شهادات ومذكرات

علي حسين: عندما طاردنا جاك دريدا في ابو ظبي

لمناسبة ذكرى ميلاده الـ"93"

قال لي الاستاذ رشيد الخيون وهو يبتسم قبل ان ندخل المطعم: ارجوك لا تشجع خالد – يقصد صاحب الدعوى الصديق خالد مطلك – على الخوض في غمار المرحوم جاك دريدا او تحويل الجلسه الى بحث في شؤون ميشيل فوكو. كنا قبل يوم نجلس نحن الثلاثة في احدى الكافيهات ودار الحديث المشوق عن فوكو وفلسفته، فقد اكتشفت بعد سنوات من فراقي لخالد مطلك انه تحول الى درويش للفلسفة الحديثة، تفرغ لها سنوات يقرأ ويبحث ويجادل، ويكتب اجمل الكتابات عن فلسفة علم الجمال ولهذا ما أن تمر من امامه قضية ما إلا ويحيلها الى الفلسفة. لم اف بوعدي للدكتور الخيون فانا انتظر الفرصة للحديث عن الكتب وكنت قد اقتنيت من معرض ابو ظبي للكتاب آخر الكتب التي انتجتها المطابع العربية للفيلسوف الفرنسي الراحل دريدا وهو كتاب " أن تفكر: أن تقول لا "، ولهذا ما ان نطقت بعنوان الكتاب حتى وجدت رشيد الخيون ينظر إلي مبتسما، وقبل ان يتكلم قال له خالد: كتابك عن معتزلة بغداد والبصرة مصدر مهم، لكني احببت الفصل الذي كتبته عن " ثمامة بن اشرس "- لقد وجدته تفكيكي بامتياز.. ضحك رشيد الخيون، لكن موضوع جاك دريدا لم ينتهي.. قال خالد انه قرأ كتاب دريدا" أن تفكر: أن تقول لا " بالانكليزية كتاب " أن تفكر: أن تقول لا " يتضمن مجموعة المحاضرات التي كان يلقيها في جامعة السوربون عام 1961، ويناقش فيه موضوعة الرفض الذي يعتبره دريدا ابرز علامات التفكير الأصيل. حين لا نفكر، نمنح الثقة ونؤمن ونوافق. أما المفكر الحقيقي فقلق دائم وحركة من النفي المستمر، رفضٌ للتعصب العقائدي السياسي والديني، للأحكام المسبقة، للمسلّمات التي حاربتها الفلسفة منذ نشأتها. لا يمكن أن نقول "نعم" لكل ما نجده أمامنا من حقائق مخترعة أو وهمية، بل علينا أن نصر على قول "لا" باعتباره علامة على البحث الدائم عن نتائج أعمق.

ما ان يذكر جاك دريدا حتى تلوح في الافق عبارة " التفكيك " التي اصبحت ماركة مسجلة باسمه، استطاع من خلالها ان يثبت ركائز فلسفته عن الفكر المعاصر، واصبح ابرز الاسماء في المشهد الفلسفي، رغم ان البعض ينسب التفكيكية الى نيتشه الذي سعى الى تهديم التقاليد الفلسفية الغربية ورفع مطرقته في وجه الجميع.

قال خالد مطلك متحمسا ان دريدا ليس فيلسوفا فقط وانما هو نجم ثقافي ترجمت اعماله الى جميع اللغات، حتى ان أستاذه إيمانويل ليفيناس كان يرى في تلميذه الغريب الاطوار " كانط جديد "، ورغم مرور ما يقارب الـ " 20 " عاما على رحيله، فان كتبه لا تزال تحظى باهتمام القراء.

