آراء

محمد جواد سنبه: من سلطة الله الى سلطة الحاكم

ظلت العلاقة بين الحاكم والمحكوم، متذبذبة وغير مستقرة، على مدى تاريخ البشرية، فمثلما تمر الحياة الانسانية، بفترات ينعم فيها الانسان بالعدل والاطمئنان والحياة السعيد، تمر حياة الانسان، بفترات مظلمة يسودها التعسف والقهر والظلم والاستبداد. لقد مرّ المجتمع الاسلامي بفترة عدل ورخاء وسلام، منذ ان هاجر النبي محمد (ص)، من مكة الى المدينة في عام 14 بعد البعثة الشريفة، وهو يحكم المجتمع المسلم، فشاعت بين الناس روح الايمان والمحبة والتعاون، والسلام والاطمئنان. فاستطاع رسول الله (ص) وضع الأسس السليمة لبناء الدولة المدنيّة في تلك الفترة، لكن هذه الحالة لم تدم، فقد اختلف الصحابة يوم وفاة الرسول (ص) على طريقة الحكم، ولم يلتزموا بوصايا الرسول (ص) في هذا الموضوع، وقد صور ابن عباس (رض) هذا الحدث وعرفة (برزية الخميس).  

(عن ابن عباس، قال: لما احتضر رسول الله (ص)، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، فقال النبي (ص):

(هلم أكتب لكم كتابا لا تضلون بعده)، فقال عمر: إن رسول الله (ص) قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت، فاختصموا فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله (ص) كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله (ص)، قال رسول الله: (قوموا)، قال عبيد الله: فكان ابن عباس، يقول: (إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم)(صحيح مسلم (حديث رقم: 4234 )).

و بهذه الحادثة ظهرت نظرية حكم جديدة، ابتكرها (عمر بن الخطاب)(رض)، وفحواها (حسبنا كتاب الله)، فآل الحكم الى (ابي بكر) (رض)، ومن ثم وصية (ابو بكر) بتسلم (عمر) (رض)، مقاليد الأمور من بعده، ومن ثم اقتراح (عمر) مبدأ الشورى بين سنة اشخاص، ليكون (عثمان) (رض)، ولي امر المسلمين، وبعد ذلك آل الأمر الى الإمام علي (ع) عن طريق اختيار المسلمين له.

و بعد استشهاد الامام علي (ع) عام 40 ه، تحول الحكم الى معاوية بن ابي سفيان، بعد صلح الامام الحسن (ع) عام 41 ه، حيث خذل الامام الحسن (ع) بعض قادة الجيش، وبعض الاشخاص المؤثرين، وقبلوا الأموال من معاوية، فتم توقيع الصلح بين معاوية والامام الحسن (ع).

في فترة حكم بني أمية ظهرت نظريّة (القضاء والقدر)، وتم توظيفها لخدمة الجانب السياسي، فالقضاء هو كلمة الله، والقدر هو تنفيذ وتطبيق كلمة الله على الواقع، والحاكم ما هو إلاّ أمر قد قضاه الله وقدّره، وطاعة الحاكم هو قدر الأمة في الطاعة والولاء.

(روى المدائني (132هـ - 225 هـ)) قال: خرج على معاوية قوم من الخوارج بعد دخوله الكوفة وصلح الحسن، فأرسل معاوية إلى الحسن يسأله أن يخرج، فيقاتل الخوارج، فقال الحسن: سبحان الله! تركت قتالك وهو لي حلال، لصلاح الأمة وألفتهم، أَفتراني أقاتل معك؟. فخطب معاوية أهل الكوفة فقال:

(يا أهل الكوفة، أتراني، قاتلتُكم على الصلاة والزكاة والحج، وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وعلى رقابكم، وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون)). (شرح ابن أبي الحديد م٤ ص٦).

وعندما اراد معاوية تولية ابنه يزيد، واجه رفضاً ومعاضة في ذلك، فخطب بالناس قائلاً:

(إنـي قائم بمقاله، فأقسم با الله لئن رد علي أحدكم كلمةً في مقـامي هـذا، لا ترجع إليه كلمة غيرها، حتى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يُبقِيَّنَ رجل إلا على نفسه).

