا ولو بشكل جزئيّ، لأنّه يتيح لأولئك الذين تمّ إذلالهم قسرا إمكانيّة تسعف في استعادة هوّيّتهم الخاصّة وحقوقهم المسلوبة. وفي سياقها ركّز فانون في حجّته الأصل على الإذلال والبحث عن هوّيّة ضيّعها الاحتلال، بينما ركّزت كريستيفا في حجّتها على ما يتعرّض له المواطنون الأكثر حرمانا من إهانة.

الجزء الثّالث: نقد حجّة الهوّيّة

إن العديد من غير المتحمّسين لحجّة الهوّيّة مثل جون كين[20]، يوافقون على أنّ هناك أوقات يكون فيها العنف الجماعيّ عاملا مهما لرفع المعنويّات من أجل الوقوف ضدّ المعاملة غير العادلة وإبراز الشجاعة المطلوبة للوقوف ضدّ الظالمين لإعطاء الأمل في تحقيق العدالة، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، منها الثّورة الأمريكيّة، حروب الاستقلال الأيرلنديّة (1919-1922)، الحرب الجزائريّة (19.54-1962)، الكفاح المسلّح ضدّ الفصل العنصريّ في جنوب أفريقيا (1961-1994) والثّورة المخمليّة في أوروبّا الشّرقيّة عام 1989. وهناك أدلّة تجريبيّة من الوفرة بحيث تشير إلى ما يقوم به العنف من دور هامّ في البناء الاجتماعيّ للهوّيّات العرقيّة. ومع ذلك، يمكن اعتبار اللّجوء إلى حجّة الهوّيّة في تمجيد العنف رومانسيا محدود الحجّيّة. وهذا ما أشار إليه كين عند مناقشة أطروحة فانون حيث نوّه أيضا بما تضمّنت من نقاط القوّة.[21]

فدعوة فانون إلى العنف الثّوريّ ضدّ الاحتلال لا تقطع الشّكّ بيقين حول ما إن كانت ممارسة العنف تحقّق بالفعل وعلى وجه مضطرد تأثيرا تحرّريّا على الفرد العنيف. يشرح ذلك كين بالإشارة إلى أنّ اللّجوء إلى العنف كتكتيك لا يتأتّى من الإيمان بالإنسان، ولا من الاقتناع بالحداثة كصيرورة تسير بالتّاريخ في اتّجاه التّقدّم. فحجّة الهوّيّة تقع من وجهة نظره في مغالطتين:

ـ الأولى، هناك خطّ رفيع بين استخدام حجّة الهوّيّة للتّبرير وبين استخدامها كذريعة..

ـ الثّانية أنّ سقف الرّهان على هذه الحجّة مرتفع لا يمكن المجازفة بالرّكوب عليه لتبرير العنف في سياق وحيد وحصريّ هو سياق الاحتلال. فالواقع اليوم يؤكّد أنّ الجماعات الأكثر وحشيّة وهمجيّة تستخدم هذه الحجّة في تبرير عنف لا يمثّل فيه الاستعمار أساسا لقضيّة. وبعبارة واضحة جليّة، تسهّل حجة الهوّيّة تبرير العنف بيسر حيث يكون من الأحرى الحرص على محاربته، ومن الأجدى عدم إعطائه برصف الكلام ونحث المفردات أيّ مبرّر يظهره كسلوك صائب.

وأخيرا، حينما يتحدث سارتر[22] عن الرّفض الجذريّ والعميق لما يريد الآخرون أن يجعلوا منّا، وتصف كريستيفا[23] الثّورة بأنّها عمليّة جدليّة تقوم على النّفي حيث للسّلبيّة دور مركزيّ، فإنّ التّبرير بحجّة الهوّيّة اعتمادا على أسلوب الجدل هذا إنّما ينهج سبيلا سلبيّا لسوغ العنف وجعله يبدو إيجابيا بقصد إظهار ضرورته كفعل ناتج ينفي فعلا أصليّا سابقا... لكن لا يمكن تطبيق هذا المنطق على الأخلاق إذا كان الأمر يتعلّق بالعنف. فبحسب العقل الأخلاقيّ لا يمكن أن يتأتّى الخير من شرّ واحد فبالأحرى من شرّين اثنين، وبالتّالي لا تستقيم جدليّة النّفيّ لتنتصب مبرّرا صحيحا للعنف.

حجّة النّتائج أو العواقب

خلافا لحجّة الهوّيّة ترى حجّة العواقب أنّ الأعمال البشريّة تستمدّ قيمتها الأخلاقيّة من نتائجها حصرا، لذلك ليس لديها تخوّف من شرّ العنف الذي يكون بالنسبة لها مبرّراً كفاية طالما أنّه شرّ لا بدّ منه. فالعنف من منطق هذه الحجّة له ما يبرّره عندما يكون ضروريّا ووسيلة لا غنى عنها لمنع شرّ أكبر أو تعزيز خير أعمّ، وبهذا يكون اعتماده على النّتائج واضحا یجعل استخدامه أکثر شیوعا في تبرير اللّوء إلى استعمال العنف. والواقع أنّ مجموعة متنوعة من الباحثين مثل روبرت أودي، وبرنارد جيرت، وكاي نيلسن يستدعون هذه الحجّة التي تعتمد على النّتائج أو العواقب في تحليلاتهم. يشير أودي[24] إلى أنّ العنف المتوخّى كاستراتيجيّة لتحقيق الإصلاح الاجتماعيّ لاسيما عندما يتغيّى هذا الإصلاح تصحيح الأخطاء الأخلاقيّة الخطيرة، يمكن تبريره لتعظيم نسبة السعادة عند مقارنتها بنسبة المعاناة. مع إعطاء الأولويّة للحدّ من المعاناة على الزّيادة في السّعادة، ولزيادة السّعادة إلى الحدّ المقبول من الرّفاهية مقارنة بالزّيادات المماثلة التي تزيد عنه. ومن حقّ المجتمع أن يقرر عبر الآليّات القانونيّة والمؤسّساتيّة ما إن كان العنف مبرّرا في حالة معيّنة ينظر إليه فيها باعتباره وسيلة لتصحيح بعض الأخطاء الأخلاقيّة الخطيرة، وعبر التحقّق من عواقبه المحتملة على العدالة والحرّيّة ورفاه الإنسان، ثمّ بمقارنه النّتائج المحتملة بالبدائل الواعدة غير العنيفة.