طيلة حياته التي بلغت "74" عاما ظل يتذكر مشهد الصبي الذي منع من دخول المدرسة. كان في الثانية عشر من عمره حين استدعاه مدير المدرسة لكي يطلب منه ان يحزم حقيبته المدرسية ويعود الى بيته قائلاً له:" سيشرح لك والدك السبب "، لم يفهم آنذاك أن ديانته اليهودية لم تتسبب في طرده من المدرسة فقط، وانما اسقطت الجنسية الفرنسية عن عائلته بعد ان الغي قانون الاهالي الذي يمنح اليهود في الجزائر الجنسية الفرنسية، هذا الابعاد القسري ظل مثل جرح لم يندمل:" كنت دائما في المدرسة مبعدا، منفيا، غريبا محروما من اوراقه "، اضطرت عائلته أن تدخله مدرسة يهودية كان معظم اساتذتها قد شملهم قانون الطرد الذي اعلنته حكومة فيشي عام 1942. منذ ذلك اليوم سيكتشف تعسف العزل، والخوف من الاضطهاد، وقد تعلم من تلك الحادثة أن لا يتعلق بالهوية الدينية او الوطنية وانه " لن يعتمد إلا على نفسه "، وان يترك اثرا في البلاد التي سحبت منه ذات يوم جنسيتها. كانت اكبر احلامه في شبابه ان يصبح لاعب كرة قدم محترف، وبسبب هذا الحلم يفشل في امتحان الثانوية، فقد كان يقضي معظم وقته في الملعب اكثر مما يقضيه في قاعة الدرس، الأمر الذي اضطر والده ان يهدده بالعمل معه في تجارته ان لم ينجح في السنة القادمة:" أردت أن أكون لاعب كرة قدم محترفا، لكن كان علي التخلي عن ذلك لأنني لم أكن جيدا بما يكفي". في طفولنه اصرت عائلته ان تذهب به بانتظام الى الكنيس، سحرته الموسيقه التي تعزف هناك، ولكن بعد ذلك كان الشاب دريدا: " مصدوما من الطريقة البلهاء التي كانت فيها عائلتي تؤدي الطقوس الدينية، لقد وجدت تلك الطريقة بلا فكر، مجرد تكرار اعمى " – ديفيد ميككس من هو جاك دريدا ترجمة رمضان مهلهل؟.

في الثالثة عشرة من عمره انتبه الى اهتمامه بقراءة كتب الفلسفة، ورغم انه عاش في بيت لا توجد فيه كتب، إلا انه استطاع ان يقرأ روسو ونيتشه:" عام 1943 قرأت نيتشه للمرة الاولى، وبالرغم انني بالطبع لم استطع فهمه تماما، فقد ترك انطباعا كبيرا عليّ.وهكذا كانت مفكرتي التي كنت احتفظ بها في ذلك الحين مليئة بالاقتباسات من نيتشه وروسو، الذي كان آلهي الأخير حينها. كان نيتشه يعترض على روسو اعتراضا عنيفا، لكنني احببتهما على حد سواء وتساءلت، كيف يمكنني التوفيق فيما بينهما "، قادته كتابات اندريه جيد باتجاه نيتشه:" كتاب اندريه جيد الاخلاقي هو الذي قادني الى نيتشه الذي لا ريب انني فهمته بشكل سيء، ونيتشه على نحو غريب قادني الى روسو، لقد احببت بدقة، ما يقوله جيد " ، تعلق باشعار بول فاليري التي حاول ان يقلدها، فكتب عددا من القصائد نشرت في بعض المجلات التي كانت تصدر آنذك في الجزائر.

في بداياته قرر أن يدرس الادب لكي يصبح استاذ جامعيا يعتمد على نفسه، ويتخلص من هيمنة والده ، إلا ان الفلسفة ظلت شاغله الاول: " في العمق فإن اختياري الفلسفة بالمعنى الدراسي والجامعي والوظيفي وقع في لحظة كنت فيها طالباً في الجزائر لم يكن قد درس اليونانية بعد ولم يكن بالتالي مؤهلاً لإجراء امتحان التبريز في الآداب، وبفضل دروس الفلسفة في الثانوية وما بعدها لم يعد بإمكاني أن أفصل بين الفلسفة والأدب وكنت أحاول في كل ما عملته فيما بعد أن أبيّن أهمية التحالف بينهما".

