قضايا

نورالدين حنيف: نماذج من رمزية الشاهين في المخيال الثقافي الإنساني

في طبيعة العلاقة بين الإنسان والطبيعة، ومنها الحيوان، ومنها الطيور، ومنها الصقور، ومنها الشاهين.. نبدأ بالرؤية الإسلامية في قوله تعالى (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) سورة الإسراء، الآية 70.

وهي الرؤيا التي يبنيها التصور العقدي الإسلامي القائم على التفضيل والسخرة المشروعة والشرعية التي يقدمها النص الديني مفعمة بالحلال. قال تعالى (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون) سورة الأعراف، الآية 32

أما بخصوص مسألة الصيد أو البيزرة أو القنص أو ماشابه ذلك فنستند إلى قوله تعالى (يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب) سورة المائدة، الآية 4

قال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في عديّ بن حاتم وزيد المهلهل الطائيين، وهو زيد الخيل الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير.. قال يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت الآية.

في سفر التكوين تظهر ظهورا جليا صدارة الإنسان على الحيوان (وقال الله لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا وليتسلط على سمك البحر وطير السماء والبهائم وجميع الأرض) الآية 26 الفصل الأول

و منذ ذلك الحين دأب الإنسان على إخضاع الطبيعة وكائناتها لإرادته عبر سلطان العقل والعلم والتقنية. وكان هذا الدّأب محتشما في بدايات الانفتاح على عوالم الطبيعة انطلاقا من الخوف منها حتى تغوّل إلى التحكم فيها والسيطرة عليها، سيطرة لم تكتف باستهلاكها بل صنعت المسافة السحيقة بين الإنسان والحيوان. وهي المسافة المفارقة التي تحدث عنها الفيلسوف البريطاني توماس هاكسلي (أنا من أشد المقتنعين بالهوة العميقة التي تفصل بين الإنسان العاقل المتحضر والبهيمة الحمقاء الهوجاء الرعناء)

واليوم، يمسك الإنسان بالطبيعة ويدخلها مختبراته العلمية كي يحكم قبضته عليها. ومن هذه الطبيعة أمسك بالحيوان وطوّعه وروّضه.. في حين كان بالأمس يتعامل مع الطبيعة من زاوية نفسية يؤسسها الخوف ويؤطرها. ومن ثمة كان الإنسان القديم عندما يحمل عليه النهر أو البركان أو يهجم عليه الحيوان يتخذها آلهة له ويقدم لها القرابين.. هكذا تحولت العلاقة بين الإنسان والطبيعة من حالة اللاثقافة إلى حالة الثقافة، أي من حالة الخرافة إلى حالة العلم.3595 صقر

وعندما أقارب علاقة الإنسان بالشاهين  أنطلق من ملاحظاتي لأصدقائي البيازرة وهم يتعاملون مع صقورهم داخل حميميتهم في بيوتهم أو في الميدان، ومن خلال معاناتهم في تربية وترويض شواهينهم. وأتساءل: ما الضامن لرجوع الشاهين إلى كف صاحبه عندما يرسله إلى الفضاء؟ وهو الطائر الموسوم بالسماوي وبالشمسي والأسرع؟ ما الضامن لعودته إلى الأسر؟ إن هذه العلاقة غير القابلة للقبض ولا للقياس ولا للتفسير هي ما أوحى لي بالاشتغال على هذه الورقة المتواضعة في الكشف عن بعض رمزية هذا الكائن الجارح والطائر المتميز، الشاهين.

في كتابه (قاموس الرموز الإنسانية) يقول مالك شبال:

(الصقر حيوان أليف في فضاءات القصور الملكية، وهو طائر مفعم بالكرامة وذكي وقناص ماهر وهو رمز شمسي وهو حاضر في كثير من الهدايا المتبادلة بين الملوك والسفراء عبر التاريخ القديم)

والشاهين أو الصقر الجوال يطلق عليه في المصادر التوثيقية الغربية ب le faucon peregrinus  أي الجارح الذي ينزح من جميع الأماكن إلا القطبية منها. لهذا نعتوه بالجوال. والشاهين كلمة فارسية تعني الميزان وتفيد الملكي  أيضا في تفكيكها إلى (شاه) و(ين) الأولى تعني الملك والثانية تفيد علاقة التخصيص.

في مصر القديمة كان الصقر بحكم انسيابية جماله يرمز للمبدأ السماوي. وكانوا يشخصون (حوريس) إله الفضاءات العلوية على شكل إنسان برأس صقر، متأثرين في ذلك بنظرة الصقر المتميزة باعتباره يرى كل شيء حسب منظورهم. من هنا تطورت عين الإله (حوريس) في منظورهم الخرافي حتى تجاوزت الرؤية الشاملة إلى الرؤية الخصيبة.

وأما الأسطورة الجرمانية السكندنافية فقد أوْلَتْ للصقر أهمية كبيرة، فربطته بمقولة الخصب والعطاء كما جعلته شارة للفرسان تيمنا به باعتباره رمزا إلهيا ضد كل ما هو شيطاني. وقد اعتبره الفيلسوف (بورفيري) شخصية تتقمص معنى الرسالة السماوية لأن الطائر الجارح يمتلك القدرة على قراءة المستقبل. من هنا جاء اعتقادهم أن ظهور هذا الطائر فأل خير ومن هنا نفهم أيضا تطيّر أهل الجاهلية قبل أن يصحح عقيدَتهم النبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم في حديثه (.. إذا تطيرتَ فامض..)

