أقلام فكرية

علي محمد اليوسف: الزمكان تداخل مفهوم العلم والفلسفة (1)

تمهيد: حسب التعريف الفيزيائي العلمي بضوء نسبية انشتاين لفظة زمكان بالانجليزية (spacetime) او الزمان المكاني هو مصطلح دمج لمفهومي الزمان والمكان، وينتج عن ذلك فضاء استيعابي بابعاده المادية الاربعة التي تشمل الطول، العرض، الارتفاع، واضاف انشتاين البعد الرابع الزمن. هذا الفضاء او النسيج الاحتوائي يحمل كل شيء بهذا الكون. وكل جسم مهما كان حجمه وكل حدث يخضع لها فلا وجود للاشياء ولا للاحداث خارج نطاقي الزمان والمكان.. (ويكيبيديا الموسوعة).

طبعا بضوء هذا التعريف العلمي فيزيائيا الذي ساتناوله تفصيلا لاحقا بمفهوم فلسفي نقول الزمكان مفهوم افتراضي لامادي رغم تحديده بابعاد المادة الاربعة المدركة عقليا التي مررنا عليها. هذا التحديد المادي رباعي الابعاد يصبح باطلا حينما جرى اعتبار الزمكان فضاءا او حيّزا فارغا من مطلق مكاني- زماني اذا صح مثل هذا التعبير يحتوي كل شيء ولا يحتويه شيئا يدركه العقل. اما اذا اخذنا المصطلح ضمن محدداته المادية الاربع كما هي محددات المادة فانه بذلك التعيّن يصبح مادة خارج العقل انطولوجيا يدركها العقل موضوعا له..

يوجد ارباك واضح بين اعتبار الزمكان مطلق لانهائي بابعاد مادية ارضية يحتوي كل شيء قابل للادراك العقلي. اذن ما موقعه من الفضاء الكوني المطلق اللانهائي الذي لا يمكن تحديده بابعاد مادية او غير مادية يمكن ان يدركها العقل؟ لا اعتقد يوجد فضاء مطلق رباعي الابعاد يحتوي كل شيء ولا يدركه العقل موضوعا له هو وجود خارج مطلق الفضاء كأن يكون في عالم الطبيعة والانسان. السؤال الاشكالي طالما جعل علماء الفيزياء الزمكان تحده حدود المادة التي يدركها العقل فلماذا لا يدرك العقل الزمكان كما يدرك المادة؟.

للخروج من هذا التقاطع المزدوج علينا الذهاب الى ان الزمكان بالمعنى خارج تعينّه بالابعاد المادية الاربعة هو مفهوم افتراضي ارضي لا يدركه العقل. الى جانبه بل يحتويه مطلق فضائي كوني لانهائي اشمل منه ولا ابعاد رباعية تحده هو ما يطلق عليه الفضاء السرمدي الازلي اللانهائي.

ولفظة الزمكان تعني بداهة ما يتعالق مع الارض والطبيعة من مكان.أما أن فيزياء الفضاء إعتبرته حيّزا إحتوائيا هو الاخر منفتحا على استيعاب كل شيء فهي عبارة تحتاج الكثير من التوضيح المقارن مع خاصية الاحتواء اللامحدود للفضاء الكوني. من المفروغ منه بغياب ادراك العقل للاشياء لا يبقى هناك مايسمى زمكانا استيعابيا مستقلا ككيان انطولوجي ندركه ارضيا. ليس كافيا القول الزمكان مفهوم مطلقه نسبي في تعالقه مع ادراك العقل للاشياء. ومطلقا في اعتبار علماء الفيزياء له فضاء منفتحا استيعابيا لكل شيء ندركه خارج العقل وهو غير متعيّن وجودا.

