قضايا

ريما آل كلزلي: الرقيب الداخلي.. حجر الزاوية في فلسفة التربية الذاتية

في عصر مفعم بالتحديات والتغيرات السريعة، (وصعوبة منع الانفتاح الحاصل تقنيًا عن الأبناء)، باتت التربية الذاتية ضرورة مُلحة لاستمرارية التطور في الجوانب الثلاثة: الفردي والأخلاقي والمهني. وفي قلب هذه العملية، يكون الرقيب الداخلي حارسًا وموجهًا للذات. فما هي آلية تفعيل الرقيب الداخلي ودوره في تعزيز التربية الذاتية؟

الرقيب الداخلي هو ذلك الصوت الذي ينبع من أعماق الوجدان، ويسعى لتقويم السلوكيات والقرارات بمنظور نقدي بنّاء. يتشكل هذا الرقيب من خلال عملية تعلم مستمرة، ترتكز على القيم والمبادئ الشخصية، ويعد بمثابة بوصلة أخلاقية ترشد الفرد إلى السلوك الإيجابي.

حاول جاك لاكان المحلل النفساني الفرنسي الوقوف على عمق النفس البشرية واضِعًا نظريات فرويد نقطةَ انطلاق ومن ثم تطويرها، فتناول في نظريته فكرة  مفادها "أن اللاوعي مبنيٌّ بما هو لغة". فتعمل الرقابة الذاتية في هذا السياق من خلال اللغة والرموز، حيث الرغبات والأفكار التي لا يمكن أن يُعبر عنها بشكل مباشر بسبب القيود الاجتماعية أو الخوف من العقاب تجد طريقها إلى الوعي من خلال أشكال مشفرة ومحرفة.

فيمكن أن تظهر الرغبات المكبوتة في شكل أحلام أو زلات لسان، أو أعراض نفسية، وهي تمثل الطرق التي يحاول من خلالها اللاوعي التحايل على الرقابة الذاتية.

حينما بلورها لاكان في معنى واحد هو (اللاوعي) والذي عرفه بأنه ” الكلام المتجاوز للفرد،..أي غير المتاح له حتى يعيد وصل ما انقطع من حديث الوعي ..ذلك الفصل من تأريخي(أو تاريخي؟) الشخصي الذي يتكون من صفحات خالية أو أكاذيب: إنه الفصل الذي حذفته الرقابة…الفجوة التي ينفذ منها العصاب لإعادة تحقيق التناغم مع عناصر الواقع ….المتعذر تحديده (1)“.

على سبيل المثال، قد يكون لدى الشخص رغبات أو مشاعر لا يريد أو لا يستطيع التعبير عنها بوضوح لأسباب متنوعة. هذه الرغبات لا تختفي فحسب، بل يمكن بدلاً من ذلك أن تظهر بطرق غير مباشرة مثل النكات، الزلات اللسانية، أو الأعمال الإبداعية. لاكان يسمي هذه العملية "البنية السيميائية لللاوعي".

لاكان يرى أن الرقابة الذاتية لا تنتج من القواعد الاجتماعية الواعية فحسب، بل أيضًا من قوانين اللاوعي نفسه، والتي تعمل وفقًا لمبادئ مثل الاستبعاد والإحلال. كما أن هذه القوانين تجعل الرغبة الحقيقية للشخص غير قابلة للوصول بشكل مباشر حتى للفرد نفسه.

بمعنى آخر، لاكان يرى أن الرقابة الذاتية ليست فقط نتيجة للضغوط الخارجية، ولكنها أيضًا جزء من التشغيل الداخلي للاوعي.

في نظريته يتمثل اللاوعي بما يشبه اللغة، وهو يعمل وفقًا لقواعد وبنى مشابهة لتلك الخاصة باللغة.

فتكون الرقابة الذاتية، في هذا السياق، هي عملية يتم من خلالها تحريف أو كبت الرغبات والأفكار غير المقبولة وفقًا لمعايير الأنا الأعلى والمعايير الاجتماعية.

إن استخدام لاكان مصطلح "الميكانيزمات الدفاعية" إنما هو إشارة إلى الطرق التي يحمي بها الفرد نفسه

من الصراعات النفسية والرغبات غير المقبولة. وتشمل هذه الميكانيزمات الكبت والإنكار والانفصال... إلخ، والتي تُعَدُّ طرقًا يحاول بها الفرد أن يحافظ على تماسكه النفسي. كما يتحدث أيضًا عن "الأخر" بوصفه عاملًا مهمًا في عملية الرقابة الذاتية، حيث إن الأخر يمثل القوانين والمعايير الاجتماعية التي يتم تداخلها مع القواعد اللاوعية. بمعنى آخر، الرقابة الذاتية تتأثر بالتوقعات الاجتماعية وبالهياكل اللاوعية للفرد.

