قضايا

عدي البلداوي: النهضة الحسينية وصناعة الوعي

تمر بنا ذكرى واقعة الطف الأليمة ونحن نعيش حالة من الفوضى في مجالات الحياة الشخصية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وليس للفوضى هدف تبلغه، بينما للنهضة هدفها الذي بدأت خطوات تحقيقه على ارض الواقع من خروج الإمام الحسين عليه السلام من المدينة حتى وصوله الى طف كربلاء يوم العاشر من محرم، لذلك أحاول في أجواء هذه الفاجعة الأليمة أن أقدّم قراءة جديدة لعلنا نستفيد منها في توجيه واقعنا الفوضوي وجهة قد نصل بها الى ما نبتغي .

من يوم العاشر من محرم والى يومنا هذا تصلنا رسائل الحسين عليه السلام وأهل بيته وأنصاره عبر التاريخ الذي أراه أدّى دوره في توثيق وحفظ الأحداث ونقلها إلينا.

 كما أرى إن الأدب في فنونه المنوعة قد أدّى دوره في وصف أحداث النهضة وشخوصها والتعبير عنها شعرا ونثرا وبلاغة وإعلاماً، فكتب التاريخ وكتب الأدب حافلة بكثير من الإسهامات القيمة لكتاب وشعراء وأدباء ومؤرخين من مختلف الثقافات والاتجاهات والمعتقدات، جمعهم حول الحسين بعد نهضته الإنساني، رأيت كباحث في علم الإنسان أن انظر إلى أحداث تلك الواقعة بعيون الواقع الذي نعيشه اليوم وأتساءل هل هذا كل ما نريده من ثقافتنا كمسلمين بحق الحسين عليه السلام وتلك النهضة العظيمة وذلك اليوم الموعود؟

مفهوم الثقافة ..

قبل أن استرسل في البحث أقف عند مفهوم الثقافة الذي يحتمل تعريفات عدة، فأقول إن الثقافة عندي هي وعي الواقع وفهم حركة الحياة فيه ودراسة الطريقة التي  يعيش بها الناس، فهي تصل الى حدود الوعي الإنساني، لذلك أرى إن صناعة الوعي هي الرسالة الحسينية المعاصرة التي علينا أن نقرأها ونشتغل عليها اليوم خصوصاً في المرحلة التي يمر فيها المجتمع بثنائية التغيير والثبات..

التغيير والثبات ..

يرى علماء الاجتماع وعلماء الإنسان ان التغيير صفة طبيعية في كل مجتمع، لا يختلف مجتمع عن آخر في التغيير، إنما الاختلاف في درجات التغيير، فنحن كمجتمع إسلامي نرجو من عملية التغيير الإرتقاء بمنظومة الفرد والمجتمع وتطويرها ثقافياً وإقتصادياً وإجتماعياً وعمرانياً في إطار المشروع الإسلامي الثقافي الحضاري، وهنا أتساءل ما هو تقييمنا لحركة التغيير في المجتمع اليوم هل تتم في إطار المشروع الإسلامي الثقافي الحضاري؟

الأمر الثاني هو الثبات على القيم والمثل العليا التي لا تتضح في العربي المسلم معالم شخصيته بعيداً عنها والتي توافق عليها العرف الإجتماعي والدين، فصارت جزءاً أصيلاً في ذات الشخص، فهل يتفق الثبات مع التغيير الحاصل في المجتمع؟

ثمار الوعي الأولى ..

إذا أخذنا بنظر الإعتبار ان الظروف الزمانية والمكانية والبيئة تدخل عاملاً مهماً مؤثراً في جوانب الشخصية العقلية والسلوكية والعاطفية والنفسية فإنها تدفع بالإنسان إلى أحد اتجاهين:

الإتجاه الأول هو الإستسلام للواقع وقبوله بما فيه من دون الأخذ في نظر الإعتيار إن كان صحيحاً أم خطأ وإن كان على خط القيم والمثل العليا أم منحرفاً عنها .