ما هو الزمكان فلسفيا؟

الزمكان وحدة ثنائية افتراضية مستحدثة علميا مستقلة ندركها وعيا وجوديا افتراضيا وليس ادراكا وجودا ماديا انطولوجيا. وعي الزمكان وليس ادراكه العقلي كحيّز احتوائي هو تجريد صوري لغوي. الزمكان حسب علماء الفيزياء وجود انطولوجي، بينما الصحيح هو ما اشار له كانط الزمكان قالبي ادراك فطريان هما وسيلة ادراك الاشياء وليسا موضوعين مستقلين للعقل.

الحقيقة التي يجري الخلط بها اننا بامكاننا ادراك المكان بدلالة زمنية ولا يمكننا ادراك الزمان مستقلا بدلالة مكانية. بمعنى ان وعينا الزمن يقوم على دلالة مكانية معرفية تفترض عدم امكانية ادراك مكان من دون ملازمة زمنية. وهو شرط غير مستوف صحة اثباته. الزمن مطلق يحتوي المكان ولا يحتويه الادراك كموضوع مستقل.

اذا حاولنا تناول ثنائية الزمكان كوحدة مستقلة تم اعتبارها علميا حيّزا احتوائيا مطلقا لكل شيء يدركه العقل رغم اننا نفتقد اثبات ملازمة الزمن لكل مدرك مكاني باستثناء اذا ما نحن اردنا توثيق ادراكنا لشيء زمانيا. بالتوقيت العادي بدءا من الساعة وانتهاءا بالفصول الاربعة.

من هنا يبدو التساؤل منطقيا مطلوبا، هل ملازمة الزمن للمكان هي فقط في حال ادراكنا وحدة الدمج الثنائي بين المكان والزمن؟ ومع هذا الدمج الافتراضي لا يتوفر الزمكان على محدودية تجعل منه موضوعا للعقل الا فقط على مستوى الخيال الادراكي.

ام ان الزمكان هو المكان في وجوده المادي المستقل كما ذهبنا له سابقا؟ لا نتوفر على اثبات علمي فيزيائي ولا على اثبات فلسفي تجريدي يقول ادراكنا المكان هو ادراك زمني له ايضا. الا اذا كنا نرغب توثيق وقت قيامنا بفعالية ادراكية لمكان. كل هذا وربما غيره اكثر واقعية تجعلنا التمسك بحقيقة الزمان مفهوم مطلق او حتى دلالة ادراكية فهو – اي الزمان - لا يكون موضوعا مستقلا لادراك عقلي.

اشارة اجدها مهمة هي ان المكان يغادر خاصيته الوجودية انه موضوعا ماديا يدركه العقل ويصبح حيّزا استيعابيا لكل شيء في حال اقترانه بالزمن لتشكيل الزمكان الحيّز الاحتوائي كما يذهب له علماء فيزياء معاصرين.

اعتقد امام هذا التداخل كان لبرجسون اشارة عرضية تهكمية قوله اننا ندعي ادراكنا الزمن بدلالة ادراكنا المكان. والجواب الجاهز بالرد عليه يكون اننا ندرك الزمكان كثنائية غير قابلة للتجزئة والانقسام. وان حقيقة ما ندركه هو المكان مجردا عن زمانيته الافتراضية. ونظرية اننا لا ندرك مكانا من غير ملازمة زمنية له ليست واقعية ولا حقيقية ولا جرى اثباتها علميا.

الافتراض الاقبح مما مررنا عليه هو ما ينسب حديثا لعلماء الفيزياء الكونية ان الزمن يمكنه الانفصال عن المكان ليصبح مدركا مستقلا بذاته . ادراك الزمن نسبيا بدلالة المكان على الارض لا يجعل من مطلق الزمان امكانية يدركها العقل. نسبية الزمان الارضي لا تلغي انه جزء من مطلق زماني فضائي كوني لا يمكن تجزءته.