يعرّف جيرت[25] العنف بأنّه انتهاك متعمّد غير مرغوب فيه للقواعد الأخلاقيّة الجارية مثل: (لا تقتل؛ لا تسبّب لنفسك ولا لغيرك ألما؛ لا تعطّل حقّ أحد؛ ولا تحرمه من الحرّيّة والمتعة ولا من الفرص المتاحة لتحقيق ذاته؛ لا تنتهك القواعد، ولا تعتدي على الغير)، ويعتبر أنّ أيّ سبب ممكن من الأسباب التي تدفع إلى انتهاكها يتطلّب موقفا عامّا صارما ينطلق من هذه القواعد الأخلاقيّة نفسها لأجل حمايتها. ويذهب[26] إلى الاعتقاد بأنّ الجميع ملزم بطاعة الحكم الأخلاقيّ الذي يخصّهم سويّا ماعدا أولئك الذين يدعون علنا ​​إلى انتهاكه باستعمال العنف لمنع شرّ حاصل أو درء شرّ محتمل. وعنده أنّ "استعمال العنف انتهاك مسموح به من قبل العقل العامّ عندما يكون الهدف هو منع شرّ حاصل أكبر بكثير من شرّ يسبّبه كسر قاعدة أخلاقيّة، ودرء خطر أكثر سوءا ممّا قد ينجم عن هذا الانتهاك". ومن ثمّة فهو يصرّ[27] على منع شرّ خطير بشرّ أقلّ خطورة، ودرء مفسدة أعظم أو ضرر أشدّ بمفسدة أو ضرر أخفّ، معتبرا أنّ الأمر الذي لا جدال فيه هو أن الشّرّ الذي يستوجب المنع بإعمال العنف أكبر وأشدّ بكثير من شرّ العنف. ويؤكد نيلسن[28] وهو يتناول مسألة تبرير الثّورة العنيفة تحديدا سائرا على  منوال أودري وجيرت، أنّ العنف يمكن تبريره على أساس النّتائج والعواقب، فيشير إلى أنّ "الاعتبارات المركزيّة ذات الصّلة بموضوع العنف ليست في معظمها حاسمة أو حصريّة بالضّرورة، لأنّها مجرّد إجراءات نفعيّة. ولأنّ الحاجة تدفع في ظروف خاصّة إلى موازنة العواقب المحتملة بعناية للّجوء إلى العنف. لأنّه إذا كان اللّجوء إلى العنف مفضيا للمزيد من المعاناة فإن استعماله سيكون خاطئا بالتّأكيد. أمّا إن كان من المرجّح أن تؤدّي أعمال العنف إلى تقليل المعاناة الإنسانيّة، ولا تضع عبئا غير عادل على بعض الأشخاص الذين يتمّ استغلالهم بقسوة فإنّ العنف يكون مبرّراً". فنيلسون يقصد أنّ الاعتبارات المركزيّة ذات الصّلة "نفعية" لتعلّقها بالنّتائج والعواقب. ويذكّر جيرس[29] بحقّ، أنّ الحكم القائم على حساب العواقب والنّتائج يجب ألاّ يعتمد على أيّ شكل من أشكال النّفعيّة الفلسفيّة، إذ لا يحتاج الحكم لأن يُوحّد بالاعتماد فقطّ على مقياس وحيد للمنفعة: (المعاناة / السعادة). ويمكن للاعتبارات القائمة على النّتائج أو العواقب أن تستخدم بدلا من ذلك عددا من المؤشّرات بما فيها الحرّيّة، المساواة والحقوق التي لا يمكن خفضها إلى مستوى المنفعة فقطّ. يشير نيلسن[30] إلى أنّ مبدأ النّتائجيّة يحكم مسألة العنف الثّوريّ الذي يصبح مبرّرا حينما يقلّل من البؤس والألم الإنسانيّ في كلّ مكان من العالم.

ولعلّ المنطق المتضمّن فيما طرح كلّ من أودي، جيرت ونيلس بعد مور[31] يمكن أن ينسب إلى "حساب التّفاضل والتّكامل"، فهذا جيرس[32] يوضّح أنّ "تقييم تكاليف وفوائد العنف المتوقّع يكون بالمقارنة مع استمرار الوضع الرّاهن". وبهذا المنطق تغدو حجّة العواقب مغايرة جوهريّا، أي إذا كان للعنف ما يبرّره بشرط أن يخلّص العالم من معاناة يمكن أن تكون موجودة ومستمرّة ما لم يحصل ليوقفها، فإنّ مبرّره يصبح باحتساب النّتائج اعتمادا على منطق ينسب إلى "حساب التّفاضل" هو الرّفاه المتحقّق الذي يربو مستواه في عالم يحدث فيه العنف عن مستواه في عالم لم يحدث فيه عنف. هذا ويمكن العثور أيضا على صعوبات تواجه التّنبّؤات العكسيّة أو المغايرة لاحتساب العواقب عند النّظر في نتائج العنف.

نقد حجّة النّتائج أو العواقب

هناك حجتان تعترض كلّ منهما لتبرير العنف وفقا لحساب التّفاضل والتّكامل للمعاناة:

ـ الأولى، حجّة المنحدر الزّلق أو الغامض:

وتتحدّث عن حدث واحد يحدث ليجعل حدثا آخر أكثر احتمالا لأن يحدث. ليكن (أ) و(ب) حدثان متمايزان بحيث إذا حدث (أ) تزداد فرص حدوث (ب). وبتطبيقه على سياق العنف يكون: يؤدّي حدوث [العنف المبرّر] (أ) إلى زيادة فرص حدوث العنف (غير المبرّر) (ب). ومع أنّ حقيقة حدوث (أ) تزيد من فرص حدوث (ب) إلاّ أنّها لا تعني حتميّة حدوث (ب)، ورغم ذلك فإن حقيقة حدوث (أ) التي تزيد من فرص حدوث (ب) كافية للنّظر فيها بوصفها مشكلة محتملة وخطيرة تواجه بجدّيّة حجة النّتائج والعواقب. ومن أمثلة ذلك: قد يبرر حساب المعاناة قتل إرهابيّ واحد لمنع قتل ألف من الضّحايا الأبرياء، لكن هل يبرّر حساب المعاناة أيضا تعذيب إرهابيّ واحد؟ فى سيناريو القنبلة الموقوتة اعتقلت الشّرطة ثلاثة يشتبه في قيامهم بزرعها في مكان ما فى المدينة، وعند الاستنطاق أصرّ المشتبه بهم على الصّمت. قبل انفجار القنبلة بدأت الشّرطة بتعذيب أحدهم أمام صاحبيه، ثم أطلقت النّار على رأسه. فتحدّث الآخران خوفا ممّا شهدا من تعذيب، وبذلك توصّلت الشّرطة منهما بشيفرة نزع الفتيل وتمّ إنقاذ عدد لا يحصى من الأرواح. يبدو من هذا السّيناريو أنّ حجّة حساب النّتائج والعواقب تبرّر قتل وتعذيب الإرهابيّ. لذلك يرى جيرت[33] أنّ كلّ قتل أو تعذيب من أجل المتعة أو الرّبح هو عمل غير أخلاقيّ بشكل واضح، لكنّ القتل والتّعذيب لمنع المزيد من القتل والتّعذيب عمل يسمح به العقل العموميّ في بعض الأحيان.