تفوق الكتب التي صدرت عن جاك دريدا عدد مؤلفاته التي كتبها، والغريب ان هذا المفكر الفرنسي كانت وكالة المخابرات الامريكية قد جندت جاسوسا لمتابعته ومعرفة إلى اتجاه يتطور فكره، وهل هو في طريق هجر الماركسية، والمثير انه في نفس السنة التي حاولت فيها أميركا التجسس على المفكرين الفرنسيين ذوي الميول اليسارية، كانت مؤلفات دريدا تتمدد في امريكا نفسها، وتجد لها اتباع وصدى اكثر مما موجود في فرنسا، ففي الثمانينيات كانت تفكيكية دريدا قد غزت مناهج البحث في العلوم الإنسانية في الجامعات الأميركية، ووجدت صدى ليس فقط في الجامعات وانما في الفكر والفنون وتحول دريدا بشعره الابيض الكثيف، ووجهه الاسمرالشبيه بالصقور، ذو الخدود العالية، بقميص مفتوح. كان لديه مظهر نجم سينمائي، وتشير سيرته الذاتية ان امه اصرت ان تسميه جاكي على اسم الممثل الممثل الأمريكي الطفل "جاكي كوجان "، الذي ظهر اول مرة في فيلم تشارلي شابلن" يوم المتعة " ، فيما اراد والده ان يطلق عليه اسم " ايلي " تقديرا لعمه ، لكن في النهاية انتصرت الام وسجل باسم جاك، وقد اعترف دريدا بان اسم الممثل الامريكي جعل منه مشاهد دائم للتلفزيون والسينما، يشاهد كل شيء من الأخبار إلى المسلسلات يقول ساخرا: " إنني أنتقد ما أشاهده، أنا أفكك في كل وقت."

عندما سئل هل يخاطب في كتبه قراء معينين اجاب قائلا:" انني اتوجه الى قراء اعتقد انهم قادرون على مساعدتي ومرافقتي وفهمي والاجابة عني والاجابة عني."

قبل تسعة عشر عاما عندما رحل جاك دريدا، بعد ان اكتشف في العام الاخير من حياته اصابته بمرض السرطان قال في حوار صحفي:" أترك هنا، قطعة ورق، ثم اذهب كي اموت "، وكانت قطعة الورق هذه هي "التفكيكية " التي شغلت الاوساط الفلسفية في السبعينات والثمانينيات من القرن الماضي ، فغطت على مواقف صاحب" "الكتابة والاختلاف" الذي كان أحد أبرز المشاكسين في الحياة الثقافية في العالم،، كما توضح مواقفه الناقدة في قضايا ومسائل سياسية واجتماعية وفكرية.

ولد جاكي إيلي دريدا في الخامس عشر من تموز عام 1930 في ضاحية بالقرب من العاصمة الجزائر لعائلة متوسطة الحال، الاب يعمل بائع متنقل، كان الثالث من بين خمسة أطفال، توفي شقيقه الأكبر "بول "عن عمر أقل من ثلاثة أشهر، قبل عام من ولادة دريدا، مما دفعه للاشتباه طوال حياته في دوره كبديل لأخيه المتوفى. يتذكر صورة والده وهومستغرق في جمع وطرح حساباته، وحين يعجز يستعين بابنه جاكي لينظم له دفتر الحسابات، وعندما يخطيء بالحساب كان الأمر بالنسبه له " كارثة ". لم تشغله الدراسة فقد كان غير ميال لها، يرسب في امتحان البكلوريا، ثم يرسب مرتين في امتحان القبول بالمدرسة العليا . في التاسعة عشر من عمره، ينتقل إلى باريس للدراسة في المدرسة العليا، تتلمذ على يد الفيلسوف الوجودي "جان هيبوليت"، الذي ارشده الى اهمية هيغل في تاريخ الفلسفة، ويلتقي دريدا بجان بول سارترالذي حلم ذات يوم ان يصبح مثله فيلسوفا يكتب الرواية ، لكنه لم ينجذب الى افكاره، فقد ذهب صوب هوسرل ونيتشه وهايدغر، قبل وفاته باقل من عامين سأله احد الصحفيين عن سارتر، وكان رده: " انا قرأته بتركيز شديد عندما كنت صغيرا، ومن ثم غادرت شواطئه، ادركت بأنه لم يكن فيلسوفا قويا.. ومع ذلك ما يزال شخصية محط الاعجاب في فرنسا.. لكن لا، انا لا ادين له باي شيء في الفلسفة ".