ما ينسب لعلماء الفيزياء الكوني ان انفصال ثنائية الزمكان الى زمن ومكان يحتفظ كل منهما باستقلالية يتيح ان يصبح الزمن مكانا كما يبيح ان يصبح المكان زمانا اجدها لعبة فيزيائية تحتاج اثباتا تجريبيا. في نفس الوقت الذي نادوا به ان ثنائية الزمكان لا انفصال يطالها والسبب انهم اعتبروا الزمكان فراغا احتوائيا لكل شيء ممكن يدركه العقل. بينما الزمكان ليس موضوعا مستقلا لادراك عقلي بل هو وعي تجريدي خاضع للعقل. هو حسب تعبير كانط وسيلة ادراك وليس موضوعا لادراك.

ربما نجد تخريجا تلفيقيا في تمرير الزمكان ثنائية يمكن ان يتبادل الادوار في تجزئتها الى مكان كي يصبح زمنا او الى زمن يصبح مكانا. هذه الفرضية في محاولة تفكيكنا لها نصطدم بحقيقة لا يمكن التلاعب فيها هي ان الزمن جوهر حيادي في ملازمته ادراكات العقل للمكان. والزمن جوهر مطلق الصفات ومطلق الماهية لا يتقبل التجزئة لا على نفسه ولا على غيره لذا يتعذر علينا ان يصبح الزمن موضوعا بلا دلالة علائقية تربطه بغيره.

من المحال ان يكون للزمن ابعادا مادية مثل المكان. السائد معرفيا فلسفيا اننا بدلالة حركة المكان ندرك محدودية الزمن النسبية على الارض على انها تحقيب تاريخي وتوقيت زمني ضمن علاقته بالاشياء.

واختلاف المكان الارضي عن زمانيته الملازمة له هو الابعاد المادية التي يمكن التحقق منها التي تجعل من مكان ما متعيّنا موجوديا. اما الزمان فهو مطلق نسبي على الارض كدلالة مصاحبة لادراكاتنا الاشياء والعالم من حولنا. لكنه في حقيقته مطلقا فضائيا بلا ماهية ولا صفات قابلة لادراكنا العقلي المحدود ان يجعل من هذا المطلق الزماني موضوعا مستقلا بذاته للعقل. كما هناك اشارة لارسطو حول مطلقية الزمن انه ليس حركة فالحركة خاصية الاجسام المتحركة وليس خاصية زمانية.

إذن امام هذا التعقيد الفلسفي المتداخل مع العلم ما علينا سوى الذهاب الى نوع من التلفيق التخريجي قولنا ادراك الزمكان هو كما ادراكنا المكان انهما تجريد لوعي العقل ولا يلزمنا هذا البرهنة المستحيلة على ان من الممكن ان يكون المكان زمنا مستقلا وفي هذه الحالة ايضا من المحال ان يكون الزمن موضوعا للعقل.

متاهة الزمن فلسفيا

ورد في الكتاب الحادي عشر (مدينة الله) من اعترافات القديس اوغسطين تأملا في طبيعة الزمن تساؤلا على لسانه قوله: ما هو الزمن؟ اذا لم يسالني احد فانا اعلم واذا رغبت شرح ما اعلم فانا لا اعلم. وقدم اوغسطين الحجة الفلسفية الاولى ضد ارسطو – هنا نشير ان كتابات ارسطو عن الزمن من اروع الكتابات الفلسفية التي لم يجر دحض بعضها لحد الان واحيل القاريء الى كتابنا الصادر حديثا عن دار غيداء بالاردن 2022 بعنوان (الزمان والفلسفة) – قائلا اقصد اوغسطين تكراره لما سبق لارسطو ان قال به باستثناء نهاية العبارة (معرفة الوقت – شيء جدير بالتقدير انه لم يقل الزمن- تعتمد على معرفة حركة الاشياء، وبالتالي لا يمكن ان يكون الوقت حيث لا توجد مخلوقات لقياس مروره). هذا التفريق بين الزمن الارضي (الوقت) والزمن الفضائي المطلق الكوني يحسب لاغسطين كحقيقة فلسفية.