وخلافا لما يدّعي جيرت، لا يمكن أبدا تبرير تعذيب مشتبه به على الرّغم ممّا قدّم أريجو[34] من أسباب، لأنّ الأدلّة التّجريبيّة تفيد أوّلا، أنّ التّعذيب وسيلة غير موفّقة للحصول على المعلومات، فالإصابات الجسديّة تضعف القدرة الذّهنيّة على نقل الحقيقة، وقد تؤدّي إلى الموت قبل الأوان، كما أنّ الاستجواب المطوّل يقلّل من قيمة المعلومات التي يتمّ الحصول عليها لأنّه لا يمكن تحت التّعذيب تمييز التّصريحات الحقيقيّة عن الخطأ أو الخداع. ثانيا، تشير الأدلّة التّجريبيّة أيضا إلى أنّ التّعذيب يحفّز الإرهابيّين على العود ويوسّع من دائرة مناصريهم وأنشطتهم التّخريبيّة فيتكاثرون بدل أن تتقلّص أعدادهم. ثالثا، إذا سمح بالتّعذيب لمجرّد الاشتباه جرّ ذلك إلى التّغاضي عن تعرّض الأبرياء للتّعذيب أيضا. رابعا، قد يفضي إنشاء وحدة استجواب برعاية الدّولة إلى تدريب المستجوبين على أساليب التّعذيب المتطوّرة التي قد تستفيد من الأبحاث الطّبّيّة البيولوجيّة والنّفسيّة فيصعب الكشف عنها، ويؤدّي ذلك إلى تعطيل القوانين المناهضة للتّعذيب وإعاقة عمل المؤسّسات القضائيّة والحقوقيّة والصّحّيّة والأمنيّة للدّولة. وكإضافة خامسة، فإن دولة تقيم وحدات استجواب للتّعذيب ستفقد شرعيّتها الأخلاقيّة وتقوّض بالتّالي ما عليها من التزام سياسيّ إزاء المواطنين. فالاختلاف الأخلاقيّ بين دولة شرعيّة وبين أعدائها يكمن في جزء منه في كون الدّولة على عكس أعدائها، لا تستخدم أساليب التّعذيب التي تنتهك الحقوق الأساس للمواطن. وقد أشار سيزار بيكاريا[35] سنة 1764 إلى أنّ أيّ عقوبة مبرّرة بالعقد الاجتماعيّ لضمان استمرار الجميع على الالتزام به. وأشار أيضا معترضا على عقوبة الأعدام إلى أنّه لا يوجد أيّ مبرّر لعقوبات شديدة، كجزء من حجّته التي ترفض وجهة نظر لوك الذي يرى أنّ النّاس يفقدون حقّهم في العيش عندما يشرعون في حالة حرب مع أشخاص آخرين. فالدّولة بنظر بيكاريا لا تملك سلطة أخلاقيّة تخوّل لها استخدام عقوبة الإعدام، ولا تملك بالتّأكيد سلطة أخلاقيّة تسمح لها باستعمال التّعذيب.

ـ الثّانية، حجّة دورة العنف:

تنتصب هذه الحجّة أيضا ضدّ تبرير العنف وفقا "لحساب التّفاضل" ذلك أنّ العنف مثله كمثل كرة الثّلج، كلّما ازداد استخدامه ازداد مستخدموه فكبر منسوبه في دوّامة لا يهمّ بعدها إن كان ذلك العنف مبرّرا أو غير مبرّر. فعندما يستخدم [العنف الشّرعيّ] (أ) في مواجهة [العنف غير الشّرعيّ] (ب) يتجاوب الطّرفان مع بعضهما: (ب) مع مزيد من عنف (أ)، و(أ) مع مزيد من عنف (ب) وهكذا إلى ما لا نهاية. والطّبيعة الدّوريّة للعنف موثّقة توثيقا جيّدا[36] لأنّه عندما يحدث فإنه لا يكون في العادة حدثا معزولا عن حالات العنف الأخرى،  بل يكون جزءا من عملية مستمرّة تربط العديد من أعمال العنف التي تبرّر عملا معيّنا منها. ولا ينبغي أن تبرّر نظريّة العنف الضّرر الذي يمكن أن يلحق بالضّحايا فحسب، وإنّما أيضا بعواقبه المحتملة والمتوقعة التي تطلق دوّامة الانتقام والعنف المضادّ. تشير مارثا مينو[37] إلى أنّ ضحايا العنف يستجيبون عادة لمثل هذه الأحداث لا عن طريق الاستسلام وقبول التّعنيف بل عن طريق التّحريض وهو ما يلهم بدوره كلّ حلقة من حلقات الانتقام. ينطبق ذلك على جميع ضحايا العنف، سواء كانوا دولا ذات سيادة تعمل على الصّعيد الدّوليّ، أو مواطنين على الصّعيد الوطنيّ، أو أفرادا على المستوى المحلّيّ. والأدلّة التّجريبيّة على الطّبيعة الدّوريّة للعنف كثيرة جدّا تدلّ في مجملها على أنّه يتعيّن عند قياس تكلفة العنف أخذ آثاره المضاعفة بالحسبان، وهي العملية التي يفضي بها كلّ انتهاك إلى أعمال عنف مضادّ لكن بحجم أكبر.