في المدرسة العليا سيتعرف على ميشيل فوكو الاستاذ الشاب الذي كان يكبردريدا باربع سنوات – ولد فوكو عام 1926 –، وقد ارتبط معه بصداقة حتى عام 1963 عندما تحدث في ندوة فلسفية بقسوة ضد كتاب فوكو " تاريخ الجنون في العصر الكلايسيكي " بحضور ميشيل فوكو الذي لم ينزعج في بداية الامر، بل ارسل بعد شهر رساله يشكره فيها على اهتمامه بالكتاب ويشير الى عمق صداقتهما، لكن يبدو ان فوكو لم ينس هجوم صديقه، فكتب عنه عام 1971 مقالا يسخر من وجهة نظر دريدا، لتحدث القطيعة التي استمرت عشرة اعوام، عندما دافع ميشيل فوكو عام 1981 عن جاك دريدا الذي اعتقل في براغ بعد مشاركته في مؤتمر ثقافي كانت سلطات براغ قد منعنه، فتحدث فوكو في الاذاعة ووقع على بيانات تطالب باطلاق سراح زميله، الأمر الذي دفع دريدا ان يقدم له الشكر. بعد موت فوكو يشارك دريدا في ندوة عقدت في جامعة نيويورك لتحية الفيسلوف الذي رحل عام 1984، وفي عام 1991 سيشارك في مؤتمر بمناسبة مرور 30 عاما على صدور كتاب فوكو تاريخ الجنون:" كانت مشاركتي في احياء ذكرى فوكو هي وسيلتي الوحيدة للمحافظة على ذاكرة الصداقة ".وعلى عكس فوكو سينجذب الى استاذه لوي التوسير الذي كان يكبره بـ " 12 " عاما، وستستمر صداقتهما حتى اليوم الاخير من حياة التوسير الذي توفي 1990، حيث يكتب في وداعة مقالة بعنوان " قراءة لغياب التوسير " – ترجمها الى العربية بختي بن عودة – يستذكر فيها سنوات عمله وصداقته مع استاذه:" منذ عام 1952 عندما التقى الاستاذ في مكتبه التلميذ الشاب الذي كنته آنذاك، في هذا المكان نفسه اشتغلت معه لمدة (20) عاما. وعندما نتذكر ليس فقط اللحظات الخفيفة والضحكات اللامبالية للايام التي تمر بل اللحظات الكثيفة للعمل، والتعليم، والفكر، والجدال الفلسفي والسياسي، وايضا الجراحات والتمزقات السيئة، هو جزء من حياتي، طويل وثري ومكثف.ها هو يتوقف اليوم. ينتهي ويموت كذلك مع لوي ". عام 1953 يسافر الى جامعة لوفان ليطلع على ارشيف الفيلسوف الالماني هوسرل، وبعد عام من دراسة ارشيف فيلسوف " الظاهراتية " يقدم بحثا بعنوان " مشكلة التكوين في فلسفة هوسرل" للحصول على دبلوم الدراسات العليا، في العام 1957 يحصل على شهادة تؤهله للتدريس بالمدارس الثانوية، في الوقت نفسه يحصل على منحة الى جامعة هارفارد للاطلاع على الارشيف غير المنشور لهوسرل، في نفس العام يتزوج من مارغريت أوكوتورييه التي كان قد تعرف عليها عام 1935، ورغم عدم إيمان جاك دريدا بمسألة الزواج، إلا أنه ارتبط معها بعلاقة قوية انتهت بالزواج في كامبريدج في التاسع من حزيران عام 1953، وقد عملت مارغريت في مجال التحليل النفسي وترجمت الى الفرنسية اعمال اللغوي الشهير رومان جاكوبسون.

