 أقلام فكرية

كورت مولر فولمر: منهج التأويل.. بدايات الانعتاق من التفسير

محمد حسين النجمبقلم: كورت مولر فولمر

ترجمة : محمد حسين النجم


 ان الجذر الاشتقاقي لمصطلح التأويل** يحمل صلة واضحة بـ (هرمس) رسول الالهة عند الاغريق، ويوحي بعدد وافر من المعاني، فلكي يوفق في نقل رسائل الالهة، كان على (هرمس) ان يكون ملما بلغة الالهة، مثلما هو كذلك بلغة الفانين الذين أرسلت اليهم، عليه ان يفهم ويفسر لنفسه ما تريد  الالهة نقله قبل ان يشرع بالترجمة والصياغة اللفظية والتوضيح لإرادتها. ولغرض وصف الاوجه المختلفة لمهمة (هيرمس) يملك المحدثون، في جعبتهم، عددا كبيرا من المصطلحات، مثل (الأهلية اللغوية)، (القدرة على التوصيل)، (حسن المعالجة)، (الفهم)، و(التفسير). ان البحث في مهمة (هيرمس) ربما تعطينا دلالة واضحة على التعقيدات التي ينطوي عليها مصطلح (التأويل)، ومشروع التأويل ذاته، اذ ظهر المصطلح في العصر القديم بشكل مشوش، حين استخدمه ارسطو عنوانا لاحد مؤلفاته (حول التفسير)*** والذي عالج فيه منطق العبارة، البناء النحوي الذي يرتبط فيه الموضوع والمحمول في الكلام البشري للكشف عن صفة الأشياء .

في سبيل ان نتجنب الاختلاط لابد ان نجعل فاصلا بين تاريخ المصطلح وتاريخ ما اتخذه الأمر من دلالة في يومنا هذا. فالتفسير تم انجازه بطرق مختلفة في الماضي المتأخر، كما في مدرسة الاسكندرية على سبيل المثال، ثم صار لاحقا جزءا تكميليا للثقافة اللاهوتية في العصور الوسطى، اما التأويل، بصفته اسلوبا معرفيا، فلم يجد ميلاده حتى ظهور عصر النهضة والحركة الاصلاحية. ففي مقابل الاصرار الكاثوليكي على سلطة الكنيسة والتقليد في قضايا فهم وتفسير الكتاب المقدس، والذي تم تأكيده في مجلس ترنت عام 1546م قدم الاصلاحيون البروتستانت مبادئ الوضوح والاكتفاء الذاتي للنص المقدس. وبذلك ظهرت الحاجة عند الإصلاحيين لتطوير وسيلة للبرهنة على العقلانية الأساسية والطبيعة غير المتناقضة للكتاب المقدس  .

اكثر المنظرين والمدافعين البروتستانت اهمية في مجال تفسير الكتاب كان ماثيباس فلاسيوس البريكوس بمؤلفه (مفاتيح الكتاب المقدس) **** الذي ظهر في 1567والذي حذا فيه حذو التقليد الخطابي الأرسطي وجملة الموروث من تفسيرات اباء الكنيسة للكتاب المقدس منذ (اوریجن) حتى ايامه، وفيه وضع فلاسيوس الأساس الثابت لتطوير التأويل البروتستانتي. وقد أعيد طبع مؤلفه عشر مرات خلال مائة عام.

 قدم فلاسيوس برهانين اساسيين اثبتت التطورات اللاحقة اهميتهما . الاول اظهر فيه انه اذا لم يفهم الكتاب المقدس بشكل مناسب، فان هذا لا يعني بالضرورة ان على الكنيسة أن تفرض تفسيرا خارجيا لجعله قابلا للفهم، بل هذا يعكس المعرفة غير الكافية والاعداد غير المناسب للمفسرين، وعليه فان الإحاطة باللغة والتمرس في التأويل يمكن ان يعالج الوضع .

الثاني، ادعى فلاسيوس، متفقا مع اراء اصلاحيين اخرين مثل (لوثر) و(ميلانختون) بان الكتاب المقدس ينطوي على تماسك داخلي وترابط، وعليه ناشد المفسر بان يوضح حقيقة اي مقطع فردي في ضوء الترابط الشمولي للكتاب المقدس.

 واذ اعتقد فلاسیوس بانه قد حرر التفسير (المقدس) من قواعد وقيود سلطة الكنيسة والتراث، فانه لم يدرك بانه، هو ذاته، قد ساعد في تقديم نسق جديد من التقاليد التي شكلت بمجملها قواعد التأويل، التي سوف تؤمن درجة ضرورية من القبول في قضايا تفسيرالكتاب المقدس. والتي بدون مثل هذا القبول فان وحدة الكنيسة البروتستانتية سوف تتداعى .