الإتجاه الثاني هو رفض الواقع والإنقلاب عليه لتغييره الى ما ينبغي ان يكون ..

في التاريخ شواهد كثيرة على هذين الإتجاهين، تذكر كتب التاريخ والمصادر ان الإمام الحسين كتب الى  عدد من زعماء البصرة ممن كانوا على خط الإمام علي عليه السلام يوضح لهم خطورة الوضع الذي يمر به المجتمع ويدعوهم الى نصرته والوقوف معه لتغيير ذلك الواقع  ..

اختلفت درجات تفاعل الزعماء، فمنهم من لبّى الدعوة مسرعاً وهو عبد الله بن مسعود النهشلي، ومنهم الأحنف بن قيس الذي دعا الحسين الى التريث والصبر  ومنهم المنذر بن جارود العبدي الذي أمسك بيد رسول الحسين وسلمه الى عبيد بن زياد الذي كان والياً على البصرة حينها فأمر بقتل رسول الحسين ..

بالمقابل حفظ لنا التاريخ مواقف في الإتجاه المعاكس، فقد ذكرت المصادر ان رسول عمر بن سعد طلب الإذن بالدخول على الحسين عليه السلام فلما تم له ذلك قبّل يد الإمام ورجله وطلب الإلتحاق بمعسكره فقاتل حتى الموت، وكان حبشة بن قيس مقاتلاً في معسكر يزيد، انقلب الى معسكر الحسين عليه السلام واستشهد في الجولة الاولى، موقف بطولي آخر لأبي الحتوف واخيه سعد وهما من الخوارج لحقا بالمعركة بعد سماعهما نداء الحسين هل من ناصر ينصرنا فقاتلا دونه حتى قتلا ..

هؤلاء وآخرون معهم يمثلون الثمار الأولى للوعي الذي دعا اليه الحسين في نهضته والذي نراه ضرورة ملحة نحتاجها اليوم، لذلك ادعو خطباء المنبر الحسيني الى أن يسلطوا الأضواء على هذه الأسماء التي كثيراً ما يغيب ذكرها خلال الحديث عن أجواء وأحداث وظروف تلك الواقعة .

كيف تتم صناعة الوعي؟..

الوعي كما يعرّفونه في ابسط صوره هو الاحساس بالوجود الداخلي والوجود الخارجي، هو اليقظة المستمرة في حياة الإنسان، هو عكس الغفلة.

في محاضرة له، يقول السيد محمد باقر الصدر "ومجرد اننا نحب الحسين ومجرد اننا نزور الإمام الحسين ومجرد اننا نبكي على الإمام الحسين مجرد اننا نمشي الى زيارة الامام الحسين كل هذا شيء عظيم شيء جيد ممتاز شيء راجح لكن هذا الشيء الراجح لا يكفي ضماناً ودليلاً لكي يثبت اننا لا نساهم في قتل الإمام الحسين، يجب ان نحاسب أنفسنا، يجب ان  نعيش موقفنا بدرجة اكبر من التدبر والعمق والاحاطة والانفتاح على كل المضاعفات والملابسات لكي نتأكد من اننا لا نمارس من قريب او بعيد بشكل مباشر او بشكل غير مباشر قتل الامام الحسين عليه الصلاة والسلام"

