 علوم

هل يستطيع العلم توضيح بداية الكون؟

ان أصل الكون او بداية كل شيء هو مسألة يلفها الكثير من الغموض  في كلا الروايتين العلمية والدينية. هذا ليس لأنهما يواجهان المشكلة بنفس الطريقة، بالتأكيد ليس كذلك. انما المشكلة لأن السؤال المطروح في كلا القصتين هو ذاته. نحن نريد معرفة كيف جاء كل شيء للوجود. نريد معرفة ذلك لأنه في غير ذلك ستبقى القصة غير كاملة. نحن مخلوقات لهذا الكون، وقصة الكون هي في الأساس قصتنا ايضا. لا اعتراض على ان علم الكون الحديث وعلم الفلك أنتجا رواية رائعة للتاريخ المبكر للكون. ولكن هل يستطيع العلم حقا إعطاء الجواب؟ . كما بالنسبة لي ولكل شخص آخر، للكون تاريخ ميلاد. نحن نعلم انه بدأ قبل 13.8 بليون سنة، ونستطيع ان نصف وبثقة كيف تطور الكون بدءاً من جزء من مائة من الثانية بعد الانفجار العظيم، رغم ان هناك بعض الفجوات الهامة في تاريخ الكون لازال يتوجب علينا ملئها. تلك المعرفة هي إنجاز هائل، لكن السؤال الذي مازال أمامنا هو ما مدى قرب العلم من الأصل الاول.

تاريخ الحياة

الأشياء تصبح اكثر تعقيدا  لو أبقينا على مقارنة يوم الميلاد. كل واحد منا له أبوين. آباؤنا ايضا لهم آباء، وهكذا. نحن نستطيع تعقّب هذه الاستمرارية رجوعا الى أول وجود حي، والذي نسميه أصلنا المشترك الاخير وهو بكتريا عاشت قبل 3 بليون سنة. حالما نجد ذلك الأصل سنواجه سؤالا آخر اكثر صعوبة وهو: كيف جاء ذلك الكائن الحي الأول اذا لم يكن هناك كائن حي سابق له ؟التوضيح العلمي المقبول الوحيد هو ان الحياة يجب ان تكون خرجت من لاحياة. انها خرجت قبل 3.5 بليون سنة من زيادة التعقيدية في التفاعلات الكيميائية بين الجزيئات الحيوية الموجودة في الشكل البدائي الأول للأرض.

وماذا عن الكون؟ كيف جاء الكون للوجود اذا لم يكن هناك شيء قبله؟ اذا كان أصل الحياة يشكل غموضا محيرا، فان أصل الكون هو أكثر حيرة وغموضا. الكون، حسب التعريف ينطوي على كل ما هو موجود. كيف يمكن لكل شيء ان يأتي من لا شيء؟ مهمة العلم هي تطوير توضيحات دون اللجوء للتدخل الديني. العلم يستعمل قوانين الطبيعة كخطة انطلاق له. المحدودية هنا تجعل من الصعب جدا للعلم وصف أصل الكون. هذه المشكلة تُعرف في الفلسفة بالسبب الأول. اذا كان الكون خرج بفعل ذاته، فهو يكون نشأ بسبب ليس له مسبب. انه خرج الى الوجود بدون أصل سابق له. العلم يعمل ضمن حدود مفاهيمية واضحة. لكي يوضح أصل كل شيء، يحتاج العلم لتوضيح ذاته. ولكي يقوم بهذا، سيحتاج الى اسلوب جديد للتوضيح العلمي.

قصة الكون لا يمكن ان تبدأ في صفحة ثانية

الأوصاف الحالية لأصل الكون تعتمد على دعامتين رئيسيتين اثنين في فيزياء القرن العشرين. الدعامة الاولى هي النسبية العامة لاينشتاين القائلة ان الجاذبية هي نتيجة لإنحناء الفضاء الناتج عن وجود الكتلة. الدعامة الثانية هي فيزياء الكوانتم التي تصف عالم الذرات وما دون الذرة. اذا أخذنا بالإعتبار ان الكون في طفولته كان صغيرا جدا فان تأثيرات الكوانتم ستكون هامة. النظريات الحالية لأصل الكون بدءاً من نظرية الأوتار مرورا بالجاذبية الكوانتمية الحلقية وحتى الكون المتأرجح بين التوسع والانكماش – كلها تستعمل الآثار الغريبة التي وصفتها فيزياء الكوانتم لتوضيح ما يبدو غير قابل للتوضيح. القضية هي الى أي مدى يمكن لتلك النظريات ان توضح حقا السبب الأول. بنفس الطريقة التي تتحلل بها النواة المشعة تلقائيا، فان كامل الكون ربما نشأ من تقلبات عشوائية في الطاقة – فقاعة في الفضاء ظهرت من "لاشيء" تطلق عليها فيزياء الكوانتم اسم الفراغ. الشيء المثير للانتباه هو ان الفقاعة كانت عبارة عن  تقلبات لصفر من الطاقة، نتيجة تعويض ذكي بين الطاقة الموجبة للمادة والطاقة السالبة للجاذبية. هذا يوضح لماذا يكتب العديد من الفيزيائيين للناس العامة وبثقة يؤكدون لهم ان الكون خرج من لا شيء – الفراغ الكوانتمي هو لاشيء، ويعلنون بفخر ان تلك القضية اُغلقت. لسوء الحظ، الأشياء ليست بهذه البساطة. ما سُمي لاشيء، او الفراغ الكوانتمي الفيزيائي هو بعيد جدا عن الفكرة الميتافيزيقية للفراغ التام. في الحقيقة، الفراغ هو كينونة ممتلئة بالفعالية، حيث ان الجزيئات تتحد وتختفي كالفقاعات عند التسخين. لكي نعرّف الفراغ، نحتاج للبدء من عدة مفاهيم أساسية مثل الفضاء، الزمن،حفظ الطاقة، ومجالات الجاذبية والمادة. النماذج التي يضعها العلماء تعتمد على قوانين الطبيعة التي جرى اختبارها فقط لمواقف بعيدة جدا عن بيئة الكون البدائي الاول.