اولا بالرد على العبارة الاخيرة لاغسطين فالزمن موجود سواء ادركته مخلوقات ام لا تدركه فهو جوهر وجودي. ومن ناحية منطقية فلسفية وعلمية في تفريق اوغسطين بين الوقت الذي هو الزمن الارضي وبين مطلق الزمان الكوني فهذه تحسب له ولم ينتبه لها ارسطو بكتاباته السابقة على عصر اوغسطين بقرون. من المرجح ان نيوتن في اكتشافه قانون الجاذبية وضع هذا التفريق الاختلافي موضع التنفيذ الواقعي.

الشيء الاكثر اهمية برايي هو طالما حقيقة الزمان الجوهرية هو بلا ماهية ولا صفات خارجية تجعل منه موضوعا للعقل لذا تكون نسبية الزمان ليست قطوعة مدركة منفصلة عن مطلقية الزمان الكونية. فالزمن ليس قطوعات متتالية من حزم يكمل بعضها البعض الاخر. الجاذبية لها تاثير على الزمن ضمن شروط فيزيائية خاصة.

خاتمة

الموقف الذي يتبناه الفلاسفة وعلماء الفيزياء المثاليين انهم ينكرون منذ القرن الثامن عشر كما فعل ديفيد هيوم، جون لوك، بيركلي وغيرهم، ويشكون في وجود اشياء لها صفات مادية لا يطالها العقل. كما (ان بعض مناهضي الواقعية موقفهم من علم الوجود هو ان "بعض" الاشياء توجد خارج العقل ومع ذلك يشّكون في استقلالية الزمن والمكان) عن ويكيبيديا الموسوعة.

كما سبق لي ذكره في بداية ومتن المقال رغم التزامي التام بالمنهج المادي الماركسي فانا مع هؤلاء المثاليين الذين يرون عدم وجود (زمكان) مستقلا عن العقل. بخلاف وجود اشياء مستقلة في وجودها الانطولوجي الواقعي عن ادراك العقل. والسبب المباشر ان الزمكان ليس مادة بل هو مفهوم تجريدي لا يخضع لمنطق العقل المادي الذي يدرك كل شيء كمتعيّن بابعاد رباعية او في بعدين على الاقل الظواهر او الصفات والبعد الثاني الماهية او الجوهر.

تفكير العقل بالزمكان على انه ليس مادة بل حيّزا فراغيا يستوعب كل اشكال وانواع المادة هو يشبه الى حد بعيد تفكير العقل بمواضيع الخيال التي يتارجح ادراك الوعي العقلي لها بين التصديق بواقعيتها الوجودية وبين عدم امكانية اثبات وجودها خارج محدودية الادراك العقلي احتواءها.

اختم براي الفيلسوف الكبير عمانوئيل كانط قوله في كتابه الشهير نقد العقل المحض الى ان الزمان والمكان ليسا موادا او كيانات بذاتها. بهذا القول لكانط تصبح نظرية الزمكان على انها فراغ استيعابي مطلق لا يجانس المطلق الكوني فهو ذو قدرة كبيرة على احتواء كل شيء ولا يحتويه شيء فرضية صائبة لا اقر انا بها لسبب بسيط ان علماء الفيزياء اعتبروا الزمكان مادة محددة باربعة ابعاد لكنه ليس مادة موجودة انطولوجيا. هذا الخلط بين لامادية الزمكان كونه فراغا استيعابيا وبين كونه يمكن تحديد وجوده الانطولوجي بابعاد المادة الثلاث الطول والعرض والارتفاع مضافا لها الزمن. هذا تناقض غير مسوّغ ولا مقبول وخلط بين صفات المادة وصفات الزمكان.. فايهما الصح؟

يتبع لاحقا

***

علي محمد اليوسف /الموصل

في المثقف اليوم