الجزء السّادس: كيفيّة تبرير العنف

يرفض السّياسيّون أن يكون العنف مبرّرا على الإطلاق، ويرجع ذلك إلى التّوجّس من تبريره حتى عندما تكون هناك قضية عادلة خشية فقد الوسيلة التي من شأنها الحدّ منه عندما يُطلَق له العنان بالتّبرير. والحقيقة أنّ حجاجهم لا أساس له في الواقع بالنّظر إلى أنّ الخوف من تبرير العنف قد يفتح الباب على أعمال بربريّة مريعة، وأن أسوأ الفظائع ارتكبت باسم العدالة من جانب نفس الأشخاص الذين كانوا ضحايا للعنف. لكن هذا ليس كافيا لكي يقوم حجّة ضدّ استخدام العنف في المحاكم، فهذا أمر مفهوم. إنّ "العنف" لا يأتي جملة واحدة،  ومن ثمّة فإنّ أيّ تبرير له لا يشير من حيث المبدأ إلى النّوع الذي يقبل ذلك التّبرير حقيقة، ولا إلى المبرّرات الممكنة التي يمكن أن تحظى بالاعتبار. والمسؤولية في ذلك تقع على عاتق أولئك الذين يعتقدون أنّ العنف يمكن تبريره، لأنّهم لم يشرحوا بأقصى قدر من الدّقّة طرق التّبرير وأنواع العنف المبرّر. إنّ ما أطلق بعد أحداث 11 أيلول سبتمبر 2001 تحت مسمّى الحرب على الإرهاب عن سبيل المثال قد يبرّر بعض العنف ضدّ الإرهابيّين، ولكنّه بالتأكيد لا يبرر قصف الأبرياء، أو اغتصاب السّجناء الحربيّين، أو إضفاء الطّابع المؤسّسيّ على التّعذيب. فالمطلوب هنا هو صياغة مجموعة من المبادئ، وتحديد المسوّغات بصرامة تميّز بين مختلف الأنواع وتبيّن بوضوح تامّ الزّمان والمكان لكي تساعد على التّعاطي مع العنف والتّصدّي لأخطاره المحدقة.

فلأجل أن تكون هناك معايير مطابقة تسعف في تبرير العنف، لا بدّ من أن تراعي المبدأ الأساس الذي ينصّ على وجوب احترام كرامة الأشخاص في جميع الأوقات، وأن تتماشى مع مقتضيات حقوق الإنسان بوصفها قيما كونيّة. لقد اقترح جيراس[38] خطوطا تجعل من الضّروريّ عند تبرير العنف، البدء بصيانة الحقوق الفرديّة ضد الانتهاك لأنّها مطلقة، مع أنّ افتراض قداستها لا يعني عدم تجاوزها إذا كان ذلك هو الوسيلة الوحيدة لتفادي وقوع كارثة وشيكة ومحدّدة. وشرط الكارثة الأخلاقية الوشيكة هذا يزوّدنا بمبدأ أساس ونقطة انطلاق مفيدة تجعل من الممكن الاتفاق على عدد من المبادئ الأخرى ذات الطّبيعة الأكثر دقّة التي يجب أخذها بالاعتبار عند تبرير أيّ عمل من أعمال العنف. علما أنّ كلّ مبدأ من المبادئ مفتوح على عدد من التّفسيرات التي تجعل تطبيقه أكثر أو أقلّ صرامة، أكثر أو أقلّ تصلّبا. وفيما يلي سيتم تحليل أربعة مبادئ بشيء من التّفصيل الذي يقترح تفسيرا بأقصى معنًى ممكنٍ. بينما سيتم في الجزء السّابع أدناه إدخال مبدأ خامس غالبًا ما تهمله الأدبيّات المتعلّقة بالعنف أو الحرب العادلة. وهو مبدأٌ مفيد بوجه خاصٍّ في التّحقّق ممّا إن كان الإرهاب مبرّراً أم لا.

ــ أولا، مبدأ الدّفاع عن النّفس.

وينصّ هذا المبدأ على منع اللّجوء إلى العنف إلاّ لردّ فعل عنيف من أجل صدّ الاعتداء. ويجد مبدأ الدّفاع عن النّفس تأكيدا في القانون الدّوليّ، حيث تسمح المادّة 51 من ميثاق الأمم المتّحدة باستخدام القوّة في الدّفاع عن النّفس ضدّ هجوم مسلّح. غير أنّ هناك اختلاف في وجهات النّظر حول مسألة ما إن كان مبدأ الدّفاع عن النّفس مبرّرا لاستخدام عنف استباقيّ أو منع وقوع هجمات محتملة في المستقبل. يتوقّف الأمر على وجه الخصوص بالنّسبة لمؤيّدي العنف الاستباقيّ على تقييم الوضع عند احتمال وقوع هجمات في المستقبل، علما أنّ القانون الدّوليّ لا يعترف بشرعيّة الدّفاع الوقائيّ عن النّفس ويعتبره غير قانونيّ. بموجب ذلك، ينبغي التّمييز بين الدّفاع الوقائيّ عن النّفس وبين الدّفاع الاستباقيّ عن النّفس ويعبّران معا عن عقيدة عسكريّة ضيّقة تسمح بالابتداء والمبادرة المسلّحة المباغتة لهجوم متوقّع يحتمل أنّه على وشك الانطلاق، أو ردّا على هجوم وقع بالفعل ويتوقّع من منفّذيه المزيد من الهجمات. ويقينا فإنّ مبدأ الدّفاع عن النّفس يشير إلى السّماح بتبرير عنف لا مفرّ منه لصدّ عنف وقع بالفعل، لكنّه لا يشير يقينا إلى عنف ابتدائيّ يردّ على هجوم مفترض لم يخرج إلى حيّز الفعل ولم يبارح دائرة الاحتمال.

ــ ثانيا، مبدأ النّجاح المعقول.

