أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: تأملات في مفهوم الموت

يقف الفلاسفة وغير الفلاسفة على مسافة واحدة فيما يتعلق بالموت. لا وجود هناك لخبراء في الموت لأنه لا يوجد شيء يمكن معرفته عنه. وحتى اولئك الذين يدرسون عملية الموت ليست لديهم ميزة على بقية الناس الآخرين. نحن جميعنا متساوون في التفكير حول الموت، و جميعنا نبدأ وننهي التفكير حوله من موقع الجهل.

الموت ومفهومه فارغان تماما. لا صورة تأتي عنه الى الذهن. مفهوم الموت نستفيد منه للعيش، بينما الموت ذاته لا فائدة منه في أي شيء. كل ما نستطيع قوله هو ان الموت اما واقعي او غير واقعي. اذا كان واقعيا، عندئذ فان نهاية حياة المرء هي مجرد وصول الى الختام او النهاية. واذا كان الموت غير واقعي ستكون نهاية حياة المرء  ليست موتا حقيقيا وانما بوابة الى حياة اخرى. في ظل عدم وجود محتوى، يجب علينا ان نتحدث عن الموت مجازيا. بالنسبة لاولئك الذين يعتقدون ان الموت واقعي، يصبح الموت عبارة عن جدار لا مجال لأي تقدم وراءه. اما الذين يعتقدون انه ليس واقعي، يصبح الموت عبارة عن باب لحياة اخرى. وسواء اعتقدنا ان الموت جدار ام باب، نحن لا نستطيع تجنّب استعمال الإستعارة. وبما ان هناك العديد من التأملات حول نوع من "الحياة الاخرى"،سوف نركز هنا على رؤية ان الموت هو واقعي ويمثل المحطة الأخيرة في حياة الفرد.

لنستطلع أكثر الفكرة المجازية بان الموت هو جدار. كل واحد منا حينما يولد يواجه هذا الجدار. ومنذ تلك اللحظة فصاعدا، كل خطوة نتخذها هي سير باتجاهه، بغض النظر عن المسار الذي نسلكه. ببساطة لا اتجاه آخر يمكن اتخاذه .

الموت ليس له معنى شخصي أبدا. انه يأتي الى اناس آخرين ولكن ليس لي. بالطبع، نحن نعرف باننا سنموت. الموت يعني نهاية مستقبلنا. لكن، طالما نحن احياء، سنعيش باتجاه ذلك المستقبل المحتوم الخالي من أية امكانيات. الاستنتاج الذي لا مفر منه هو انه اذا كان الموت واقعيا، لا احد سوف يتذوق الموت شخصيا. نحن سوف لم نعد واعين قبل النهاية. لا يهم كم نحن قريبون منه، فهو يتراجع امامنا. الفرد في الحقيقة هو ميت فقط بالنسبة للآخرين. عندما يصل النهاية حقا، ينتقل جسم الميت الى يد الطبيب الشرعي، و لم يعد هناك. الموت يوصف دائما من وجهة نظر الانسان الحي. وكما يصفه لودفيج فيتجنشتاين، "الموت ليس تجربة في الحياة".

ان مفهوم الموت يختلف عن معظم المفاهيم الاخرى. عادة نحن لدينا شيء ومفهوم للشيء. فمثلا، نحن لدينا حصان ومفهوم عن الحصان. لكن مفهوم الموت هو بدون أي شيء اطلاقا. التفكير حول مستقبل وفاة المرء هو تأمل مستمر في جهلنا. لا وجود لطريقة لجعلنا نفهم الموت بشكل أفضل لأن الموت لا يمكن معرفته ابدا. احدى المشاكل في مناقشة هذا الموضوع هو الخوف المتأصل من الموت (1). نحن نميل لتجنّب الموت في تفكيرنا وأفعالنا. لكن، لو ننسى خوفنا لدقيقة واحدة، بامكاننا ان نرى بوضوح كم هو مثير المفهوم حقا من وجهة نظر منفصلة.

العيش باتجاه الموت ضمن فترة من الزمن يعطي حياة المرء اتجاها واطارا نفهم ضمنه التغيرات التي تجلبها الحياة. العالم يبدو مختلفا جدا للشباب وللكبار. الشاب ينظر للامام. الكبير ينظر للخلف. ما يهمنا يتغير كلما تقدمنا في السن. احتمال الموت يخبرنا بهذه التغيرات. الشباب لديهم فهم فكري بان الموت يأتي الينا جميعا، لكن وفاتهم لن تصبح واقعية لهم. بالنسبة للكبار يبدؤون بفهم الوفيات تدريجيا . منذ وقت طويل، دُهشنا باثنين من أشهر الأفكار الفلسفية حول الموت، واحدة من افلاطون والثانية من سبينوزا. في الاولى كان للفيلسوف اهتماما كبيرا في الموت ويتأمل فيه باستمرار. اما بالنسبة لسبينوزا فان الفرد الحكيم لايفكر في الموت الاّ قليلا. ربما الحقيقة تكمن في مكان ما في الوسط. تجاهل الموت يتركنا بإحساس زائف بدوام الحياة وربما يشجعنا لخسارة أنفسنا في تفاصيل الحياة اليومية. من جهة اخرى، إجترار الموت يمكن ان يقودنا بعيدا عن الحياة. التصالح الصريح مع الموت يستلزم التفكير في أهميته في حياة المرء، والتفكير في القيم الكبرى التي تعطي للحياة معنى. في النهاية، من المفيد التفكير في الموت فقط الى النقطة التي تحررنا لنعيش في إنغماس كامل في الحياة التي لم نعشها بعد.

***

حاتم حميد محسن

..............................

Philosophy magazine, 31 Jan, 2015 . جيف ماسون Jeff Mason استاذ الفلسفة في جامعة ميدل سيكس البريطانية. كتب هذا المقال عام 2011 قبل ستة اشهر من اصابته بسرطان الرئة، حيث توفي في اغسطس عام 2012.

الهوامش

(1) في أحد حواراته يرى سقراط ان لا سبب يدعو للخوف من الموت، ذلك لأن الموت لا وجود له اثناء حياة الفرد، وعندما يموت لم يعد موجودا، فلماذا الخوف من الموت اذاً؟.

في المثقف اليوم