الفراغ الكوانتمي هو سلفاً تركيب او بناء ذو تعقيدية هائلة. لكي نستعمله كنقطة ابتداء يعني ان نبدأ قصة الكون في صفحة ثانية من الكتاب. محاولاتنا لفهم كيف بدأ الكون تتطلب منا تخمين حجم للطاقة اكثر مما يمكن اختباره بألف ترليون مرة. لكن يبقى هناك أمل بتحقيق تقدم. غير ان تلك التنبؤات حول الكون المبكر ترتكز على ما نستطيع قياسه بوسائلنا، وعلى استعمال النماذج الحالية لفيزياء الطاقة العالية. هذه النماذج هي ايضا ترتكز على ما نستطيع قياسه، وعلى ما نعتبره تخمين مقبول. هذا الاتجاه يُعتمد لكي تُدفع حدود المعرفة الى عوالم غير معروفة. ولكن يجب ان لا ننسى ان ما يعتمد عليه هذا الاطار النظري لا يجعلنا متأكدين من كيفية فهم أصل الكون. الإعلان عن تعدد الأكوان، والقول انه أبدي، والاستنتاج ان كوننا هو فقاعة خرجت من ذلك الكون المتعدد، كل ذلك لا يجعلنا قريبين من الجواب الحقيقي.

الكون سيدفع الجميع للتواضع

لايبدو ان العلم كما يُصاغ الآن يستطيع الإجابة على سؤال أصل الكون. ما يستطيع عمله هو توفير نماذج تصف سيناريوهات محتملة. هذه النماذج هي أدوات ممتازة يستطيع العلماء استعمالها لدفع حدود المعرفة الى أوقات مبكرة ومبكرة جدا، بأمل ان ترشدهم تلك الملاحظات والبيانات الى حدود أبعد. لكن هذا يختلف جدا عن توضيح أصل الحياة من خلال كيمياء معقدة. لكي نوضح أصل كل شيء، نحتاج الى علم قادر على توضيح نفسه وأصل قوانينه. نحتاج الى ما فوق النظرية metatheory توضح أصل النظريات. تعدد الأكوان ليس مخرجا. نحن لا نزال نحتاج الى اطار مفاهيمي للفضاء والزمن ومجالات لوصفهما. وليست لدينا أي فكرة كيف تتغير قوانين الطبيعة بين الفروع المختلفة لهذا الكون المتعدد. المحدود والمضاد له و اللاشيء هي ادوات ضرورية للرياضيات. لكنها خطيرة جدا كمفاهيم لوصف الحقيقة الطبيعية. هي متاهات يسهل التيه فيها، كما يذكر جورج لويس بورخيس في (مكتبة بابل)(1). تشخيص الصعوبة العلمية المفاهيمية عادة ما تُواجه بسخرية كموقف انهزامي. السؤال الصارم الذي يتبع هو، "هل يجب علينا التخلي عن المهمة؟" بالطبع نحن لا يجب ان نتخلى. المعرفة تتقدم فقط عندما ندفعها الى الأمام ونتحمل مخاطرة القيام بهذا. لاعيب في اندفاعنا لفهم الاسطورة العميقة من خلال العقل والمنهجية العلمية. العيب هو الادّعاء اننا نعرف أكثر مما لدينا من معرفة واننا نفهم الأشياء التي تشير وفق التفكير الحالي اننا بعيدين جدا عن الفهم. هناك عدة أسئلة تتطلب تواضعا فكريا، وأن أصل الكون هو في مقدمة تلك الأسئلة.

***

حاتم حميد محسن

........................

Bigthink.com, 25 May 2022

الهوامش

(1) كتاب مكتبة بابل The Library of Babel للكاتب Borges Jorge Luis صدر عن دار بنجوين في نيويورك عام 1998،والقصة كانت نُشرت في الأصل في مجموعة بورخس عام 1944. ان الكون (يسميه البعض مكتبة) مؤلف من عدد لا متناهي من القاعات ذات الأضلاع السداسية  رُصت الى بعضها، في وسط كل قاعة هناك منفذ للتهوية. من أي ضلع سداسي يمكن للمرء ان يرى الطوابق العليا والسفلى، الواحدة بعد الاخرى الى ما لا نهاية. ترتيب القاعات كان دائما هو ذاته: 20 رف للكتب، 5 لكل جانب. المكتبة تحتوي على كل ما كُتب وما سيُكتب. وجميع الكتب بلغة واحدة. القصة هي من أروع القصص الخيالية التي تسعى لتخيّل اللانهائي، فيها تتجسد الصلة بين الفلسفة والخيال الى أبعد الحدود وفي وقت واحد.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5744 المصادف: 2022-05-28 09:06:40


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5784 المصادف: الخميس 07 - 07 - 2022م