وينصّ هذا المبدأ على عدم وجود ما يبرّر استخدام العنف إلاّ عندما يكون هناك احتمال معقول للنّجاح. مرّة أخرى هناك اختلاف في وجهات النّظر حول ما يشكّل "نجاحا معقولا". وفقا للمبدأ لا يشير مفهوم "النّجاح" إلى الأهداف المتوسّطة مثل تأمين المزايا والمواقع ذات الطّبيعة الاستراتيجيّة، ولكن إلى النّتيجة: أي إنهاء العنف وإخماد التّهديد الأصليّ تحديدا. وفحوى هذا المبدأ أنّه لا ينبغي إهدار حياة الإنسان، ولا حتى أثناء الحرب. فالمخاطرة بحياة النّاس عندما لا تكون هناك فرصة معقولة للنّجاح في إنهاء العنف وإخماد التّهديد الأصليّ تتناقض حتما مع ما للمبدأ من أسس تلزم باحترام سلامة جميع النّاس في جميع الأوقات بما فيهم أولئك الذين نذروا أنفسهم للموت من أجل سبب نبيل. بالإضافة إلى أنّ استخدام العنف غير النّاجح لن يؤدّي بفعل الطّبيعة الدّورية للعنف إلاّ للمزيد من البؤس والدّمار، ومن ثمّة فإنّ العنف لا يمكن تبريره إلاّ إذا كانت هناك فرصة معقولة للنّجاح. وإلى هذا يشير نيلسن[39] عن حقّ فيبيّن "أنّ الظّروف غير الأخلاقيّة وغير العقلانيّة التي تخيّم عند الانخراط في العنف تجعل كلّ شيء عبثا". وإليه يشير أيضا هوندريش[40] عند اعتماد مبدأ النّجاح المعقول في حجّة حساب النّتائج والعواقب لاستخدام العنف المبرّر.

ــ ثالثا، مبدأ التّناسب.

وينصّ هذا المبدأ على ضرورة أن يتناسب العنف المستخدم للرّدّ مع عنف الهجوم الذي يُتصدَى له. فاتفاقيّة الأمم المتّحدة الخاصّة بالحرب تعرّف هذا المبدأ على النحو التّالي: لا يجوز القيام في إطار الرّدّ على هجوم وقع بأيّ أعمال تسبّب أذًى أكبر من الضّرر النّاجم عن ذلك الهجوم حتى لو كان طفيفا. ويوضح ولزر[41] أن مفهوم النّسبيّة هذا لا يعني الضّرر المباشر للأفراد فحسب، بل أيضا "أيّ ضرر يلحق بالمصلحة الدّائمة للإنسانيّة التي يفترض ألاّ يطالها الضّرر سواء أثناء الحرب أو بعد نهايتها وتحقيق النّصر". وينطبق مبدأ التّناسب هذا ليس فقطّ على اتّفاقيّات الحرب، وإنّما لفرض الجزاءات المناسبة على كلّ مخالفة للأنظمة والقوانين أثناء التّنفيذ حتى تكون فعالة في ردع التّجاوزات.

ومرّة أخرى هناك اختلاف في وجهات النّظر حول الطّريقة التي ينبغي أن يفسّر بها مصطلح "التّناسب". تشير إحدى التّفسيرات إلى "المعاملة بالمثل" حينما يستخدم المعتدى عليه نفس العنف الذي استخدمه المعتدي ... ولا يمكن أن يكون هذا صحيحا لأنّ المبدأ في مثل هذه الحالة سيسمح باغتصاب المغتصب أو بتعذيب مقترف التّعذيب، وهي أعمال لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال. ويشير تفسير آخر أكثر صرامة إلى "الاكتفاء"، أي إلى الحدّ الأدنى من العنف اللاّزم، ويتّسق هذا التّفسير مع الحدّ الذي يقضي به المبدأ الأساس وهو احترام حياة كلّ شخص وكرامته، وبذل كلّ الجهود لتقليل الإصابات والدّمار إلى أقصى حدّ ممكن.

ــ رابعا، مبدأ الملاذ الأخير.

وينصّ هذا المبدأ على إمكانية تبرير العنف أخلاقيّا إذا وفقط إذا استُنفذَت كافّة البدائل السّلميّة. ويعدّ هذا المعيار رئيسا في الأساس، حيث يشير ولزر[42] إلى ضرورة استنفاد كلّ الإجراءات السّياسيّة والقانونيّة وجميع الجهود الدّيبلوماسيّة بالوسائل وعبر القنوات المتاحة من وساطة وتحكيم قبل اتّخاذ قرار الحرب بالنّظر إلى الفظائع التي تجلبها الحرب بشكل لا يمكن التّنبّؤ به أو توقعه، والتي لا يمكن تجنّبها عند إعلانها والدّخول فيها. وغنيّ عن البيان أنّ مفهومي "الملاذ الأخير" أو "استنفاذ جميع البدائل" مفتوحان على العديد من التّفسيرات، فمتابعة لوالزر[43] يتعيّن تفسير مفهوم "الملاذ الأخير" بالمعنى الظّاهر المستفاد من العبارة.  فهو يشير إلى "صعوبة الوصول إلى ذلك "الملاذ" لأنّ الوصول إليه يستلزم محاولة الكثير من الأشياء في العديد من المرّات، وهو ما يعبّر عنه في السّياسة بفنّ التّكرار". ويعزّز هذا المبدأ الإحجام عن اللّجوء إلى العنف حتى عندما يكون لذلك العنف ما يبرّره، لأنّ العنف ظاهرة سيّئة خطيرة وخاطئة. وتبريره بحسب جيراس[44] يعني السّماح لفعل خطأ أخلاقيّا تحت طائلة الهروب من عواقب رهيبة جدّا إلى أخرى أكثر رعبا، وهو ما يوقع في خطأ مضاعَفٍ، لأنّ المبرّر منه من منظور، يتعذّر تبريره من منظور آخر، وبذلك "لا يصبح كلّ الحقّ".