تلك هي أجواء صناعة الوعي التي تبدأ بمرحلة الإستفهامات: لماذا وكيف ومتى وأين وما السبب، ثم تليها مرحلة  البحث عن إجابات، وقد يقتصر بعضهم على إجابة معينة وهو بذلك لا يستمر في صناعة الوعي، المطلوب هو مواصلة طرح الإستفهامات والبحث عن أجوبة، من تنوع وكثرة الإجابات تأتي مرحلة الفرز والإختيار التي تبدأ عادة إنفعالية عاطفية عصبية وبعد فترة من المواصلة ينتقل الإنسان الى مرحلة التأمل والتفكير وهذه المرحلة تأخذه الى مزيد من الإطلاع والبحث والقراءة التي بمواصلتها تبدأ معالم صورة الجواب والسؤال تتضح اكثر، هكذا هي عملية صناعة الوعي التي أراها من أهم الصناعات التي علينا ان نشتغل عليها في هذه الفترة القلقة من عمر المجتمع الإنساني وهو يتعرض الى محاولات إدخاله في خطوط إنتاج مشاريع الإستثمار الإقتصادي الصناعي السياسي الثقافي وهي تسعى الى انتاج عالم من الأشياء والأرقام تحكمه لغة رقمية بتقنية عالية وسرعة فائقة ..

دور الحب في صناعة الوعي ..

الحب هو أول وأقوى مستلزمات نجاح صناعة الوعي، وهو موجود في قلوب مساحة كبيرة جداً من الناس حول العالم بحكم التكوين الفطري، وتحظى نهضة الحسين بنصيب وافر من نسبة هذا الحب وهذا واضح في مراسيم عاشوراء وأربعين الإمام الحسين عليه السلام  التي نرى فيها أناساً يكلفون أنفسهم فوق طاقتها أحياناً من أجل أن يعبّروا عن حبّهم للقضية الحسينية ومن أجل أن يشاركوا في إحياء هذه الذكرى الأليمة..

لكي لا يقتصر دورنا المعاصر في محرم على إثارة تلك المشاعر وإظهار درجة حبنا للقضية الحسينية، علينا أن ننّمي هذا الحب ونوظفه عبر صناعة الوعي ليتحول الى طاقة إيجابية كبيرة لا تنطفىء جذوتها بعد مرور وقت الذكرى، ولعلنا نلحظ كثيراً من الناس يشاركون في مواكب العزاء لكنهم لا يجدون في أنفسهم القدرة الكافية التي ينقلبون فيها على واقعهم فيغيرونه، أكثر الناس يتحركون في حياتهم تحت تأثير الظروف المحيطة بهم، هنا تأتي أهمية صناعة الوعي في مساعدة أولئك للإنتقال الى مرحلة أهم واكبر نحن بحاجة اليها اليوم لأن المفاهيم التي لا زلنا نتداولها منذ القدم وحتى اليوم بدأت تأخذ تعريفات جديدة قد لا تتوافق مع التعريفات التي عرفناها عنها، فالحب والعاطفة والعشق الحسيني يفهم اليوم على انه مشاعر تقررها منظومة الجسم البيولوجية والسيكولوجية ومن حق الإنسان إبداؤها وإظهارها وعلى الآخربن إحترامها ..

بدون الوعي يحتمل ان تتحول المقدسات الى أماكن تراثية تندرج ضمن السياحة الدينية التي توفر لزائريها جواً من راحة النفس وفرصة للإطلاع على الماضي، وللتبرك، والتقاط الصور للذكرى . ولأن الحسين  وسائر ائمة أهل بيت النبوة عليهم الصلاة والسلام قدموا من العطاء ما يجعلنا أمام مسؤولية ثقافية تحركنا لرفض النظر اليهم في حدود الزمان والمكان الذي بذلوا فيه ذلك العطاء ويدفعنا الى تفعيل ذلك العطاء وتلك التضحية في حياتنا اليوم وفي حياة كل جيل قادم ..

