قضايا

الطيب النقر: مقارنة الأديان

لعل اليقين الذي لا يخامره شك، والواقع الذي لا تسومه مبالغة، أن علم مقارنة الأديان من العلوم التي وطّدَ أُسسها وقواعدها علماء المسلمين، فهم الذين وضعوا لبنات هذا العلم، وبيّنوا أصوله، فبعض العلماء الجهابذة على شاكلة المسعودي، والشهرستاني، والبيروني، قد جمعوا أشتات هذا العلم، واستقصوا أطرافه، وقد مرّ هذا الضرب من العلوم بعدة مراحل، حتى أصبح علماً له رواده ومناهجه وأهدافه ومصادره، ولعل من الأمثلة والشواهد التي تؤكد أن مقارنة الأديان لوناً أبتدعه المسلمون وليس المستشرقين كما رسخ في أذهان الكثير من الناس، أن علم مقارنة الأديان كما يذكر الدكتور أحمد شلبي في كتابه" سلسلة مقارنة الأديان" قد دُوّنَ في منتصف القرن الثاني الهجري، فعندما بدأ أكابر المُصنفين، وبُلغاء المنشئين، في تأليف الرسائل والمتون دون إعنات روية، ولا ارهاق خاطر، تلك الأسفار التي تناولت الفقه والتفسير والحديث، اتجهت جماعة منهم مُتبحّرة في ضروب الإنشاء، مُتبسّطة في فنون اليراع، للكتابة في مقارنة الأديان، فهو بذلك علم اسلامي كباقي العلوم الإسلامية التي ابتدعها الفحول الخناذيذ، ومن الشواهد أيضاً التي تؤكد أن هذا العلم اسلاميّ بحت، لم تعقد مقارنة قط بين دين وآخر قبل بزوغ فجر الإسلام، لعدم الإعتراف بين الأديان التي كانت سائدة في ذلك العصر، فالدين الإسلامي الخاتم الذي جاء عقب كل تلك الأديان، هو الدين الوحيد الذي اعترف بكل تلك الأديان نظرياً وواقعياً، فمن الناحية النظرية يعلن الإسلام في وضوح وجلاء أنه الدين الأخير من سلسلة الأديان التي استمدت وحيها من السماء، وهو في كنهه امتداد لتلك الأديان التي دعت لنبذ عبادة الأصنام والأفلاك والملوك لعبادة القاهر الدّيان، وبالتالي ورث الإسلام أهمّ ما في الأديان وأضاف إلي ذلك ما تحتاجه البشرية جمعاء في مسيرتها إلي يوم الدين، قال تعالى في محكم تنزيله: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى) الشورى: 13.على ضوء ذلك صدح الإسلام بحقيقة مفادها أنه الدين الوحيد الذي لا دين سواه، قال عزّ من قائل: (إن الدين عند الله الإسلام) آل عمرن: 19. وقال جلّ وعلا: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه) آل عمران: 85.

 أما من الناحية الواقعية، فإن الإسلام يعترف بالوجود الفعلي لقطاعات وكيانات غير مسلمة تعيش في كنفه، وترفل في نعيم عدله ورحمته، على شاكلة أهل الذمة والكتاب الذين رفدهم من صنوف بره، ومكّن لهم من الحقوق والكلاءة السابغة ما وقاهم جور الضنى، وطوارق الحدثان، ومن هذا الموقف انبثقت جذور علم مقارنة الأديان، ولعل مسلك الإسلام ازاء مخالفيه، يؤكد عظمة هذا الدين الذي نص كتابه على حرية الإعتقاد يقول تعالى في كتابه المحُكم السبك، الدقيق النسج، المُتناسق الأجزاء: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) يونس: 99. ــ ويقول الحق سبحانه وتعالى أيضاً: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) البقرة: 256.ـ كما نجد أن المحجة البيضاء قد دعتنا لموادعة الملل الأخرى والإحسان إليهم، والعدل بينهم، عملاً بقول من تقدست أسماؤه، وتنزهت صفاته: (لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)الممتحنة: 8. ـــ