الجزء السّابع: مبدأ التّقدّم التّدريجيّ

في محاولة لتحديد المبادئ التي قد تسمح باستخدام العنف، تظهر المبادئ الأربعة التي تمّ تفصيلها بشكل بارز في الدّراسات المتعلّقة بنظريّة الحرب العادلة، وبمفهوم قواعد السّلوك العادل في الحرب على وجه الخصوص. وهناك مبدأ خامس لم يحظ حتى الآن باهتمام مستحقّ يتعيّن على تلك الدّراسات إلحاقه بالمبادئ الأربعة، وهو مبدأ التّقدّم التّدريجيّ أو التّصعيد. وينصّ هذا المبدأ على البدء بالحدّ الأدنى عند ضرورة استخدام العنف، ثمّ التّحرّك بشكل تدريجيّ إذا لزم الأمر. وهو ما يعني الاحتكام إلى الخيارات والاستراتيجيّات غير العنيفة في إدارة الأزمات قبل اللّجوء إلى العنف على نحو ما هو مفصّل في مبدأ "الملاذ الأخير" وما أيّده هربرت ماركيوز[45]. حيث يظلّ من المتعيّن دائما وضمن مجموعة ممكنة من الاستراتيجيّات اعتماد أقلّ العنف قبل التّدرّج نحو استراتيجيات أكثر عنفا عند الفشل. ولإعطاء فكرة تقريبيّة عن كيفية عمل مبدأ التّقدّم التّدريجيّ في المواجهة السياسيّة يجب أن تكون الخطوة الاستراتيجيّة الأولى هي الحوار، وعند فشل هذه الخطوة يصبح ممكنا الانتقال إلى خطوات أخرى تتدرّج بشكل متصاعد في إعمال العنف، فيكون مثلا البدء بالعصيان المدنيّ غير العنيف، وعند الفشل يليه العصيان المدنيّ العنيف، وعند الفشل أيضا يكون اللّجوء إلى الصّراعات منخفضة الكثافة، ثمّ إلى الثّورة في الأقصى بعد الوصول إلى الباب المسدود. ففي الاستراتيجيّات غير العنيفة، وفي جميع الحالات يجب أن يتّبع العنف دائما مبدأ التّقدّم التّدريجيّ على أن تراعى القيم الأخلاقيّة والأعراف الجارية في إدارة الصّراع من أجل الحفاظ على الأرواح والممتلكات العامّة. وعندما يفشل اللاّعنف، وفقط عندما يفشل تستهدف الكائنات الجامدة بشكل محدّد ومحدود في المقام الأوّل، وعندما يفشل هذا التّخريب المحدود، يمكن التّفكير في استهداف الأشخاص المناوئين للخيارات العادلة والحلّ الدّائم. ومرّة أخرى ينبغي تطبيق مبدأ التّدرّج عند استهداف الأشخاص بتعريضهم لإصابات طفيفة قبل اللّجوء إلى إيقاع إصابات أكثر خطورة، حيث يتعيّن أن يكون القتل دائما هو آخر الخيارات الممكنة. فللعنف درجات ونوع كما يشير إلى ذلك نيلسن[46] الذي يقترح في هذا السّياق عن سبيل المثال، "التّمييز بين العنف ضدّ الممتلكات والعنف ضدّ الأشخاص".

إنّ التّقيّد الصّارم بجميع المبادئ التي نوقشت حتى الآن ضروريّ قبل التّفكير في العنف، وهو يقود إلى التّساؤل حول ما إن كانت المبادئ القائمة مبرّرة للإرهاب على قدر تبريرها للعنف السّياسيّ؟ قبل الإجابة عن هذا التّساؤل يكون من الجدير التّمييز بين العنف السّياسيّ وبين الإرهاب للتّأكيد على أنّ تبرير بعض العنف لا يبرّر تلقائيّا كلّ العنف، كما يشير إلى ذلك نيلسن[47] حينما يرى "أنّ الرّسالة التي تفيد ما يبرّر العنف في بعض الأحيان لا تعني ولا تشمل على الإطلاق الدّفاع عن الإرهاب". ففيما يتعلّق بالإرهاب، يعتمد الكثير على ما يعنيه هذا المصطلح بالضّبط علما أنّه مثير للجدل، مختلف فيه ومتنازع عليه. فإذا كان الإرهاب عن سبيل المثال كما يعرّفه والزر[48] بأنّه ذلك القتل العشوائيّ والتّعسفيّ الذي يستهدف الأبرياء، فإنّ الإرهاب لا يمكن تبريره تحت أيّ ظرف من الظّروف. لكن الإرهابيّين لا يستهدفون دائما الأبرياء كما يشير إلى ذلك فوليندوايدر[49]، فتخريب قاعدة عسكريّة ينعت بأنّه عمل إرهابيّ على الرّغم من أنّه لا يستهدف عزّلا وأبرياء، ولا هو قتل لأجل القتل. لقد توخّى نيلسون مانديلاّ[50] هذا النّوع من العنف السّياسيّ وأيّده قبل اعتقاله عام 1961، وبذلك لا يكون إرهابا لأنّه ليس انخراطا  في قتل أي شخص.

لكنّ المشكلة العالقة التي تخصّ الإرهاب هي اعتماد الإرهابيّين على القتل كاستراتيجيّة وحيدة يستمرّون عليها في الغالب، ما يضعهم موضع الخطأ والتّعارض مع جميع المبادئ والأعراف التي يتعيّن التّقيّد بها قبل اللّجوء إلى العنف الأقصى. فهم متعوّدون بالقتل على البدء معه من أعلى، وهذا يتناقض على وجه الخصوص مع مبدأ التّصعيد والتّقدّم التّدريجيّ، ويلغي ما لديهم من حجج لتبرير ما يقومون به. ويؤكّد بالتّالي حرصهم على أعمال القتل والتّخريب، وعدم رغبتهم في إعمال استراتيجيات أخرى يرون أن لا وقت لديهم يضيّعونه في استنفادها.

يذكّر جاجار[51] على حقّ تماما بأنّ الإرهاب ليس نوعا محدّدا من الصّراع، بل هو تكتيك يستخدم في أنواع ومراحل مختلفة منه. إذ لا ينبغي أن يكون الإرهاب مساويا لأيّ طريقة تخويف أخرى، فالإرهابيّون يستخدمون أساليب متنوعة من التّدمير وسفك الدّماء تجعلها منعدمة القيمة أخلاقيّا، وكلّ تبرير لها لا بدّ وأن يكون مضلّلا. فالسّؤال "هل يمكن تبرير الإرهاب؟" لا يمكن الإجابة عنه بحديث عامّ مجرّد من المعرفة الملموسة، وبالتّالي يجب أن يحلّ محلّه التّساؤل عن ماهية الإرهاب وإمكانيّة تبريره. نعم هناك إرهاب يستجمع عنفه شروط عدم التّبرير، وهناك عنف آخر أقلّ تطرّفا وشدّة قد تعتمد شرعيّته على السّياق ولا يمكن رفضه مسبقا لأسباب أخلاقيّة.