صناعة الوعي تقدم للإنسان توازنا في جوانب شخصيته العقلية والعاطفية والسلوكية والنفسية، بدون الوعي قد يقع الإنسان تحت تأثير قوة من القوى فينتج عنها موقفاً قد يبدو للبعض غريبا، ولعل هذا يتضح فيما قدمه بعض الباحثين في قراءاتهم للنهضة الحسينية  فالمستشرق الفرنسي سيدو رأى ان الحسين عليه السلام لم يكن شجاعاً كأبيه، ورأى ابن خلدون ان حركة الحسين تمت على ضوء ثنائية أهلية الحسين لمواجهة فسق يزيد وقدرته على تحقيق ذلك، فرأى ان الحسين عليه السلام اخطأ في تقدير الثانية لأن عصبية مضر كانت في قريش بينما عصبية عبد مناف كانت في بني أمية وهو ما يجعل رجاحة كفة بني امية واضحة لا تحتمل اي مجال لتغيير المعادلة على وفق الحساب المادي لمفهوم القوة ..

التقنية الرقمية بوصفها مصدراً للمعلومة ..

من دواعي الحاجة الى صناعة الوعي، دخول التقنية المتطورة على خط تزويد المستخدم بمصادر المعلومة والخبر، وهنا يواجه الإنسان حيرة في الإطمئنان الى المصادر، تقول الإحصاءات الحديثة ان الجيل الجديد بين 20 و30 عاماً يعتمدون اعتمادا كلياً على التقنية في الحصول على المعلومة واذا اخذنا بنظر الاعتبار ظهور تقنية التزييف العميق التي يخشى ان يسهم مستقبلها في تزييف التاريخ وتقديم حقائق مزيفة للأجيال القادمة التي ستظنها حقائق موثقة تناقلتها التقنية، كما حصل خلال فترة جائحة كورونا عندما روّجت بعض وسائل الإعلام ومواقع الإنترنت ان مصادر وكتب قديمة ذكرت مرور البشرية بالوباء وجاءت على ذكر اسماء لمصادر ولمؤلفين اتضح انها وهمية لا وجود لها، واذا اخذنا في نظر الإعتبار آراء خبراء ومختصين في التقنية الحديثة قولهم ان ما يخشى عليه في المستقبل انه لن يكون بوسع الشخص التمييز بين ما هو حقيقي وما هو وهمي مما تعرضه هذه التقنية، فقد تجد أجيال المستقبل في المصادر الالكترونية ما يقدم لهم معلومات مغلوطة عن واقع النهضة الحسينية  ..

الحسين عليه السلام بين الأمس واليوم ..

من الأمور المهمة التي ينبغي اخذها بعين الإعتبار هي ان الحسين عليه السلام اليوم اصبح انتصاراً لا يحتمل الهزيمة بعد ان كان بالأمس انتصاراً من الممكن إحتمال هزيمته وعلى ذلك عملت القوة في المعسكر المعادي بكل جهدها لمنع الوعي الذي أراده الحسين في نهضته من أن يصل الى الناس وينتشر بينهم ، لأنها كانت نهضة شاملة لتصحيح الأخطاء من ظلم السلطة ومن تشويه فكري ومن تحريف عقائدي ومن تلويث أخلاقي ويؤكد ذلك قوله عليه السلام ( انما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي) بعد أن تأكد للجميع فسق يزيد وذكر ذلك ابن خلدون في مقدمته، بهذا فإن مفهوم النهضة أشمل من مفهوم الثورة وإن كان بعضهم يستخدم إصطلاح الثورة عندما يتحدث عن حركة الحسين عليه السلام لكني أرى إن في إصطلاح النهضة مدى أوسع من الذي يحققه مفهوم الثورة، فقد يشتمل مفهوم الثورة على تغيير نظام حكم معين أو تغيير اسلوب معين أو تغيير سياسة معينة وفي فصول حياة مجتمعنا مشاهد كثيرة لثورات حصلت لكنها لم تصل الى ما وصلت اليه نهضة الحسين عليه السلام من نتائج، ولا اظنني ابتعد عن الصواب اذا قلت إن أغلب الثورات في العالم العربي والإسلامي قد فشلت أو انها حكمت على نفسها بالفشل بعد وصولها الى السلطة بسبب إعتماد القائمين عليها على طريقة التفكير القديمة التي ثاروا بها على السلطة، فكانت ثورتهم عبارة عن تغيير في الوجوه والمناصب لذا اعتقد ان صناعة الوعي ستتيح المجال لإعادة تفعيل البعد الثقافي كخطوة سابقة اساسية وكقاعدة تقوم عليها ثنائية التغيير في السياسة والاقتصاد لكي لا تضمن السلطة بقاءها على الرغم من وجود المعارضين والرافضين والساخطين .