بعد الشهر الاول من الزواج يلتحق بالجيش مجندا، وهي فترة كانت عصبية عليه حيث خدم في الجزائر، هناك يتم اختياره مدرسا في مدرسة خصصا لابناء الجنود، كان دريدا معارضا لسياسة فرنسا الاستعمارية، وظل يأمل حتى اللحظة الأخيرة قبل أن يغادر الجزائر مع عائلته عام 1962، أن يتحقق شكل من الاستقلال يتيح التعايش بين الجزائريين والفرنسيين المولودين في الجزائر. عام 1959 يُسرح من الجيش، وبعد عام يقوم بالتدريس في جامعة السوربون حيث عمل مساعدا لغاستون باشلار وبول ريكور وجان فال،عام 1964 ينتقل للعمل في مدرسة المعلمين العليا بناء على دعوة من لوي التوسير، التي ظل يعمل بها حتى عام 1984.

عام 1966 يظهر جاك دريدا في المشهد الفكري الأمريكي في مؤتمر عن البنيوية في جامعة "جونز هوبكنز" في بالتيمور. وقد صدم دريدا جمهور الحاضرين بإعلانه أن البنيوية قد عفا عليها الزمن بالفعل في فرنسا، وأن أفكار السيد "ليفي شتراوس " كانت جامدة للغاية. وبدلاً من ذلك، عرض "التفكيك" باعتباره الفلسفة الجديدة التي ستنتصر في النهاية على حد قوله.

في عام 1967 ينشر جاك دريدا ثلاثة اعمال وهي " الكتابة والاختلاف " – ترجمه الى العربية كاظم جهاد –، في علم الكتابه – ترجمه الى العربية انور مغيث –، الصوت والظاهرة - ترجمه فتحي أنقزو -، وفي هذه الكتب سيظهر للمرة الاولى اسلوبه الخاص الذي اخذ يشد الانتباه حوله، وستصنع هذه الكتب حضورا لمفكر شاب، تاثر بالفلاسفة الالمان وخصوصا هوسرل وهايدغر، فقد وجد في كتاباتهما نقدا قويا لـ" الميتافيزيقيا " ومنذ تلك اللحظة سيرتبط باسمه مصطلح " التفكيك "الذي يُستشهد به كثيرا ولكن نادرًا ما يُفهم. لكن الغريب ان هذا المصطلح برغم غموضه دخل في اللغة اليومية. يؤكد دريدا ان تفكيك الأشياء يعني، أن كل بنية - سواء كانت أدبية أو نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو دينية - التي تنظم تجربتنا، يتم تشكيلها والحفاظ عليها من خلال أعمال الإقصاء: "في عملية إنشاء شيء ما، يتم إهمال شيء آخر حتما ".

لعل ما يجعل مؤلفات جاك دريدا مهمة، هي الطريقة التي قدم بها أفكار كبار الفلاسفة والكتاب والفنانين، وكيف تعامل مع المشكلات ذات الاهتمام المعاصر. تتكون معظم نصوص دريدا من تأويلات متأنية للفلاسفة والادباء - من أفلاطون إلى جيمس جويس: " اصل الفلسفة هو افلاطون، وكل ما صنعته فيما بعد هو انها اتخذت في التحول مع كانط او هيغل. لكننا لا نستطيع القول بانها تطورت " - جاك دريدا حوارات ونصوص ترجمة محمد ميلاد -

بالنسبة لمنتقديه، بدا جاك دريدا وكأنه عدمي يهدد أسس المجتمع والثقافة الغربيين. يجادل منتقدوه بأنه من خلال الإصرار على أن الحقيقة والقيمة المطلقة لا يمكن معرفتهما على وجه اليقين، فإنه يقلل من إمكانية الحكم الأخلاقي.

والغريب ان " التفكيك " الذي ارتبط باسم جاك دريدا، رفض ان يعرفه قائلا ليس التفكيك مجرد منهج، ولا مدرسة فكرية، ناهيك عن ان يكون نظاما او فلسفة :" لقد كررت مرارا ان التفكيك ليس طريقة، وانه لا توجد طريقة ما اسمها طريقة دريدا، التفكيك ليس تقويضا، ولا تخليا، كما انه ليس تخريبا، انه اعادة فتح منظورات حركة، في افكار متحجرة او جامدة ". يجادل دريدا بأن الحقيقة الشفافة والقيم المطلقة بعيدة عن متناولنا. لكن هذا لا يعني أنه يجب علينا التخلي عن التصنيفات المعرفية والمبادئ الأخلاقية التي لا يمكننا العيش بدونها: المساواة والعدالة والكرم والصداقة. وانه من الضروري إدراك القيود والتناقضات المتأصلة في الأفكار والمعايير التي توجه أفعالنا، والقيام بذلك بطريقة تجعلها مفتوحة للتساؤل المستمر والمراجعة المستمرة. " لا يمكن أن يكون هناك عمل أخلاقي دون التفكير النقدي. "

