أقلام ثقافية

علي فضيل العربي: مازلت تلميذا

كلّما صادفته في الطريق، يمشي الهوينى، وقد أثقل الدهر خطواته، مستعينا بعكازه، الذي نسمّيه في بلدتي (خيزرانة)، هرعت نحوه كي أسلّم عليه وأقبّل ناصيته، لحظتها يخرج من جيبه حبّة حلوى ويسلّمها لي كأنّني مازلت – في نظره - ذلك التلميذ الصغير في صفّه الابتدائي.

هو ذاك معلّمي وشيخي وسيّدي في سنوات المرحلة الابتدائيّة في سنوات الستينات. كان حظّي أن أدخلني والدي المدرسة، بعد أربع سنوات من نيل بلدي، الجزائر، استقلالها وحريّتها. وخروج الاحتلال الفرنسي الغاشم مهزوما، مدحورا، يجرّ وراءه الخيبة والذل والمهانة.

منذ عرفته لم يتغيّر معلّمي. مازالت صورة حركاته وسكناته ونظراته داخل الصفّ ماثلة أمام عينيْ، بلغ سنّ التقاعد فتقاعد، وكانت منحة نهاية الخدمة لا تتعدّى مصاريف شهر واحد أو ملاليم كما يقول إخواننا في أم الذنيا. كانت أجرته فيما أعلم زهيدة، لا تكاد تسدّ مصاريف الشهر، لم تسعفه تلك الآلاف من الدينارات في شراء سيارة أو منزل أو في قضاء عطلة صيفيّة أو ربيعيّة في مركّب سياحيّ في بلده، أو القيام برحلة سياحيّة في بلد مجاور أو غير مجاور، عربيّ أو أعجميّ. وفي حفل تكريمه بمناسبة تقاعده أهدوه منبّها صينيّا ولوحة كُتبت عليها سورة الناس. ووعدته الخدمات الاجتماعيّة بدفع نصف مبلغ العمرة، إن حالفه الحظ في القرعة، لكنّ الحظ خانه وأدار له ظهره ولم يعتمر.

و من مكارم معلّمي – التي مازالت عالقة بالذاكرة – أنّه كان رجلا قنوعا بأجرته الزهيدة، ولم يفكّر يوما في استغلال ما يسمّيه معلّمو اليوم (الدروس الخصوصيّة) التي أرهقت مصاريفها جيوب الأولياء في مراحل التعليم كلّها. بل كان يخصص حصص دعم مجانيّة لتحسين مستوى بعض تلاميذه المتأخرين عن زملائهم. كان معلّمي – حفظه الله وجزاه عن كلّ حرف علّمه لمئات التلاميذ عبر مسيرته التعليميّة – حريصا على نجاحنا، يعاملنا كما يعامل الحكيم الحاذق الجسد الواحد، يحنو علينا حنان الأب الرؤوف بأبنائه، ويشجعنا بجوائزه البسيطة في نظره، القيّمة في نظرنا، كأنّ يمنحنا قلما أو بطاقة بريديّة جميلة أو كتيبا لقصة مصوّرة، أو قطعة شيكولاطة. وكان إذا وعد أنجز، ولا أتذكّر أنّه اخلف أو سوّف وعده، كما فعل عرقوب، الذي صارت قصته مثلا يُضرب في خلف الوعد (أخلف من عرقوب).

في إحدى الصباحات الخريفيّة أبت ابنتي الصغيرة المتمدرسة في مدرسة ابتدائيّة محاورة للحي الذي أقطنه، أبت وهي تبكي بحرقة الذهاب إلى المدرسة. فسألتها عن السبب. فقالت لي: إنّ معلّمتنا تحضر معها شوكة (محقنة) طبيّة، وتهدّد تلاميذها وتتوعدهم بوخزهم بها إن هم أخطأوا الجواب في مسألة حسابيّة أو تمرين لغويّ، وهي خائفة بل مرعوبة من ذلك. أخذت ابنتي الصغيرة، بعدما هدّأت من روعها وأمنتها وطمأنتها. وطلبت لقاء معلّمتها، فلقيتها، واستفسرت منها الأمر، أهو صحيح ما قالته لي ابنتي عن قصة الوخز بالشوكة (المحقنة). فقال لي: إي، نعم. ذلك أسلوب أتّبعه لتشجيع تلاميذي على الجدّ والاجتهاد. قلت: إنّ العمل البيداغوجي، التربوي يقوم على الترغيب لا الترهيب، وعلى الوعد لا الوعيد، وعلى الجائزة لا العقوبة. المعلّم، يا سيّدتي، رسول العلم والرحمة ونبع الحبّ والإنسانيّة. وذكّرتها بما قاله أمي الشعراء أحمد شوقي:

