آراء

علي بن مسعود: السودان بديلًا عن أوكرانيا

اشتدَّ الصراع على أوكرانيا بين الغرب بقيادة الولايات المُتحدة الأمريكية، وروسيا الاتحادية "البوتينية"، وقد وصل الصراع إلى الحد الذي جهر الغرب بكل معاصيه، وافتخر بها بعد أن كان يبررها سابقًا ويطليها بطلاء الحق والحقيقة؛ فالغرب اليوم وصل به الإفلاس في قوته الناعمة تجاه روسيا إلى الجهر بمنح أوكرانيا أسلحة محرمة دوليًّا وعلى رأسها القنابل العنقودية مُؤخرًا.

الروس بطبيعة الحال أكثر هدوءًا في إدارة هذا الصراع؛ كونهم في موقف الدفاع أولًا، ولأنهم يمتلكون الإرادة الصلبة قبل السلاح الفتاك للحفاظ على أمنهم والدفاع ببسالة واستماتة عن مصالحهم، ولأنهم استعدوا جيدًا لهذه المواجهة منذ قيام الغرب بالسطو على جمهوريات كانت تُشكل ما يُسمى بـ"حلف وارسو" الحلف الشرقي المضاد لحلف الناتو الغربي.

تفجَّر الصراع في السودان اليوم دون مُؤشر حل أو مبادرة جادة للحل، واكتفاء أطراف التدخل بمطالب هُدن ووقف إطلاق نار بين حين وآخر، ووقوف دول جوار السودان والجامعة العربية والاتحاد الإفريقي موقف المتفرج، مؤشرات تحمل جميعها دلالات تدويل الملف السوداني وتحول السودان إلى ساحة صراع ومقايضة سياسية للكبار فقط.

الغرب يستشعر اليوم أكثر من أي وقت مضى أنَّ الملف الأوكراني استهلكه واستنزفة أكثر مما كان متوقعًا ومخططًا له، وأفقده مصداقيته أمام العالم، كما أفقد المنظمات الدولية حياديتها ودورها الأممي، إضافة إلى إفلاس الغرب التدريجي من قوته الناعمة ولم يبقَ له سوى البلطجة، وفي المقابل يدير الروس الحرب بهدوء وفاعلية، وحافظوا على اقتصادهم كي لا يتحول إلى اقتصاد حرب وكما كان مستهدفاً من الآخر، وخلقت الحرب الأوكرانية مناخًا سويًّا للدول الخاضعة للهيمنة الأمريكية والغربية بعمومها وجعلها في وضع يمكنها من قول (لا)، والأدهى والأمر للغرب اليوم هو انفراط عقد مصالحه تدريجيًّا في قارة الثروات والخاصرة التاريخية الرخوة إفريقيا؛ لهذا لابد للغرب اليوم أن يعترف بأنه فشل في زرع إسرائيل جديدة على تخوم روسيا، كما زرع في قلب الوطن العربي لتفتيته وحرمانه من أي مشروع نهضوي، كما أن الغرب اليوم لن ينتظر ساعة إعلان هزيمته وتوقيع استسلامه أمام روسيا في أوكرانيا، لهذا سيبقى السودان في تقديري خط رجعته وجبر ضرره من نكبة مُغامرته في أوكرانيا وفشله في استدراج روسيا إلى فخ الإفلاس والتشظي السياسي والعسكري والاقتصادي؛ فالمفاجآت الروسية ما زالت كثيرة وكبيرة، بينما الغرب يتآكل على الجبهة الروسية ويفقد حضوره وهيمنته وثرواته المنهوبة من قبله كغنائم استعمار تدريجيًا في إفريقيا.

ففرنسا اليوم لم تعد دولة عظمى، بل أصبحت دولة مهددة بالجوع والإفلاس التدريجي نتيجة تمرد مستعمراتها السابقة والتي تُشكل ثروات فرنسا وقوت الفرنسيين، لهذا لابد ولا مجال للغرب اليوم سوى توظيف ما تبقى له من قوة وعقل للحصول على السودان كغنيمة حرب وكمقايضة مع الروس مقابل إطلاق يد الروس كاملة في أوكرانيا. السودان الذي لم ينعم بثرواته ولا باستقراره منذ عام استقلاله 1956م ولغاية اليوم، أصبح اليوم في وضع مثالي ليكون بديلًا لأوكرانيا في صراع دولي كبير يفوقه ويتجاوزه من صراع محلي إلى طوق نجاة أخير للمدنية الغربية يحفظها من الزوال الكلي. ثروات السودان ليست الهدف الوحيد فحسب، والبديل عن الدويلات التي أدارت ظهرها وتمردت على فرنسا والغرب، بل موقع السودان كذلك، والذي يُهدد الأمن القومي العربي برمته والسعودية ومصر على وجه الخصوص وبشكل كبير.

السودان سيكون بديلًا عن أوكرانيا والبلدان الإفريقية "المارقة"، وفق تصنيف البورد السياسي الغربي، وسيعجِّل من إغلاق ملفات أزمات مفتوحة منذ زمن كملفات اليمن وسورية وليبيا؛ لأن خيار الغرب اليوم لم يعد البحث عن الحظوة والرفاه والجاه، بل تجنب الجوع والسقوط المدوي المُريع أمام أنظار العالم وشماتتهم.

وبالشكر تدوم النعم...،

***

علي بن مسعود المعشني

.........................

قبل اللقاء: لو أدرك العالم أهمية الصراع على أوكرانيا اليوم وأهمية الوقوف إلى جانب بوتين، لتخلص العالم من شرور إمبراطورية الشر أمريكا، وحلفها العدواني الناتو، وعاد العالم إلى قواعد الصراعات التقليدية الفطرية المتعارف عليها، والخالية من النزعة الشيطانية وأطماع الاحتلالات والاتجار بالشعوب، وسادت الشرعية الدولية الحقيقية، والقوانين المنظمة للعلاقات بين الدول بروحها ونصوصها وفلسفتها.

في المثقف اليوم