في كتابه المثير " اطياف ماركس " – ترجمه الى العربية منذر عياشي - يذهب فيه الى ان ماركس هو مفكر القرن الحادي والعشرين:" ان نهاية شيوعية معينة كانت واضحة لبعضنا حتى قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، وهذا لايعني ان ماركس مات او دفن، كما قيل تحت جدار برلين "، ولكي يوضح ان لا مستقبل بدون ماركس، فان دريدا لا يعني كل ماركس " لا مستقبل بدون بعض ماركس، ففي الماركسية اكثر من وجه، لذلك اذا وجبت الامانة وجب ان نكون امينين لمظهر معنى الماركسية ". ويؤكد دريدا ان فشل التطبيق الشيوعي لا يعني ان الماركسية انتهت من حيث وضعها اسئلة كثيثرة لا تزال مطروحة ايضا، المهم ان نعرف ماذا نختار من كل ذلك.ثم يقول:" اننا لا خيار لنا في الحفاظ على مظهر معين من الماركسية، فنحن نعيش عالما، او ثقافة، ظاهرة أو مستترة، مشبعة عميقا بهذا التراث. ان الماركسية وماركس كليهما صنعا القرن العشرين "، يصر دريد على ان وراثة لا يعني ان نحتفظ بها كما ورثناها، بل ان نستخدمها ونطورها ونفتحها على المستقبل، وليس اجدى من النقد الماركسي في مواجهة هذا النوع الراهن من الديمقراطية والليبرالية والسوق الراسمالية، ويعلن دريدا في مواجهة ما يسمى بالنظام العالمي الجديد ان الانسانية كلها في خطر يكتب:" لم يكن العنف واللامساواة والتهجير والمجاعة وكل انواع الاضطهاد الاقتصادي اسوأ من الآن في كل التاريخ، وبدلا من التغني بهذا المثال الاعلى الذي اسمه الديمقراطية الليبرالية والسوق الراسمالية في نشوة نهاية التاريخ، وبدلا من تمجيد نهاية الايديولوجيات ونهاية الخطاب التحرري، يجب ان لا ننسى ان هذا النظام الجديد مبني على عدد لا يحصى من الالآم الفظيعة ".. ويدعو دريدا الرجال والنساء المضطهدين لتشكيل " الاممية الجديدة "، اممية دون تنظيم ودون حزب، ودون نظرية ودون ايديولوجية، الرابط فيها هو التعاطف:" رابطة بلا مؤسسة بين كل الذين قد لا يكونون مؤمنين بالاممية الاشتراكية الماركسية او بدكتاتورية البروليتاريا وبالتعاضد الاممي لكل عمال العالم، إلا انهم سوف يجدون انفسهم يستهلون الفكر الماركسي لتشكيل عالم جديد محسوس واقعي في الاطار النقدي لدولة القانون العالمي ".

تمتد هذه الفكرة في كتابه الاخر " ماركس وابناؤه " حيث يجيب على التقاشات التي فتحها كتاب " اطياف ماركس "،ويعيد التاكيد على ان " الرجال والنساء في سائر انحاء العالم هم اليوم، الى حد ما، ورثة ماركس والماركسية شاؤوا ذلك ام عرفوا به او لم يعرفوه ". ونجد الاهتمامات السياسية نفسها في مقابلاته مع اليزابيت رودينيسكو والتي صدرت في كتاب بعنوان " ماذا عن الغد ".

في التاسع من تشرين الاول عام 2004 يقطع التلفزيون الفرنسي برامجه ليعلن وفاة جاك دريدا بعد معاناة مع مرض سرطان البنكرياس.

***

علي حسين – رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

في المثقف اليوم