 أقلام فكرية

رؤية في الإضطرابات العصابية والحالات الحدية.. شيء من التحليل النفسي

اسعد شريف الامارةعلمونا من دَرسنا علم النفس المرضي من مدخل التحليل النفسي بأن الحالة التي تكون فيها الأنا قوية وتوجد فيها رغبة في التعمق في حل المشكلة جذريًا ولديها القدرة على تحمل الألم والاحباط يفضل فيها العلاج النفسي التحليلي analytic psychotherapy، وفي مجتمعات تعرضت لأزمات كبيرة وحالات عصابية شديدة منها عصاب الصدمة، وعصاب الحرب، وعصاب القلق والتغير السريع في القيم بحيث تحولت الحالات البسيطة من الاعصبة إلى حالات متقدمة وصلت بعضها إلى الذهان وحالات الانتحار المفاجئ، أو حالات الفصام "الشيزوفرينيا" الحالات البسيطة وهي أشدها مثل رجل يقتل اسرته ولا يدري بما حدث، او أمراة تقتل ابنائها وزوجها في نوبة ذهانية مفاجئة وهكذا ما يعيشه إنسان اليوم ليس في بلدان بعينها من بلدان العالم الثالث فحسب، بل في بلدان متقدمة تكنولوجيًا ولها سبق التقدم والتطور السريع وعلى درجة عالية من الرفاهية، وتقول المحللة النفسية" هيلين دويتش" ان الاعراض العصابية ليست في الحقيقة إلا محاولات فاشلة لحل الصراع الداخلي، وإن الصراعات العصابية الداخلية تنشأ عندما يحال بين اللبيدو وبين امكان العثور على إشباع يرضى عنه الأنا في العالم الخارجي، أو عندما تحول الاصابات النرجسية غير المحتملة دون تحقيق اعلاء مقبول" دويتش، ب.ت، ص 12" ولو تسائلنا من هو العصابي؟ العصابي كما يقول"جاك لاكان" يتوكأ على وظيفة الأب الرمزية ويستند إليها في تقبل تساؤلاته وقبولها، إنها الوظيفة التي ترتكز عليها العقدة الأوديبية في تكوينها وتبلورها، وترتكز عليها بصفة أشمل وأوسع مع كل ذات الفرد في نضجها ونموها" لاكان، 2017، ص 7" وعليه فالعصابي يعطي الأفضلية للواقع، والذهاني لعامله الداخلي" زيور، 1986، ص147" وما زلنا في معرفة شيء ولو باليسير عن العصاب في علم النفس المرضي Psychopathology من مدخل التحليل النفسي حصرًا. أن الأعصبة ما هي إلا تشكيلة تباينات لنمط كيفي واحد قوامه التجنب أو العزل" مخيمر، ب.ت، ص 17" التجنب أو العزل ميكانيزم – آلية- دفاعية" ويذكر "مخيمر أيضًا قوله نقلا عن هندرسون وباتكيلور من خلال حالة عيادية لحالة مريض بدأت الاعراض لديه في صورة عصاب القلق، ثم تطورت إلى أعراض عصاب قهري "وساوس" ثم أنتهى به الأمر إلى أعراض البارانويا "اضطراب عقلي"، وهنا ننتقل إلى الحالات الحدية من الأعصبة إلى الأذهنة واستنادًا لـ: مخيمر" فإنه يعد " القلق" هو المنطلق وإن بقى على هذا الحال فهو عصاب القلق، وعندما يتجدول هذا "القلق" إلى موضوع خارجي تكون الفوبيا" المخاوف المرضية"، وإذا تدخلت الازاحة بمعناها الفسيح الذي يشمل الإسقاط، تكون الفوبيات " المخاوف المرضية" بمعنى الكلمة وفي كل هذه الحالات يكون الدفاع بالعزل، أي يتجنب الموضوع البديل، أو الموقف البديل، وفي حالة العصاب القهري " أفكار وأفعال - مسالك قهرية" يتم التجنب بنوع جديد من العزل، فالفكرة الحصارية "المتسلطة القهرية يتم عزلها عن الجهاز الحركي أي التنفيذ في نفس الوقت الذي يتم عزلها عن شحنتها الإنفعالية الدافعه. أما في حالة الأضطرابات الذهانية " العقلية" حيث يكون النكوص يمعن بعيدًا عن الموضوعاتية"القصد هنا الابتعاد عن الواقع إلى عالم الخيال الخاص"، إلى النرجسية، تتعطل الأنا وحس أختبار الواقع عندئذ فإن الحفزة الغريزية سبب القلق والتي أدت في تجنبها إلى الفوبيات أو التبدينات أو الاحصرة أو القهور، تخرج هنا إلى السطح وتصبح اعتقادًا جازمًا "هذيانات" تحولت الرغبة إلى اعتقاد جازم في واقعيتها، وتظهر في خدمة ذلك تحريفات الإدراك والإدراك بغير موضوع " الهلوسات" كما يظهر كمحصلة لهذا كله الخلط العقلي، ذلك على الترتيب، الهوس أو الفصام في صورته القصوية أو في صورة بارانويا، أما عندما تنتصر الدفاعات وتحتل المسرح وتنسحب الحفزات من مسرح الذاتية التي تتحقق فوقه، فعندئذ يكون الاكتئاب" مخيمر، ب.