قم للمعلّم وفّـــــــــه التبجيــــــلا

كاد المعلّم أن يكون رسولا

*

وإذا المعلّم ساء لحظ بصيرة

جاءت على يده البصائر حولا

كم كان معلّمي رجلا حكيما، طيّبا، كريما، ومازال كلّما التقيته، أعطاني قطعة حلوى، وقد غزا رأسي الشيبُ، فأستلمه منه، وكلّي خجل وتواضع وفرح وسرور، وكأنّه أعطاني كنزا من كنوز الدنيا. ومازلت في نظره تلميذه الصغير على مقعد القسم، ومازال في نظري معلّمي وسيّدي، كلّما التقيته ازداد حبّي وتعلّقي به. وصدق من قال: من علّمك حرفا صرت عبدا له. هل مازال معلّم اليوم كمعلّمي ؟ وهل مازال تلميذ اليوم يمجّد معلّمه ويبجّله وإذا لقيّه بادره بالتحيّة وقبّل يده أو رأسه ؟ يستحي أن يدخّن أمامه – مثلا – أو يبدر منه سلوك مشين كالتجاهل أو التكبّر.

المعلّم – يا سادتي - هو أبو الجميع ؛ الرئيس والوزير واللواء والعالم ورائد الفضاء والحكيم والصيدلي والمهندس والمدير والقاضي والمحامي والأستاذ والعبقري والفيلسوف والصحفي والملك والأمير والخليفة والسلطان والصانع والمخترع والطيّار ورباّن السفينة. وباختصار هو قلب المجتمع وعقله ولبيبه.

المعلّم في أوروبا الليبيراليّة واليابان وأمريكا الشماليّة – يا سادتي - هو حجر الزاويّة في حركيّة المجتمع وتطوّره العلمي والتكنولوجي والاقتصادي. ولمّا سئل أحد الفاعلين السياسيين في اليابان عن سرّ النهضة العلميّة والتكنولوجيّة والاقتصاديّة التي شهدها اليابان بعد خروجه من الحرب العالميّة الثانيّة منهكا ومحطّما، أجاب قائلا: لأنّنا وضعنا المعلّم قبل الوزير. أما المستشارة الألمانيّة الحكيمة أنجيلا ميركل - التي قادت ألمانيا الموحّدة بعقل أرجح من عقول حكام العالم الثالث كلّهم - فقد ردّت على مطلب المضربين، الذين طالبوا برفع أجورهم لتتساوى وأجور المعلّمين قائلة: أتريدون أن أسوّكم بمن علّموكم.

لو كان معلّمي المنهك والمتعب من وطأة واقعه المعيش، معلّمي وسيّدي، الذي تقوّس ظهره كالمنجل في منتميا للمنظومة اليابانيّة أو الألمانيّة، ما رأيته يمشي الهوينى ويتهادى على عكّازه، وقد بدت على محيّاه آيات الخصاصة في مجتمع طفت على سطحه الجيّف والمتردّية.

فتحيّة إلى معلّمي وسيّدي، وإلى كلّ من علّمني حرفا وأنار لي دروب الحياة الكريمة، وأنقذني من الجهل والجهالة وله أهدي هذه الأبيات لأمير الشعراء أحمد شوقي:

قم للمعلّم وفـّـــــــــــــه التبجيلا

كاد المعلّم أن يكون رسولا

*

أعلمت أشرف أو أجلّ من الذي

يبني وينشىء أنفسا وعقولا

*

سبحانك اللهمّ خير معلّم

علّمت بالقلم القرون الأولى

*

أخرجت هذا العقل من ظلماته

وهديته النور المبين سبيلا

*

و طبعته بيـــد المعلّم تارة

 صَــــدِىءَ الحــديدُ وتارة مصقــولا

***

بقلم الناقد والروائي: علي فضيل العربي – الجزائر

في المثقف اليوم