هناك حاجة إلى التّفكير في نهج قائم على المبادئ من أجل معرفة ما إن كان للإرهاب ما يبرّره في سياق معيّن ونوع معيّن. فإذا كان المبدأ الأساس بالإضافة إلى المبادئ الخمسة الأخرى التي تمّت مناقشتها في هذا الفصل قائمة تفرض التزاما دقيقا، فلا يوجد أيّ سبب يمنع من تبرير نوع معيّن من ذلك الإرهاب. يشرح مانديلاّ[52] في سيرته الذّاتيّة "الطّريق الطّويل إلى الحرّيّة" أنّه قد تمّ النّظر عند تخطيط الاتّجاه الذي اضطلع به الجناح العسكريّ للحزب الوطنيّ الأفريقيّ في أربعة أنواع من الأنشطة العنيفة: التّخريب، حرب العصابات، الإرهاب، والثّورة المفتوحة ومضى يقول: "بما أنّ حزب المؤتمر الوطنيّ الأفريقيّ كان متردّدا في اعتناق العنف على الإطلاق، فمن المنطقي أن يبدأ بالتّخريب كشكل عنيف ينتج عنه أقلّ قدر من الضّرر لدى الأفراد". ويشير هذا إلى أنّ مانديلاّ كان يفكّر بطريقة التّصعيد على غرار مبدأ التّقدّم التّدريجيّ، لذلك فهو يذكر أنّه لم يستبعد أنواعا أخرى من العنف فيقول: "وإذا لم ينتج التّخريب النّتائج التي أردناها، كنّا على استعداد للانتقال إلى المرحلة التّالية: حرب العصابات والإرهاب".

الجزء الثّامن: الخلاصة

هل يمكن تبرير العنف؟ يشير هذا الفصل إلى إمكانية تبريره على الأقلّ من النّاحية النّظريّة، لكن عمليّا يصعب القيام بذلك، بل يكون تبرير الإرهاب أصعب إن لم يكن مستحيلا. فبعد التقييم ودحض حجّتي الهوّيّة وحساب النّتائج أو العواقب اللّتين استُعمِلَتا في الغالب لتبرير استخدام العنف، يطرح هذا الفصل نهجا بديلا يدعو إلى الالتزام بمجموعة من المبادئ، انطلاقا من احترام حياة وسلامة جميع الأشخاص في جميع الأوقات كمبدأ أساس، تليه المبادئ الخمس المذكورة باعتبارها مبادئ رئيسة وهي: الدّفاع عن النّفس؛ النّجاح المعقول، التّناسب، الملاذ الأخير، والتّصعيد أو التّقدّم التّدريجيّ. فوفقا لهذه المبادئ تكون الغالبيّة العظمى من أعمال العنف لا أساس لها ولا مبرر. منها على وجه الخصوص أعمال القتل إلاّ في أشدّ الظّروف، مع أنّ هذا لا يعني أنّه من حيث المبدأ لا يمكن تبرير العنف، ويشمل ذلك الإرهاب.

***

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ*

..............................

المصادر

Arrigo, J,M. ‘a Utilitarian   Argument Against Torture Interrogation of Terrorist’, Science and Enginaring Ethics,Vol.10,No.3

Audi,R. ‘On the Meaning and Justification of Violence’, in Jerome A. Shaffer (ed) Violence, New York, David Mkay Company, 1971

Beccaria, C, On Crimes and Punishments and Other Writings, Bellamy (ed), Cambridge, Cambridge University Press,1995

Crenshaw ‘The Causes of Terrorism’, in Bestman, C. (ed) Violence A Reader, Basingstok: Macmillan, 2002

Fullinwider, R. ‘Understanding Terrorism’, in S. Luper-Foy (ed), Problems of International Justice, Boulder, Co, Westview Press, 1988

Geras, N. ‘ Our Morals’, in N. Geras, Discourse of Extremity, London, Verso, 1990

Govier ,T. Forgiveness and Revenge, London: Routledge, 2002

Guies, T. Violence, Media and the Crisis of Masculinity, 2000

Honderich, T. Terrorism for Humanity: Inquiries in Political Philosophy, London, Pluto, 2003

Hook, S. Revolution, Reform and Social Justice, Oxford, Blackwell, 1976

Jaggar, A. ‘What is Terrorism, why is it Wrong, and Could it Ever be Morally Permissible?’ Journal of Social Philosophy, Vol .36, No .2. 2005

Katz, J. ‘Men, Masculinities, and Media: Some Introductory Notes’, Research Report, Wellesley Centrers for Women, Vol. 2, No. 2. 1999

Keane, J. Reflection on violence, London, Verso,1996

Kristeva. J. Revolt, She Said, Cambridge, MA; Semiotext(e) /MTT Press, 2002.

Mandela,N, Long Walk to freedom, London, Abacus, 1995

Martha, M. Breaking the Cycle of Hatred: Memory, Law, and Repair, Nancy L. Rosenblum (ed), Princeton, Princeton University Press. 2003

Murphy, J.93d Civil Disobedience and Violence, Belmont,CA: Wadsworth, 1971

Macey, D. Frantz Fanon: A Life, London, Granta Book, (2001)

Marcuse, H. ‘Ethics and Revolution’, in R.t. DeGeorge (ed) Ethics and Society, New York, Doubleday, 1966

Nietzsche. A Nietzsche Reader, Harmondsworth: Penguin, 1977

Nielsen. ‘On Justifying Violence ‘, Inquiry, Vol.24.1981

Presby, G. ‘on the Role of Violence in Liberation: A Comparison  to Gandhi and Mandela’, in L.R. Gordon, T.D. Sharpley-Whiting, and R.T WHITE(ed), Fanon: A Crirical Reader, Oxford, Blackwell.2002

Rawls, J. Theory of Justice, Cambridge, MA, Harvard University Press, 1971

Sartre, J.P. ‘Preface to Frantz Fanon’s Wretched of the Earth’, in Scheper-Hughes, N. and Bourgois, S,P 9ED0 Violence in War and Peace, An Anthology, Oxford, Blackwell, 2004,p 231

Solomon. A passion for Justice: Emotions and the Origins of the Social Contract, New York: Addison-Wesley, 1990

Tronto, J. ’Frantz Fanon’, Contemporary Political Theory, Vol 3, No3. 2004

Walzer, M. Just and Unjust War, New York, Basic Book, 1977

Walzer, M. ‘Terrorism; A Critique of Excuses’, in S. Luper-Foy(ed), Problems of International Justice, Boulder, Co, Westview Press, 1988

 هوامش

 [1] Gert.B Morality: Its Nature and Justification, New York, Oxford University Press, 1969

[2]    راولز جون، نظرية في العدالة، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، ترجمة ليلى الطويل، 2011، ص410

[3]   راولز جون، نظرية في العدالة ، ص 429.

[4] Audi, R. ‘On the Meaning and Justification of Violence’, in Jerome A. Shaffer (ed) Violence, New York, David Mkay Company, 1971.