الفهم المعاصر للسلطة ..

مفهوم السلطة اليوم لم يعد كما هو بالأمس فقد كان الحاكم والخليفة يمثل الدين والسياسة كونه خليفة الله في الارض   فكانت السلطة تمثل التفكير والتقرير وعندما صدر من حكومة يزيد ما يقبح وجه الدين والسياسة ويصادر كل فكرة خارج مصانعها اقتضت المرحلة مواجهتها منعا للتلوث والتشويش الذي يمكن أن يطال المجتمع بسبب ذلك الإنحراف خصوصا وان ذلك حصل بعد وقت قصير على وفاة نبي الأمة بحوالي خمسين سنة، اما  سلطة اليوم فلم تعد تمثل الدين وصارت تعنى بالسياسة والإدارة، فهي توفر الحماية لزائري الإمام الحسين وتحمي مواكب العزاء وتقيم مجلس عزاء يوم العاشر من محرم ومع ذلك لا يزال الناس يعيشون الظلم ويتطلعون الى نهضة حسينية معاصرة، وحول العالم صار بمقدور الشيعة ممارسة طقوسهم في العلن وبحماية السلطة فقد ظهرت مسيرات العزاء ومواكب الحزن في شوارع اوربا بحماية اجهزة أمن الدولة، مثلما يجري اليوم إهانة المقدسات بحماية أمن الدولة كما حصل في السويد مؤخراً حين أقدم أحدهم على حرق القران الكربم وبررت السلطات انه عمل يندرج ضمن حرية الرأي والتعبير التي يكفلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 19 التي تعطي الإنسان حق الرأي وإبداء الرأي والتعبير والنشر والإعلام بكل الوسائل دون قيود، مثلما بررت سلطات الدانمارك والسلطات الفرنسية قبل سنين تلك الرسوم الكريكاتيرية المسيئة لشخص نبي الرحمة ..

لا اظنني ابتعد عن الصواب اذا قلت ان المراقب لمشهد الحياة في المجتمع العراقي خصوصا والعالمي اجمع طيلة اكثر من عقدين من الزمن منذ بداية القرن الحادي والعشرين سيلحظ ان هناك مشاريع تحول دون توفر شروط ثقافية ودينية وسياسية واقتصادية امنة، وهذا ما يحفز فينا المضي في مشروع صناعة الوعي في المجتمع لاعادة توفير هذه الشروط الامنة ..

 لقد تغيرت المعادلة ولم تعد "لا" التي اطلقها الحسين عليه السلام بوجه فسق يزيد تفهم بالطريقة ذاتها، فاليوم يكفل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حرية إبداء الرأي والمعتقد ونشر الأفكار وبالطريقة التي يراها دون قيود أو ضوابط، وما دام الوضع الإنساني عالميا لا يزال مصدر قلق فإن صناعة الوعي تكفل فهما جديدا لهذه المتغيرات بأن مشاريع جديدة يراد لها ان تمر على الناس دون ان تترك انطباعا سيئا فيهم يمكن ان يحفزهم لمواجهة الوضع القائم ..

 لقد صار من حق كل مواطن ان يقول " لا "  وان يمتنع عن التصويت في الإنتخابات لكن قد لا يعيق رفضه وصول الفاشلين الى السلطة .

الحاجة الى التجديد في الخطاب الديني ..