أما عبد المللك بن مروان فقد وطّأ حكمه بالسيف وارهاب الناس. والنصّ التالي يبين سياسة الخليفة الجديد:

 (قال ابن جريج (80-150هـ) عن أبيه: حج علينا عبد الملك سنة خمس وسبعين بعد مقتل ابن الزبير بعامين ، فخطبنا فقال : أما بعد ... وإني والله لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف .... هذا عمرو بن سعيد ، حقه حقه، وقرابته قرابته، فان قال برأسه هكذا، قلنا بسيفنا هكذا، وإنَّ الجامعة التي خلعها من عنقه عندي، وقد أعطيت الله عهدا، أَنْ لا أَضعها في رأس أحد، إلا أخرجها الصعداء، فليبلغ الشاهد الغائب.).

هذه نماذج نصيّة تبيّن مقدار التعسف والظلم والجور، التي مارسها حكام بني أُمية مع الأُمّة. وجاء بنو العباس بعد الامويين، وقد جرّعوا الناس غُصص الأَلم والظلم والتعسف، فاعتمدوا نظرية الحكم الأموية (القضاء والقدر)، واضافوا اليها أن المصادر الاسلاميّة المقدسة؛ هي (الكتاب والسنة والاجماع).

و لعمري كم هي المزيفات التي دُسَّت في السنة النبويّة زوراً وبهتاناً ؟، وكم من المظالم أُقرّت تحت ستار، اجماع أهل الحل والعقد ؟.

قال الجويني ( 419-478هـ / 1028-1085م): (إنّ عقد الإمامة هو اختيار أهل الحلّ والعقد... وهم الأَفاضل المستقلّون الذين حنّكتهم التجارب، وهذّبتهم المذاهب وعرفوا الصفات المرعيّة، فيمن يناط به أَمر الرعيّة).

فقد ورد في كتاب الاحكام السلطانية للماوردي (364 – 450 هـ /974 - 1058م) ص17 ما نصّه:

(فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْإِمَامَةِ فَفَرْضُهَا عَلَى الْكِفَايَةِ كَالْجِهَادِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ، فَإِذَا قَامَ بِهَا مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا سَقَطَ فَرْضُهَا عَلَى الْكِفَايَةِ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهَا أَحَدٌ خَرَجَ مِنَ النَّاسِ فَرِيقَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَهْلُ الِاخْتِيَارِ حَتَّى يَخْتَارُوا إمَامًا لِلْأُمَّةِ.

وَالثَّانِي: أَهْلُ الْإِمَامَةِ حَتَّى يَنْتَصِبَ أَحَدُهُمْ لِلْإِمَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى مَنْ عَدَا هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْأُمَّةِ فِي تَأْخِيرِ الْإِمَامَةِ حَرَجٌ وَلَا مَأْثَمٌ، وَإِذَا تَمَيَّزَ هَذَانِ الْفَرِيقَانِ مِنَ الْأُمَّةِ فِي فَرْضِ الْإِمَامَةِ وَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمَا بِالشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ.).

واستمر الحال على هذا المنوال، حتى تولي العثمانيون زمام أُمور الأُمَّة، ولم يكن الحال احسن من ذي قبل، وبعد اندثار الحكم العثماني، سلطت سلطات الاستعمار الغربي، الملوك الموالين للسياسات الاستعمارية، على رقاب الشعوب الاسلامية، تحت ذريعة التحرر من الاستعمار التركي، وتطبيق مبادئ الحرية والديمقراطية والمساواة. لقد عانت الكثير من الشعوب الاسلامية من ظلم واستغلال حكام الاستعمار الأمريكي، والبريطاني والفرنسي، والايطالي، منذ بواكير القرن السابع عشر الى الآن.

ان الشعوب الاسلاميّة، بحاجة الى نهضة تغيير كبيرة، تشمل تغيير أَنظمة الحكم، والقوانين القضائية، والقوانين الاقتصادية، لتطوي كل صفحات الجور والظلم والقهر، وتنتقل بشعوبها من مرحلة التبعية للغرب، الى مرحلة الاعتماد الذاتي، على القدرات البشرية والمادية لأوطانهم، وبذلك يحذوا حَذوَ اندونيسيا، وماليزيا، وسنغافوره، لرسم معالم مستقبل شعوبهم واوطانهم، في سجلات التقدم حاضراً ومستقبلاً. 

***

محمد جواد سنبه

في المثقف اليوم