[5] Gras, N. ‘Our Morals’, in N. Geras, Discourse of Extremity, London, Verso, 1990.

[6] Audi, R. ‘On the Meaning and Justification of Violence’ p 86

[7] Geras, N. ‘Our Morals’, p.23

[8] حول الوصف المتكرر عن كيفية فرض الظلم من خلال استخدام العنف خلال القرن العشرين، انظر:

Glover, J. Humanity: A Moral History of the Twentieth Century, Ney Haven, CT; Yale University Press, 2001

جيراس  مؤلف سياسي مؤثر وذو نفوذ،  فقد تبنى موقفا  يرى على اليسار البريطاني أن يدعم  الحرب ضد صدام حسين، فبالنسبة لأي اشتراكي  ليس هناك شر أكبر من الديكتاتورية الشمولية التي يجب أن تهزم باستخدام جميع الوسائل المتاحة.

[9]  انظر: الدراسة المثيرة للاهتمام بشأن ثقافة العنف والذكورية

Katz, J. ‘Men, Masculinities, and Media: Some Introductory Notes’, Research Report, Wellesley Centers for Women, Vol. 2, No. 2. 1999

وأيضا دراسته:

Guies, T., Violence, Media and the Crisis of Masculinity, 2000

[10] Nietzsche. A Nietzsche Reader, Harmonds worth: Penguin, 1977, pp. 100-101.

[11]  هناك أيضا مؤيدون لحجة الهوية وهم أولئك الذين يدافعون عن المقبولية الأخلاقية للانتقام، انظر على سبيل المثال:

Murphy, J. 93d Civil Disobedience and Violence, Belmont, CA: Wadsworth, 1971. Solomon. A passion for Justice: Emotions and the Origins of the Social Contract, New York: Addison-Wesley, 1990. Govier,T,. Forgiveness and Revenge, London: Rout ledge, 2002

[12] Presby,G., ‘ Fanon on the Role of Violence in Liberation: A Comparison  to Gandhi and Mandela’, in L.R. Gordon,T.D. Sharpley-Whiting, 1996, and R.T White (ed),Fanon: A Crirical Reader, Oxford, Blackwell. 2002

[13] Crenshaw, M. ‘The Causes of Terrorism’, in Bestman, C. (ed) Violence : A Reader, Basingstok, Macmillan, 2002.

[14] Macey, D. Frantz Fanon: A Life, London, Granta Book, (2001).

[15] Tronto, J. ’Frantz Fanon’, Contemporary Political Theory, Vol.3, No3.2004

[16] Sartre, J.P. ‘Preface to Frantz Fanon’s Wretched of the Earth’, in Scheper-Hughes, N. and Bourgois, S,P 9ED0 Violence in War and Peace, An Anthology, Oxford, Blackwell, 2004,p 231

[17]  المصدر نفسه، ص233

[18] Kristeva. J. Revolt, She Said, Cambridge, MA; Semi text(e) /MTT Press, 2002. P.12

[19]  المصدر نفسه، ص 13

[20] Keane,J., Reflection on violence, London, Verso,1996.

[21] Keane, J., Reflections on Violence, London, Verso, 1996.p.75

[22] Sartre, J.P. ‘Preface to Frantz Fanon’s Wretched of the Earth’, p.231

[23] Kristeva. J., Revolt, She Said,p.114

[24] Audi,R. ‘On the Meaning and Justification of Violence’, p.89

[25] Gert.B, Morality: Its Nature and Justification.

[26] المصدر نفسه، ص 612.

[27] المصدر نفسه، ص 623.

[28] Nielsen., ‘On Justifying Violence ‘, Inquiry, Vol.24. 1981, p.29. 

[29] Geras, N. ‘Our Morals’

[30] Nielsen. ‘On Justifying Revolution’, Philosophy  and phenomenological Research, Vol,37,1976-1977,p.527-528

[31] Moor, B. Poplitical Power and Social Theory: Seven Studies, New York, Harper Row,1962

[32] Geras, N. ‘ Our Morals’, p.27.

[33] Gert.B, Morality: Its Nature and Justification, p 623.

[34] Arrigo, J,M. ‘a Utilitarian   Argument Against Torture Interrogation of Terrorist’, Science and Engineering Ethics,Vol.10,No.3

[35] Beccaria, C, On Crimes and Punishments and Other Writings, Bellamy (ed), Cambridge, Cambridge University Press,1995

 [36] حول وجهة النظر التي  مفادها أن العنف يولد العنف، ومخاطر دورة العنف  التي لا نهاية لها انظر:

Hook, S. revolution, Reform and Social Justice, Oxford, Blackwell, 1976

[37] Martha, M. Breaking the Cycle of Hatred: Memory, Law, and Repair, Nancy L. Rosenblum (ed), Princeton, Princeton University Press. 2003

 [38] Geras, N. ‘Our Morals’,p.49

[39] Nielsen. ‘On Justifying Violence, P.35

[40] Honderich, T. Terrorism for Humanity: Inquiries in Political Philosophy, London, Pluto, 2003

[41] Walzer, M., Just and Unjust War, New York, Basic Book, 1977, p. 129

[42] Rawls, J. Theory of Justice, Cambridge, MA, Harvard University Press, 1971

[43] Walzer, M. ‘Terrorism; A Critique of Excuses’, in S. Luper-Foy(ed), Problems of International Justice, Boulder, Co, Westview Press, 1988, p.293

[44] Geras, N. ‘Our Morals’, 1990, p. 49

[45] Marcuse, H. ‘Ethics and Revolution’, in R.t. DeGeorge (ed) Ethics and Society, New York, Doubleday, 1966

[46] Nielsen. ‘On Justifying Violence‘ P.35

[47]  المصدر نفسه، ص 22

[48] Walzer, M. ‘Terrorism; A Critique of Excuses’

[49] Fullinwider, R. ‘Understanding Terrorism’, in S. Luper-Foy(ed), Problems of International Justice, Boulder, Co, Westview Press, 1988

[50] Mandela, N, Long Walk to freedom, London, Abacus, 1995

[51] Jaggar, A.‘What is Terrorism, why is it Wrong, and Could it Ever be Morally Permissible?’ Journal of Social Philosophy, Vol.36, No.2. 2005

[52] Mandela, N, Long Walk to freedom, p.336

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5774 المصادف: 2022-06-27 01:33:55


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5822 المصادف: الاحد 14 - 08 - 2022م