أما الأطر والثوابت التي وضعها الإسلام في كيفية تعامله مع الأديان المغايرة له، تتمثل في احترامه لكل الرسالات الإلهية التي سبقته، وإرساء مبدأ الجدال بالحسنى تصديقاً لقوله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) العنكبوت: 46. كما يقول المولى عزّ وجلّ: (قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله وإنّا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، قل لا تسألون عمّا أجرمنا ولا نسأل عمّا تعملون، قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا وهو الفتّاح العليم) سبأ: 24-26.  ويرى الدكتور محمد سيد أحمد المسير مؤلف كتاب" المدخل لدراسة الأديان" أن هذا النص الكريم يقدم النزاهة والحيدة في موضوع الجدال، ويدفع بالخصم إلي التأمل الواعي، والتفكير المستنير، ويأخذه برفق وحلم وأناة، كي يستبين الحق ويدرك الحقيقة، ويؤكد أن البشر جميعاً سيقفون أمام الخالق الأعظم للحساب والجزاء وأن المسئولية الفردية تجعل كل انسان على حذر وحيطة في مجال العقائد".

أما من تعاورت سيرته العطرة الألسنة، وتداولت مناقبه القرائح، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد كان مطبوعاً على التسامح وحب السلام، وكان ديدنه في تبليغ رسالته التي انتشر شذاها في أعطاف الوجود، هو الحوار الهادئ العميق الذي تتثنى ألفاظه تثني الغصن الأملد، الحوار الذي يتحفك بمتانة تعابيره، وشدة أسره، وطلاوة تراكيبه، وصلابة حججه، فلا تملك أمامه إلا الإذعان والتسليم والإنبهار، فقد أورد لنا بن هشام كاتب السيرة، أن عدي بن حاتم رضي الله عنه الذي كان معتنقاً للمسيحية قد خشعت أصواته، وسكنت حركاته، وهو يستمع لحديث أُفْرِغَ في قالب الفصاحة، ونُسِجَ على مِنْوال الكمال، حديث سلِسُ، رقيق، مأنوس، يضاهي في عذوبته مُناغاة الأطيار، أفضى بالطائي لإعتناق الإسلام وتبعه قومه في ذلك، كما نقلت لنا كتب السيرة والحديث تلك المجادلات الهادئة المتزنة التي جرت بين رسول البشرية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبين اليهود الذين سأل متحدثهم محسور بن سحبان خير من وطئت أقدامه الثرى عن الدليل الذي يثبت أن القرآن من عند الله؟ فجاء الوحي بالجواب الشافي: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا) النساء: 82. كما انبرى النبي صلى الله عليه وسلم في مناقشات أخرى مع وفد نجران من النصارى، وعلى أثر هذه المناقشات المستفيضة التي استدل فيها المعصوم عليه الصلاة والسلام بحجج شبهاء، وبينات نواصع، وبراهين سواطع، أسلم نفر من قادة اليهود مثل عبدالله بن سلام، وثعلبة بن سعيد، وأسد بن عبيد، كما دخل الكثير من نصارى نجران الإسلام، ويخبرنا الأستاذ محمد عقيل بن علي المهدلي في كتابه "مقدمة في علم مقارنة الأديان" أن من القضايا التي جرت عليها المجادلات والمناقشات بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أصحاب الأديان: قضية الألوهية، وقضية النبوة، وقضية الكتاب المقدس، ونجد أن علماء المسلمين قد لزموا غرس النبي صلى الله عليه وسلم، وسلكوا منهاجه في كيفية الحوار مع أصحاب الأديان الأخرى، فمناقشتهم مع أصحاب هذه الديانات لم تخلوا من عظة واعتبار، على شاكلة الحوار الذي جرى بين الإمام الباقلاني رحمه الله وأحد الرهبان بمعية الملك، فسأل الباقلاني الراهب عن أهله وأولاده، فقال الملك مندهشاً: أما علمت أن الراهب تنزهه عن هذا، فقال الإمام الباقلاني: "تنزهونه عن هذا ولا تنزهون الله عن الصاحبة والولد" فألقمهم حجرا.

***

د.الطيب النقر

 

في المثقف اليوم