بالإضافة الى التأويل المقدس للإصلاحيين البروتستانت، فان ثلاث نزعات اخرى قد ساعدت في بزوغ التأويل الحديث:

التطورات في الفيلولوجيا التقليدية (الكلاسيكية)، فلسفة التشريع، والفلسفة. ان انبعاث الاهتمام في دراسة النصوص الكلاسيكية لقدامى اليونان والرومان ظهر خلال عصر النهضة. الباحثون الانسانيون واتباعهم في الجامعات والمعاهد قدموا معينا من المناهج النقدية الفيلولوجية والتي كان موضوعها تقرير سلطة النص المعطى، واعادة تنظيم ترجمة النصوص الأصلية او الصحيحة بالقدرالممكن . ان النقد الفيلولوجي واهتماماته صار مصدرا مهما للتطورات اللاحقة للنظريات النسقية في التفسير. وقد ظل التراث التأويلي للإنسانيين حيا الى القرن الثامن عشر، كما تشهد بذلك إعادة الطبع المتكررة لأعمال معينة لكتاب امثال (فيفس)، (سكيوبيوس) و(جوهانيس كليريكوس). وقد صنفت نظرية الترجمة لبعض الوقت ضمن مقولة التفسير، كما هو الحال، على سبيل المثال، في أعمال الإنساني الإنجليزي (لورينتيوس همفري) في القرن السادس عشر واعمال الاب الفرنسي (هویت) في القرن السابع عشر.

 ان احياء الاهتمام بالقانون الروماني، الذي بدأ خلال ما يعرف بنهضة القرن الثاني عشر في ايطاليا، والذي تزامن مع جهود الباحثين لتفسير تشريعات جستنيان (533 م) قاد الى تطوير نوع من التأويل خاص بفلسفة التشريع. هذا التأويل الخاص سرعان ما انتشر عبر جبال الألب الى بقية اوروبا. .

 في عام 1463م) لخص (كونستانتيوس روجيريوس) الاتجاهات الأساسية لهذه الجهود التفسيرية والتي وجدت مركزها في (بولونا) من خلال بحثه (رسالة تتعلق بتفسير القوانين) . اراد روجيريوس ان يوضح وينسق الاجزاء المختلفة لتشريعات جستنيان. قدم تمييزا رباعيا لأشكال التفسير القانوني والتي اطلق عليها تفسيرات (اصلاحية)، (شمولية)، (تقييدية) و(تقريرية). وقد ظلت هذه التمييزات حية حتى بداية القرن التاسع عشر حين حلت المدرسة التاريخية لـ (سافيني) واتباعها محل التأويل القانوني التقليدي.

ان ظهور وتطور التأويل القانوني ارتبط بشكل حميم بظهور الفيلولوجيا، وبذا يمكننا أن نشهد تداخلا مستمرا للأفكار والمفاهيم بين حقل واخر.في (عام 1559 م) لاحظ الباحث الإنساني فرانسيسكوس هوتومانوس) في كتابه  lurisconsul – tus ان التفسير النحوي اساس تحليل النص القانوني. وفي الحقيقة فان التفسير النحوي ظل مقولة أساسية لأغلب الكتاب في التأويل القانوني .

في رسالته حول علم التفسير (ظهرت 1689م) حاول القانوني الالماني (جوهانيس فون فيلد) أن يضع مبادئ تفسيرية يمكن ان تكون صادقة لكل اصناف النص، سواء كانت ادبية او قانونية. كما قدم كذلك تعريفا للتأويل سوف يوظفه (خالدينيوس) في تاويله. بالنسبة الى فون فيلد فان القول (ان تفسر) يعني أن تشرح، لأمرئ ما، ما يثبت عجزه عن فهمه.