لذلك، يمكن القول بأن فكرة لاكان عن الرقابة الذاتية تنطوي على تفاعل معقد بين اللاوعي واللغة والهياكل الاجتماعية، وهي تعكس كيف يمكن أن تُكبت الرغبات وتُحرّف بطرق متنوعة وغير مباشرة.

وبما أن التربية الذاتية هي فعل تطوير الذات بشكل مستقل ومستمر عبر الاعتماد على الموارد الداخلية. يأتي دور الرقيب الداخلي ليكون الداعم الأساسي في هذه العملية من خلال مراقبة الذات وتقويم الأفعال، فيسهم الرقيب الداخلي في تشكيل موقف نقدي يفتح المجال للتحسين والتطوير المستمرين.

ما هي التحديات الي تسهم في تفعيل الرقيب الداخلي؟

 تُعدُّ التربية الذاتية إحدى الركائز الأساسية لتطور قدرة الإنسان في التكيف مع مختلف الظروف الحياتية. والرقيب الداخلي جزء لا يتجزأ من هذه العملية، حيث يعمل محفزًا وموجهًا للسلوك الفردي. وحتى يتم  استخدام فكرة الرقيب الداخلي، يجب زراعة الرقابة الذاتية في نفس الطفل كهدف من الأهداف الرئيسية للتربية النفسية الفعالة، كون الرقابة الذاتية تساعد هذا الطفل على تطوير الوعي بالذات والتحكم في الانفعالات واتخاذ القرارات المسؤولة عبر بعض الاستراتيجيات التي يمكن تطبيقها لتعزيز الرقابة الذاتية لديه، مثل:

-القدوة الحسنة: فالأطفال يميلون إلى تقليد السلوكيات التي يرونها.

-تعليم مهارات التعرف إلى العواطف: الطفل ممكن أن يشعر بشيء ما دون أن يتمكن من معرفة المسمى المناسب له بشكل صحيح؛ فهو حجر الزاوية للتحكم في العواطف وتنظيمها.

-تمكين الطفل من اتخاذ القرارات و مناقشة الخيارات وعواقبها للإسهام في تطوير التفكير النقدي والرقابة الذاتية.

-تعزيز الصبر من خلال ألعاب وأنشطة تتطلب الانتظار وتأجيل الإشباع، يمكّن تعليم الطفل قيمة الصبر والانتظار للحصول على المكافآت.

-إعطاء المسؤولية من خلال تكليف الطفل بمهام ومسؤوليات مناسبة لعمره ليتعزز شعوره بالاستقلالية ويساعده على تطبيق الرقابة الذاتية في تنفيذها.

-الثناء على السلوك الإيجابي؛ فالاعتراف بالسلوك الإيجابي يعزز تكراره.

-كيفية تحديد المشكلات وإيجاد حلول مبتكرة لها؛ لزرع مهارات التفكير النقدي والتحكم في الردود الانفعالية.

-تعليم تقنيات بسيطة للاسترخاء مثل التنفس العميق، العد للعشرة، أو التأمل لمساعدته على التحكم في انفعالاته.

-اللعب التفاعلي لتعليمه مهارة تتطلب التناوب ومشاركة الأدوار فيكتسب الطفل الصبر واحترام دور الآخرين.

-التواصل الفعال فعندما نتحدث مع الطفل بشكل منتظم حول مشاعره وأفكاره، ونستمع إلى ما يقوله بانتباه واحترام. هذا يعزز الثقة بالنفس والتعبير الصحي عن الذات.

-تعليم التفهم والتسامح مع الأخطاء الذاتية وأخطاء الآخرين وأن التعلم من الأخطاء جزء من النمو الشخصي.

من المهم أن تكون هذه الأساليب متسقة ومستمرة في التطبيق، وأن يشعر الطفل بالدعم والحب خلال هذه العملية. فإن تطوير الرقابة الذاتية ليس عملية تحدث بين عشية وضحاها بل هي رحلة تربوية مستمرة.

***

ريما آل كلزلي

...........................

* جاك لاكان، اللغة…الخيالي و الرمزي، إشراف: مصطفى المسناوي، ط1، منشورات الاختلاف، الجزائر، 2006م، ص11

 

في المثقف اليوم