ادى المنبر الحسيني دورا بالغ الأهمية في فترة كان محضوراً فيها على الناس صناعة الوعي لذا اعتمد المنبر على المادة الاساسية لصناعة الوعي وهي الحب والعاطفة وعمل على تحديثها باستمرار لكي تكون جاهزة وقت الطلب لإنجاح مشروع صناعة الوعي لذلك ينبغي على المنبر ان لا يقف عند مرحلة النعي وعليه ان يتحرك بخطابه للوصول الى مرحلة الوعي ويتم ذلك عن طريق تدريب المتلقي على اثارة الإستفهامات ودعوته الى التفكير اكثر من مجرد عرض الاخبار والروايات لمجرد عرضها مع بعض الإنتقادات المتعلقة بالواقع والتي لا تتحرك بالمتلقي الى مستوى تفعيله للنقد الذاتي ومراجعة ومحاسبة النفس واعادة تأهيلها من جديد ..

بين المجلس الحسيني والمجلس الثقافي ..

 مشروع صناعة الوعي الذي ادعو اليه يحتاج الى قوتين عمليتين لهما حضورهما في الشارع، قوة المنبر وقوة المجلس الثقافي لاعادة تنظيم هيكلة البناء الاجتماعي ليكون ملائما لبيئة واعية واعدة تنهض بالواقع .

قوتان تقفان وراء حراك الحياة الاجتماعية، قوة الدين وقوة العلم فقد تبدو قوة العلم غالبة على قوة الدين في مساحة كبيرة من مساحات العالم ولأننا نعيش في قرية كونية فالتأثر بالمحيط العالمي امر وارد، لذا فإننا بصناعة الوعي نتمكن من إعادة تفعيل قول النبي الخاتم " اطلبوا العلم طلبا لا يضر بالعبادة واطلبوا العبادة طلبا لا يضر بالعلم"

الثقافة والوعي ..

بدون الوعي تصبح الثقافة والتعلم نشاطاً شخصياً، واقعنا اليوم بحاجة الى الوعي الجمعي حاجة ملحة لأن واقع العالم العربي والاسلامي اليوم يتوافر على عدد كبير من العلماء والكتاب والمفكرين والفلاسفة ومع ذلك لا يشهد الواقع حالة من المعافاة لذا فان الوعي يسهم في التشجيع على اشاعة الهوية الجمعية وهذا هو شكل النهضة الحسينية المرتقبة .

يقول الفيلسوف الفرنسي فيليب فينيكس ( فلكي يكون الفرد انسانا يجب ان يكون ذا قدرة على توسيع ميدان ادراكه وراء كل الحدود المباشرة التي وضعها الزمان والمكان وذلك عن طريق الذكاء والخيال الخلاق فالرجل الحر الذي يتبع العقل ويسمو بذاته لا يرث فقط بيئة يتكيف معها ولكنه يتصور عالماً جديداً ويبدأ في خلقه ويستطيع ان يقوم بذلك في كل مظاهر النشاط الثقافي بما في ذلك مهنته).

رسالتنا الثقافية ..

رسالتنا الثقافية اليوم هدفها حماية البسطاء من الناس ممن اضطرتهم ظروف الواقع الحياتي الجديد الى استخدام التقنية المتطورة وهم يجهلون الأضرار التي يمكن ان تلحق بهم جرّاء حاجتهم الضرورية الى استخدامها، لذلك ياتي دور صناعة الوعي في حماية هؤلاء من ان يطالهم الابتزاز الالكتروني وغسيل الادمغة وتشويه الافكار واحتلال العقول، كما تهدف رسالتنا الثقافية الى توضيح صور المشاهد الحياتية لواقع الناس من اجل توعيتهم لمنعهم من الإنخراط اكثر في مزيد من المشاكل الإجتماعية والمشاكل الشخصية، ولنا في طف كربلاء دروس يليغة كفيلة اذا نجحنا في اعادة صياغتها بما يتوافق والمدارك اليوم ..

*** 

د. عدي عدنان البلداوي

في المثقف اليوم