 القانوني (ثيبوت) - الكاتب الأخير في التقليد الانساني والتنويري- حدد في (عام 1806 م) الصلة بين التفسير النحوي والانواع الاخرى من التفسير القانوني بالشكل التالي: ينبغي للتفسير النحوي ان يتجه بشكل كلي الى المعنى الحرفي للقانون المعطى. انه يجد حدوده فقط حيثما يكون معنى القانون عصيا على الفهم في الاستعمال اللغوي الاعتيادي. في هذه الحالة ينبغي أن نأخذ في الاعتبار (غرض) وفهم المشرع (اي التفسير المنطقي) .اخيرا، مع الرغبة العارمة لفلاسفة التنوير في الشروع في كل شيء من مبادئ معينة ولغرض تنظيم جميع المعارف الانسانية، صار التأويل مجالا من مجالات الفلسفة. لاحظ فلاسفة التنوير بان التأويل ومشاكله تعود الى حقل المنطق، متبعين في ذلك المثال الأرسطي الذي حل مشاكل المنطق في رسالته حول التفسير، هذه كانت حدثا مهما في تاريخ الفكر التأويلي، لأنه حتى ولو ان بعض الكتاب لنصوص تأويلية خاصة، لاهوتيون،  قانونيون، وفيلولوجيون قد اشاروا بشكل متكرر الى مبادئ ومفاهيم قابلة للتطبيق بشكل عام في اعمالهم، الا انه لم يكن للتأويل العام، بصفته فرعا معرفيا، أن يولد الى ان جعل فلاسفة التنوير من مشاكل التأويل مدار اهتمامهم. كانوا يناضلون لتأكيد ان التأويل مثله مثل المنطق ذاته، يقوم على قواعد ومبادئ معينة قابلة للتطبيق بشكل عام والتي هي صادقة لجميع حقول المعرفة التي ترتكن على التفسير. وعلى الرغم من ان دعوى الكليانية للتأويل الفلسفي للقرن العشرين يختلف بشكل جذري عن موقف عصر التنوير، الا ان مفکرین امثال هيدجر وجادامير، في بعض المجالات الأساسية، لازالوا يتبعون مثال اسلافهم في القرن الثامن عشر. وهكذا نجد ان التأويل العام عند جادامير هو جزء من الفلسفة لأنه يتعالى على حدود المعارف الفردية ويتعامل بدلا من ذلك مع اسسها . لعل كرستيان وولف اكثرفلاسفة التنوير للقرن الثامن عشرانتاجا وتاثيرا، وقد ضمن كتابه الأوسع انتشارا حول المنطق عددا من الفصول عالج فيها مشاكل التأويل، من بينها (حول قراءة كتب التاريخ والعقيدة) و(حول تفسير الكتاب المقدس). يؤكد وولف بانه مادام الكم الأكبر من معارفنا يأتينا عن طريق الكتب، اذن  يجب علينا ان نلوذ بأحكامنا النقدية فيما يتعلق بمصداقيتها.

لقد قسم جميع الكتابات الى نوعين : (تاریخي وعقائدي). والأعمال التي تتعلق بالصنف الأخير يجب ان تفحص وفقا لقوة حججها وما تحتويه من صدق، ومعرفة مادة الموضوع المعروض .

الكتابات التاريخية يتم فحصها، من جانب آخر، وفقا لـ (الكمال) في الوصف التاريخي الذي تقدمه، ووفقا لـ (مصداقيتها) و(اخلاصها). ومادام مقتربنا من الصدق التاريخي وما تشير اليه الاحداث السابقة هو الماضي، فان كمال الوصف يمكن توكيده فقط بالاشارة الى فهم المؤلف. ان فكرة (فهم) المؤلف، كما استخدمها وولف وخلادينوس، ومنظرين تنويريين اخرين، لا تحمل المعنى النفسي (السيكولوجي) الذي تحمله اليوم. ولا يمكن ان نأخذه بالمعنى الذي فهم به شليرماحر والرومانتيكيون الاخرون العمل الأدبي، باعتباره تعبير عن فردية المؤلف . بالنسبة الى وولف ومعاصريه فان (فهم) المؤلف ليس تعبيرا عن شخصيته بل هو يرتبط بالجنس المحدد من الكتابة الذي ينوي انتاجه . فهناك، وفقا لوولف، بالإضافة الى نسق القواعد والمبادئ التي تحكم جميع حقول المعرفة، اشكال  تناول خاصة لابد ان تقدم وفقها هذه المعرفة ..

أن مفهوم، نية المؤلف، يحمل في المقام الأول دلالة موضوعية وعامة. بالنتيجة، يناقش وولف اصناف وانواع مختلفة للكتابات التاريخية في حدود مفاهيم مختلفة تحكمها، فهو يميز بين مفاهيم التاريخ الطبيعي، تاريخ الكنيسة

، التاريخ العالمي (السياسي) وتاريخ التعليم. أن نحكم على كتاب وفقا لفهم مؤلفه يعني ان نتحقق من الدرجة التي نجح مؤلفه فيها في الاخلاص للمتطلبات العامة للبحث المخصص الذي اختاره. ان معنى النص او المقطع المعطى ليس هو القضية بالنسبة

الى وولف فالكلمات والجمل - اذا ما استخدمت بشكل سليم - يمكنها دائما ان تحمل المعنى الذي يقصده المؤلف. اذا ما ظهر النص مبهما او غامضا فهذا لان الكاتب لم ينجح في الاستعمال السليم للغة، او الشرح الصحيح للمصطلحات، او في البناء المناسب لبراهينه. ان نظرية وولف نظرية معيارية بقوة ليس فقط في مجال كيف ينبغي قراءة الكتب، بل وكذلك كيف ينبغي أن تكتب .

ان براهينه تحتوي على عدد من الأفكار والتي تم تطويرها بشكل اكثر غنى بعده بعقود قليلة في اول عمل منهجي حول التأويل العام كتب باللغة الدارجة .

 

...................................

 *Kurt Mueller- Vollmer  (Editor): The Hermeneutics Reader، Basil Blackwell، UK،1985 (Introduction)

 **Hermeneutic

 ***Prei Hermeneias

 **** clauis scripturae sacrae

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5645 المصادف: 2022-02-18 01:15:14


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5776 المصادف: الاربعاء 29 - 06 - 2022م