أقلام فكرية

طارق بوحالة: النسق الثقافي

طارق بوحالةتمهيد: يبحث النقد الثقافي كما هو شائع في الدرس النقدي المعاصر داخل النصوص الأدبية عن أهم مواطن الأنساق الثقافية، خاصة المضمرة والمتوارية خلف البناء الجمالي لهذه النصوص ومنه تتمحور مهمة هذا النشاط النقدي أساسا في الكشف عنها، ثم تأويلها واستحضار السياق الذي أنتجها. لهذا فإن القراءة الثقافية هي قراءة ذات طبقات، فهي أولا عبارة عن قراءة نصية، تنطلق من داخل النص، وثانيا قراءة خارجية تبحث عن تأويل النسق الداخلي في ضوء السياق الخارجي.

1- مفهوم النسق الثقافي:

يجمع مصطلح النسق الثقافي بين كلمتي "النسق" و"الثقافي"، لهذا يجب أولا تعريف مفهوم النسق لغة واصطلاحا، إذ يوجد فرق بين النسق والنسق الثقافي. وتعريف النسق في اللغة العربية مأخوذ من عبارة تنسيق وتنظيم الكلام؛ أيّ ..."عطف بعضه على بعض ونَسَق الدّر نظمه، والتنسيق: التنظيم... ومن المجاز: ثغر نسق إذا كانت أسنانه مستويّة، وكلام نسق إذا جاء على نظام واحد ..."1. ومنه يفيد النسق النظام والتنسيق، كما يفيد أيضا التنظيم والعطف، ومنه "...حروف النسق التي تفيد حروف العطف ..."

ويجري عادة استخدام كلمة النسق مرادفة لكلمة النظام خاصة في مجال الدراسات اللسانية، وهنا يترجم مصطلحsystème system/ مرة إلى نظام ومرة إلى نسق.

1- خصائص النسق:

يتصف النسق - ولا نقصد النسق الثقافي- بل نقصد النسق في عموميته بجملة من الخصائص والمواصفات أهمها:

"- البناء: أيّ إن عناصر المجموعة ليست متفرقة يقع النظر في خصائصها واحدا واحدا، ولا متكدسة، تؤخذ أخذ الكل الذي لا يتجزأ، ولا يتفرع.

- العلاقات: وهي كل الارتباطات التي تجمع بين الأفراد.

- العمليّات: وهي الارتباطات التي تجعل الأفراد يتولد بعضها من بعض."3

ترتبط هذه الخصائص بمفهوم النسق العام، أي النسق سواء كان ذا طابع لساني أو اجتماعي أو معرفي أو ثقافي..

وتتصف الأنساق العامة من الناحية الاجتماعية بصفة " النسق الفوقي (super system)؛ أي النسق الاجتماعي الكلي للسكان والذي يتصف بالتكامل إلى حد ما، ويتكون من اللغة والدين والفنون والأخلاق."4

يتقاطع عند الكثير من الدراسيين مفهوم النسق الاجتماعي مع مفهوم النسق الثقافي، خاصة إذا تضمن الأول مكونات اللغة والدين والفن والأخلاق...

2- النسق الثقافي/ الأنساق الثقافيّة:

غالبا ما يستعمل في حقل النقد الثقافي تعبير "الأنساق الثقافيّة" للدلالة على أنها "قوانين/ تشريعات أرضية من صنع الإنسان، في مقابل التعاليم السماويّة التي أنزلها الله تعالى في الأديان، وضعها الإنسان لضبط نفسه ولتصريف أموره في الحياة وهي تعبر عن تصوير الإنسان القديم لما ينبغي أن تكون عليه الحياة، والأنساق الثقافية قابلة للتطور شأنها شأن كل عناصر الحياة..."5.

تتصف الأنساق الثقافية بطابع الحركية والتحول داخل حياة المجتمعات، كما إنه لكل مجتمع أنساقه الخاصة، وهو ما يجعلها تسهم في بناء الحياة الاجتماعية، فهي تأخذ بعد انتشارها وظيفة القوانين والتشريعات التي تنظم هذه الحياة.، وتتحكم في سلوكيات الأفراد.

" ويكون النسق الثقافي حسب القيم الأساسية التي يعممها في حقبة معينة ولدى جماعة محددة أنماطا ثقافية تعكس عقليات سائدة وتجسدها في فلسفات أو أصناف أدبية أو أساطير أو فنون، وهذه الأنماط يمكن أن تنتقل من ثقافة إلى أخرى في الحقبة نفسها أو في حقبة أخرى، وتشحن بقيم ودلالات جديدة وذلك تبعا للنظام الثقافي- الاجتماعي الذي تدخل فيه." 6

3- شروط الأنساق الثقافية:

يقترح الناقد السعودي عبد الله الغذامي شروطا للأنساق الثقافية في كتابه "النقد الثقافي، قراءة في الأنساق الثقافية العربية" (2000)، مجموعة من الشروط وهي:

1- يتحدد النسق من خلال وظيفته وليس من خلال وجوده المجرد، ويشترط في تحقيق هذه الوظيفة النسقية: أن يتعارض نسقان داخل الخطاب، أحدهما ظاهر والآخر مضمر.

