قضايا

زعيم الخيرالله: هل الأخلاقُ مَصْدَرُها الهِيٌّ أَم بَشَرِيٌّ؟

قبلَ الحديثِ عنْ مصدرِ الاخلاقِ، هل هو الهيٌّ أم بَشَرِيٌّ؟ لابد لنا من إِثارَةِ هذا السؤال وهو: هل يمكن للانسان أَنْ يضعَ منظومَةً أَخلاقِيَّةً، ام ليس بامكانهِ ذلك؟ وبتعبيرٍ آخر، هل الاخلاقُ مَصدرُها عُلوُيٌّ سماويٌّ اَم سُفلِيٌّ أَرضيٌّ؟ هل الطبيعةُ والمادةُ يمكنُهما اَنْ تنتجَا أخلاقاً؟ وهل الغريزةُ يمكنها ان تكونَ مصدراً للاخلاق؟ مانراهُ في الحيوانات من تضحية وايثار يؤدي بالام الحيوانيّةِ أن تُضَحِيَ بحياتِها من اجلِ صغارِها. هل يمكن أنْ نقولَ من خلالِ هذه المشاهداتِ أَن الحيوانَ يمتلكُ منظومَةً أخلاقِيَّةً؟ الدارونيُّونَ وفق الرؤية التَّطَوُّرِيَّةِ يرون ان الحيوانَ يمتلك أخلاقاً حسب درجته في سُلَّمِ التَّطَوُّرِ، والاختلافُ بين الانسانِ والحيوان هو اختلافٌ في درجة الاخلاق لافي نوعها.

البَشَرُ قَدَّمُوا لنا مفاهيم متضاربةً عن الاخلاق، بعضها يناقضُ البعض َالآخر.

افلاطون يرى وفقاً لنظريته في المثل ان الاخلاق مصدرها علويٌّ وهو الخير المطلق الذي يراه افلاطون فوقَ الوجودِ شَرَفاً وقُوَّةً، وكانط يرى ان الاخلاق مصدرُها العقلُ العمليُّ، وهي مجرَّدَةٌ من المنفعة الذاتيَّةِ، وبنثام وجون ستوارت مل قالا بالاخلاق النفعيَّة والتي تأسست فيما بعد انطلاقاً من هذهِ النظرةِ النفعِيَّةِ للاخلاق، الفلسفة البراغماتية في امريكا، والتي رأتْ كل شيء على اساس منفعته، وقد فَسَّرت الاخلاقَ على هذا الاساس.

اطلاقُ الاخلاقِ ونِسبِيَّتُها

القولُ بأنَّ الاخلاقَ مطلَقَةٌ أو نِسبِيَّةٌ، يرجعُ الى مصدرِ الاخلاقِ، فالقائِلُونَ بالمصدرِ الالهيِّ للاخلاق يقولون باطلاقِها؛ لانَّ القولَ بوجودِ اله وَأَنَّهُ مصدرُ الاخلاقِ يشكّلُ الاساسَ المَوضوعيَّ للاخلاقِ. والقائِلُونَ بالمصدرِ البشريِّ للاخلاقِ يقولونَ بِنِسبِيتها. الملاحدة لايمتلكون مرجعيَّةً للأخلاقِ؛ لأنَّهُم لا يُؤمنونَ بالهٍ للكونِ ولا يؤمنونَ بيومٍ آخِر، وكما يقول دستوفسكي: " اذا كانَ اللهُ غيرَ موجودٍ فكلُّ شيءٍ مُباحٍ". ولذلك بَنَوا مرجِعِيَّتَهُم الاخلاقيَّة؛ لانَّهُم لايمتلكونَ مَرجِعِيَّةً، بَنَوها على اساس الغريزة التي لاتصلحُ أنْ تكونَ مرجعيَّةً للاخلاق، فقالوا: ان اساس الاخلاق: جلب اللذة وطرد الالم، وهذا ماقاله ابيقور في فلسفته الاخلاقية القائمة على اساس اللَّذَّةِ.