تقدم بعض الدراسات الميتولوجية الصقر في ثقافات العصور الوسطى وهو يقطع أوصال الأرانب. وهو مشهد طبيعي إذا قسناه بمقولة التوازن الطبيعي. لكن تفكير أهل هذا العصر يمضي به إلى اعتبار هذه العلاقة علاقة تطهيرية لأنهم فسروا الأرانب في رمزية الفسق في حين فسروا الصقور في رمزية النقاء. الصقر في هذه الميتولوجيا ينتصر ضد الشهوة وهو في نظرهم انتصار للذكورية النهارية على المبدأ الأنثوي الليلي.

في حضارة الأنكا بالبيرو قديما، اعتقد أهلها أن زعيم هذه السلالة (مانكو كاباك) كان له أخ أو معادل روحي أو ملك حارس. وتمثلوه على شكل صقر.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض الميتولوجيا قدرت في مشهد الصقر غير ذلك، أي أنها ربطته بالطاقة السلبية كما كان أهل (بورنيو) جنوب أسيا يعتقدورن. فبحارتهم كانوا إذا سمعوا صوت الصقر غيروا وجهة قواربهم.

أعتبر الصقر والشاهين تحديدا طائرا جارحا إشكاليا لا بالمفهوم المشكلة وإنما بمفهوم التركيب. ذلك لأن الشاهين يختزن في عمقه الوجودي كثيرا من الأسرار أو بعبارة أقرب كثيرا من الدلالات.

نذكر منها وهي المستعصية على الحصر دلالتين فقط هما: الرؤية والمعرفة في بعدها الغريزي.

و نحن في هذا الصدد نلوذ بالتأويل لسلوكات الشاهين التي قرأها المتخصصون في عالم البيزرة. وهو تأويل مشروط بنتائج بحوثهم العلمية ولا يشط بعيدا خلف بريق القراءات المجانية. قال فرانز بوس وهو عالم أنتربولوجيا (الصقر هو البصيرة والرؤية اللتان نتمكن عبرهما من رؤية العالم) ونحن نرى العالم في عين الشاهين وفي معرفته الخارقة لما حوله. نرى فيه قوة البصر والبصيرة وقوة المباغتة وقوة الانقضاض والسرعة الخيالية والكرامة والنبل والقدرة على التكيف والقدرة على تحقيق التوازن وغيرها من الدلالات التي لا يتسع لها المقام هنا.

وسنضرب مثلا واحدا يكفينا طائلة السرد، ويتعلق بالمصور الأمريكي كاستر الذي اجتهد وجاهد كثيرا حتى تمكن من التقاط صورة للشاهين في حالة هبوط مثالي تجاوز فيه 360 كم في الساعة. وهنا نطرح السؤال: لِمَ لم تتبخر رئتا الشاهين وهو يهبط بهذه السرعة الخيالية؟ إن منطق الأشياء يقول إن العلاقة الفيزيائية بين جسم الطائر والفضاء تقوم على الخوف من شرط الضغط الجوي الذي يساوي موت الطائر في هذه الحالة التي يتعرض فيها لا محالة لتكسير جهازه التنفسي بالكامل، والموت طبعا.

لقد زوّد الله الشاهين بعظْمة في أنفه (العظمة الدرنية) وهي تعمل على إبطاء دخول الهواء إلى الرئتين مما يؤدي إلى تخفيف الضغط على الرئتين. كما تعمل هذه العظْمة على تغيير تحقيق توازن الطائر فور تغيير سرعته والانتقال من قوة إلى قوة أخرى دون أن يتأثر الشاهين بهذا التغيير المفاجئ.

هذا مثال من أمثلة من فيض لا متناهٍ لهذا الطائر المختلف. والشاهين مجال إنساني خصب يعكس المعاني والمفاهيم الإنسانية التي اشتغل عليها النقاد المحدثون وخرجوا منها بنتائج مبهرة بشأن هذا الكائن. فهو طائر مختلف واختلافه لا يتأتى من صورته على جذع شجرة أو فوق نتوء صخري بمنكبيه العريضين وبجلسته النبيلة ونظرته الثاقبة في صمت خرافي أو في تحليقه الساحر أو في انقضاضه على فريسته.. الشاهين طائر مختلف لأنه طائر نبيل.

قال عالم الطبيعيات كينيت ريتشموند (عند مقارنتنا نحن البشر بالصقور نبدو مخلوقات أقل درجة، لأن الصقور تمتاز بالقوة والجرأة والجمال والدم الساخن الذي يجعل منها مخلوقات نبيلة)

من هنا نفهم دعوة بعض التيارات الفكرية إلى تجاوز التصور الطبيعاني في علاقتنا بالحيوان وبعلاقتنا بالصقور والتي هي نظرة تفصل بين الطبيعة والثقافة.. إلى تبني التصور الإحيائي الذي ينسب للحيوان ما هو إنساني. وهكذا نحول الشاهين من مجرد طائر جارح قابل للتدريب إلى كائن منخرط في العلاقة الإنسانية التفاعلية.

***

نورالدين حنيف أبوشامة – المغرب

...............

* مداخلة على هامش المهرجان الوطني الأول للبيزرة المغربية الذي نظمته الجمعية الوطنية لصقارة القواسم بتاريخ 03 يونيو 2023 بمدينة المحمدية \ المغرب

في المثقف اليوم