مقاربات فنية وحضارية

محيي المسعودي: متفردة بأسلوب يجمع بين الشكل والمضمون والتقنيات والادوات

بعد خمسة 45 عاما في الرسم والحفر والطباعة بكافة تقنياتها الفنانة نعمت الناصر في معرض اسعادي بابل

لم تنل الفنانة نعمت الناصر نصيبها من النقد الفني والنقل الاعلامي، مع انها كانت ولما تزل من بين افضل الفنانين في اقليم الشام ( سوريا، الاردن، فلسطين، لبنان ) ربما لأنها لم تتنازل عن ثوابتها المهنية والاجتماعية والثقافية وحتى السياسية، لصالح التيارات الثقافية والاعلامية التي غطست في مستنقع التضليل الثقافي والاعلامي الغربي، الذي يروج لمشاريع تسعى الى تدمير البنية الانسانية السوية وفطرتها. لصالح خرافات عقائدية، كالبقرة الصفراء واخواتها .

ويبدو ان الفنانة نعمت الناصر تظلّ تحمل تاريخها الفني او عينات منه وتعرضه في هذا المكان او ذاك مستهدفة نشر الثقافة البصرية على مستويات عديدة اهمها الارتقاء بالذائقة الفنية والحس الانسانيين، ليس في حدود الفن وحسب بل في مفهوم العدالة والنبل ومقاومة الظلم ونبذ الكراهية لكل ما يخرج عن سوية الانسان وفطرته، نجد هذا التنوع الكبير متجسدا بالمواضيع والتقنيات والاساليب والرؤى، والذي قد يحيله البعض إلى مراحل نمو وعي وثقافة وابداع الفنانة، ولكنها ليست الحقيقة كاملة، فالفنانة مجبولة على السعي المستمر نحو التغيير مع متزن ثقافي دقيق، أذ هي في قرارة نفسها تبحث عن شيء ما . شيءٌ يقلقها ويشكل لها همّآ وهاجسا انسانيا وفنيا تحاول استظهاره او المرور عليه او حتى تحقيقه، بعضه تحقق والبعض برسم التحقيق وبعصه صعب جدا تحقيقه وبعضه يتعدى عمرها الزمنى وبعضه ابدا لن يتحقق، فغاية ما يبحث عنه المبدع الحقيقي لم تحققه بعد الانسانية بتوالي وتكامل اجيالها،، ربما اخره الخلود !!.

الناصر منشغلة كثيرا بالإنسان وانفعالاته وحركاته وحضوره وغيابه أكدت هذه الحقيقة عناوين اللوحات، باعتبارها مفاتيح الاعمال الفنية اذ نلاحظ عناوين مثل (انتظار ولقاء ورقص وحوار وفرحة ولا للحرب ولا معقول وتحرر... تلصص والمصلوب و امرأة وام وامومة وعدد آخر من عناوي اللوحات وكلها تتناول الإنسان حتى تلك الأعمال البعيدة عن الانسان، حاولت الفنانة وبجدية عالية أنسنتها .3792 nimat

يلاحظ جليا في بعض اللوحات انفعالات الانسان وحسب الحالة التي هو فيها او يمر بها ولكن الغالب والطاغي هو الحزن الذي يغلف الخط ويفرش نفسه ممتدا علي مساحات اللون بينما الاسود والابيض في لوحات الكوليغراف يظل الخط هو الاداة والطريق الذي يمر منه حزن الفنانة ليستريح في الظل اللون الرمادي،

احيانا يرتفع الحزن ليصل درجة الغضب، عندها تظهر الشدة مجسدة في الحركات العصابية التي تدعمها الخطوط القوية الحادة والمستقيمة وعملية الحفر التي تضيف لها الثبات والعمق ... مع هذا كله يظل المهيمن على اعمال الفنانة والغالب هو الحزن الهادئ والتأمل. ومحاولات الالتآم والتعشيق مدفوعة بالانتماء المتبادل لعنصرين من عناصر الوجود وهما الإنسان الرجل والمرأة . يغلب على الخطوط الانحناء فهي خطوط منحنية بشكل رقيق وحنو مفعم بالعاطفة والود ولكن لم يغادره الحزن . كما تنوعت المواضيع عند الناصر فان تعدد التقنيات والاساليب والادوات كان كبيرا ومتنوعا.. وكما بقي الإنسان سيد مواضيعها، فان الحفر بقي سيد اساليبها والفاعل الأكثر حضورا وتأثيرا في أعمالها، ذلك لانها على علاقة طويلة وقوية مع هذا الفن الذي جعل من اناملها اشبه ما تكون باسنان سنجاب فنان ليس على الخشب فقط بل على صفائح المعادن ايضا فقد تعاملت بالحفر علي الزنك واللينوليوم والمونوبرنت ولكنها لم تتوقف عند هذه التقنية والادوات وقد نفذت بعض اللوحات التي تخوض قلق الانسان بالكوليغراف او قلم الرصاص كما في لوحة - أم - ويتضح من خلال التمعن في اعمالها ان الفنانة تختار التقنية او الأداة التي تناسب الموضوع بعينه لكي تضيف عليه الأدوات والتقنيات، ما لديها من قوة تعبيرية . وهذا الاسلوب الفني الذي ظل يتنقل في اعمالها من الواقعية حتى التجريد.، ولكن الهيمنة كانت وظلت للتعبيرية بحكم الموضوع واسلوب العمل التقني والملاحظ أيضا ان جميع اعمالها من الحجم الصغير والمتوسط وكأنها تقدم عينات وخلاصات فنية مكثفة، وبهذه الاعمال المتنوعة موضوعات وتقنيات واساليب ورؤى فنية وفي عملها هذا تخط نعمت الناصر خطا فنياً منفردا وخاصا بها قد يكون التنوع أهم وأبرز ملامحه ولكنه يختزن الكثير من الإبداع الذي يحتاج الى منقب يعلمه ويعرف قيمته ويستظهره.

***

محيي المسعودي

في المثقف اليوم