2- تتعلق وظيفة النسق بما أسماه عبد الله الغذامي: "الوظيفة النسقيّة" والتي لا تتحقق إلّا في وضع محدد ومقيّد، وذلك حينما يتعارض نسقان، أو نظامان من أنظمة الخطاب، أحدهما ظاهر والآخر مضمر، ويكون المضمر ناقضا وناسخا للظاهر.

ويشرح الغذامي ذلك قائلا: "إن مواصفات الوظيفة النسقيّة هي نسقان يحدثان معا وفي آن، وفي نص واحد أو في ما هو بحكم النص الواحد، يكون المضمر منهما نقيضا ومضادا للعلني، ...ولا بد أن يكون النص جميلا ويستهلك بوصفه جميلا، كما أن يكون النص جماهيريا..."

يمكننا أن نجمل شروط النسق الثقافي وعلاقته بالنصوص الأدبية فيما يلي:

- يبحث النقد الثقافي عن الأنساق الثقافية المتوارية خلف البناء اللغوي والجمالي، بمعنى أنه يتعامل بالدرجة الأولى مع المضمرات النسقيّة.

- لا ينفي هذا الشرط الأول تعامل النقد الثقافي مع الأنساق الظاهرة؛ أيّ إنّ النسق المضمر ليس إلا وجها ثانيّا لنسق ظاهر.

- ليست كل النصوص حاملة لأنساق ثقافيّة مضمرة، فهناك بعض النصوص المسطحة التي لا يمكن لنا إعمال آليّة التأويل أثناء قراءتها، بسبب غياب شرط الجماليّة الذي يعد ضروريا في القارءة النقدية الثقافية، عكس ما يروج.

والأنساق الثقافية أيضا عبارة عن نظم بعضها كامن وبعضها ظاهر في أية ثقافة من الثقافات وتتفاعل في هذه النظم العلاقات المجازية عن التذكير والتأنيث الثقافيين والعرق والدين، الأعراف الاجتماعية والقيود السياسية والتقاليد الأدبية والطبقة وعلاقات السلطة التي تحدد المواقع الفاعلة للذوات." 8

ومنه تنقسم الأنساق الثقافيّة إلى أنساق ظاهرة وأخرى مضمرة، ثاوية في النصوص، تحتاج إلى البحث خلف الجمالي والسعي من أجل الكشف عنها وتأويلها في ضوء السياق الذي أنتج فيه النص.

الأنساق الثقافية والخطاب الأدبي:

كثيرا ما تثير قضية النسق الثقافي وعلاقته بالنص الأدبي جملة من التساؤلات، خاصة في الجانب الإجراء وقراءة النصوص الأدبية والسعي إلى الكشف عن الأنساق الثقافية داخلها.

ترتبط الأنساق الثقافية داخل النصوص الأدبية بعملية القراءة والتحليل، بمعنى إنها لا تتكشف إلا من خلال التأويل في ضوء السياق الثقافي الذي أنتج هذه النصوص. ثم إن القراءة هي التي تعيد تشكيل الأنساق الثقافية المتوارية خلف البناء الجمالي واللغوي للنصوص الأدبية.

ويمكننا أن نقول أن الأنساق الثقافية هي أنظمة مكونة من العلامات الثقافية سواء كانت رمزية أو دينية أو شعبية أو أسطورية أو سياسية أو اجتماعيّة، تنصهر جميعها داخل النص الأدبي، فيظهر منها جزء ويختفي أو يضمر جزء آخر. وهي تخضع إلى نظام الأدب الذي هو مزيج بين الواقع والمتخيل. وهو ما يسمح لها بأن تتسرب خلف البنية الجمالية. مما يجعل منها ذات طابع تمثيلي لما هو موجود في الحياة الاجتماعية.

خلاصة:

وختاما لابد من الوقوف عند نقطة مهمة مفادها أن النقد الثقافي لا يهتم فقط بالكشف عن الأنساق الثقافية المضمرة وتأويلها، بل يبحث في الأنساق الثقافية الظاهرة باعتبارها مرحلة أولى للبحث في الأنساق المضمرة. ثم تأويلها، وقد تتعارض الأنساق الظاهرة مع الأنساق الخفية وتنافيها. كما يمكن للأنساق الثقافية داخل النص الأدبي أن تتعارض مع تلك الموجودة داخل الحياة الاجتماعيّة.

 

د. طارق بوحالة

......................

الهوامش:

- الشيخ طاهر الجزائري الدمشقي: الكافي في اللغة، تحقيق: أبو قاسم الجزائري، دار ابن حزم، بيروت، ط1، 2007.

2- محمد مفتاح وأحمد بوحسن: المفاهيم (تكونها وسيرورتها)، منشورات كليّة الآداب، الرباط، المغرب، ط1، 2000.

3- هيثم عزام: النقد الثقافي، عمان، ط2015.

4- أحمد يوسف عبد الفتاح: لسانيات الخطاب وأنساق الثقافة، منشورات الاختلاف، الدار العربية للعلوم، بيروت، الجزائر، ط1، 2010

5- عبد الله الغذامي: النقد الثقافي، قراءة في الأنساق الثقافية العربية، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، ط3، 2005

6- ضياء الكعبيّ: السرد العربي القديم، الأنساق الثقافيّة وإشكاليات التأويل، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، بيروت، ط1.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5633 المصادف: 2022-02-06 03:44:52


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5869 المصادف: الجمعة 30 - 09 - 2022م