ويمكننا الاجابةَ عن هذه المرجعيَّةِ للاخلاقِ التي يتعكَّزُ عليها الملاحِدَةُ بالقول أَنَّ الطبيعةَ والغريزةَ لايمكنهما انتاج اخلاق وتاسيسَ منظومَةِ أَخلاقِيَّةٍ، فالاشياءُ المادِيَّةُ التي تسيرُ بأَمرِ الله، كالشمس التي تُشرِقُ وتغربُ بنطامٍ ثابتِ مُحَددٍ. لايمكننا وصفَ هذه الحركةَ القسريَّةَ للشمس والكواكب بأَنَّها فعلٌ أَخلاقِيٌّ؛ لانَّ الفعلَ الاخلاقِيَّ ينطلقُ من ارادَةٍ واختيارٍ. وكذلك الامرُ مع الفعل الغرائزيِّ للحيواناتِ، فلا يمكننا وصفَ ما تقوم به الاُمُ في عالم الحيوان بأَنَّهُ التزامٌ أَخلاقيٌّ؛ لانَّهُ فِعلٌ غرائزيٌّ، الحيوانُ مجبورٌ على فعلهِ؛ وعليه فالاخلاقُ خاصِيَّةٌ انسانِيَّةٌ، يتَفَرَّدُ بها الكائِنُ الانسانِيُّ.

الفرقُ بينَ الاخلاقِ والآدابِ

هناك خلطٌ يقعُ فيه الباحثون في الميدانِ الاخلاقِيِّ بين الاخلاقِ والآدابِ، فالاخلاقُ مصدرها عُلويٌّ الهيٌّ، والآدابُ مصدرُها بَشَرِيٌّ. الاخلاقُ ثابتة لاتتغير بتغيّرِ الزمانِ والمَكانِ والاحوالِ بينما الآدابُ تتغيّرُ بتغيّرِ الزمانِ والمَكانِ والاحوال.الاخلاقُ فطريَّةٌ والآدابُ مكتسَبَةٌ؛ ولذلك المجتمعات تختلفُ بآدابِها وثقافاتِها واعرافها مع ثباتِ أخلاقِها. فدوركايم حين يقول بأنَّ المجتمعَ هو مصدرُ الاخلاقِ لم يميّز بين الاخلاق والآدابِ. المجتمع مصدر الآدابِ ولايمكن ان يكون مصدراً للاخلاق.

يتحدثُ عالمُ الاجتماعِ الفَرَنسِيُّ دوركايم في رؤيتِهِ لمصدرِ الأخلاقِ "أَنَّ مصدرَ الاخلاقِ هو المجتمع. ويؤكدُّ دوركايم  القولَ أَنَّهُ: (ليسَ هناكَ سوى قوَّة أخلاقِيَّةٍ واحِدَةٍ تستطيعُ أنْ تَضَعَ قوانينَ للناسِ هيَ المجتمع). ويقولُ أيضاً:(أَنَّ الفردَ دُميَةٌ يُجَرِّكُ خُيُوطَها المُجتَمَعُ). وحتى الضمير يراهُ دوركايم انعكاساً للمجتمع. أَمّا ليفي برول فيقول: (الاخلاقُ ظاهِرَةٌ اجتماعِيَّةٌ تَهتَمُّ بما هو كائنٌ، وظاهرةٌ مُتَغَيِّرَةٌ يمكنُ مُلاحَظَتُها).

القرآنُ الكريمُ يتَحَدَثُ عن اطلاقيَّةِ الآخلاقِ وتجاوزها للزمان والمكان والاحوال، يقول الله تعالى:

(قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). المائدة: الآية:(100).

فالآيَةُ تتحدثُ عن خبيثٍ مطلقٍ وطيبٍ مطلق؛ اذ لاقيودَ في الاية للطيب والخبيث. والنقطة الثانية أنَّ الانسانَ ليس هو مصدر القيم الاخلاقِيَّةِ؛ لانها قالت "ولو أعجَبَكَ كَثرَةُ الخبيث".

وخلاصةُ الكلامِ عن الاخلاقِ أَنَّها الهِيَّةُ المصدر، وانها مطلقة، وانّها مما يتفردُ بها الكائن الانسانيُّ، ولايمكن ان تكون الطبيعة أو المجتمع أو التطور البيولوجي الداروينيُّ مصدراً للاخلاقِ.

***

زعيم الخيرالله

في المثقف اليوم