ت، ص19" دعونا نذهب بكم في مضمار تعريف مفهوم العصاب والحالة الحدية كما ورد في موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، يرى التحليل النفسي أن العصاب إنما هو إضطرابات وظيفية أو هو علة نفسية المنشأ لا يوجد معها إضطراب جوهري في إدراك الفرد للواقع أو الإنية كما نرى في الذهان، ولا يقف التحليل النفسي عند فكرة الإضطراب الوظيفي والعلة النفسية المنشأ فحسب، بل يرى في الأعراض العصابية تعبيرًا رمزيًا عن صراع نفسي يستمد أصوله من التاريخ الطفلي للفرد ويمثل تسوية بين الرغبة والدفاع، أو هو حل وسط بينهما في مستوى المتخيل، فالعرض والحالة إشباع بديل للرغبة وحل توفيقي، ويجمل الطبيبان النفسيان المعاصران إي ويرست تعريفهما للأعصبة باعتبارها إضطرابات أو عواطف أو أفكار تظهر دفاعًا ضد الحصر، وتتشكل توفيقيًا في إتجاه هذا الصراع الذي يحقق فيه الشخص من خلال موقعه العصابي مكاسب بعينها هي المكاسب الثانوية للعصاب" عبد القادر، 1993، ص483" أما الحالة البينية – الحدية Borderline فهي وصف يعبر عن موقع ظاهرة أو واقعة معينة تجعل من الصعب تصنيفها تصنيفًا قاطعًا في مجال دون الآخر، ذلك أن وقوعها في منطقة وسطية بين نوعين أساسيين ومتميزين من التصنيف يجعل لكل منهما خصائصه الفردية، والتي لا تنطبق كلها، كما لا تنفصل كلها عن تلك الظاهرة، ولذلك يجد الباحث نفسه مضطرًا إلى تحميلها بعض خصائص كلا التصنيفين، وفي مجال الصحة النفسية مثلا يصعب الفصل التام بين العادي وغير العادي، وتتداخل حدود السواء والاضطراب تداخل الحدود بين فصول العام الواحد، فخطوط التقسيم تجاوزية" قنديل، 1993، ص147" وفي الرؤية اللاكانية فترى الحالة الحدية Borderline بأنها الحالة التي تكون بين حالة الاضطراب العصابي والتي تتحول إلى حالة الإضطراب الذهاني، وفي ذلك يقول كريستين هوفمان في محاضرة له عن الحالات الحدية في رابطة الفضاء الفرويدي الدولي في باريس في العام  2022 عن أعراض قبل الذهان قوله يتحدث عن هذه الحالات لدى المراهقين قبل الذهان، ويلخص مصطفى صفوان بعض هذه الاعراض في حالات قبل الذهان من سيمنار "لاكان" وكما كانت تعرفها "هيلين دويتش" بحالة كما لو AS if  وهي حالات قبل الذهان أي الحالات الحدية، وهيلين دويتش تتحدث عن مرحلة قبل تطور الحالات الحدية، وكذلك من محاضرات رابطة الفضاء الفرويدي الدولي لـ المحلل النفسي "محمد درويش" ان الأنا في الحالات الحدية يتميز بعدم الاكتمال بوجود فراغات فيه، كذلك عدم اكتمال النرجسية الأولية بدرجة أو باخرى أكثر أهمية تترك في الأنا نوع من الفراغ الأكثر، أو الأقل حجمًا والذي يسعى الأنا طوال الوقت على أن يملأه دون جدوى، ويضيف "درويش" يصف "فرويد " في العصاب والذهان في العام 1924 كيف يدافع الأنا عن نفسه ضد الصراعات تحديدًا بالتصدع، خلق عدد معين من الفجوات، والأمر هنا يتعلق بـ "أنا" كفلي إذ انه بحاجة لعون من الآخر لكي يشعر بانه مكتمل نرجسيًا. وكل ما تقدم هي وجهة نظر ميتاسيكولوجية كما عرضها فرويد في دراسته للظواهر النفسية حيث ينظر إليها من وجهات مختلفة وتضم وجهة النظر الدينامية، ووجهة النظر الاقتصادية، ووجهة النظر الطوبوغرافية.

كيف ينشأ العصاب "الإضطرابات النفسية":

يرى "محمد شعلان" حينما تنشق عناصر محدودة من النفس عن الكل ويشكو صاحب الشأن من الآم يصفها بالمفاهيم النفسية وتشير إلى عدم رضا الشخص عن جزء منشق من نفسه، وهو لهذا متوافق نسبيًا مع المجتمع ومع جسده ولا يطرأ عليه تغيير كمي يذكر، أو تغيير كيفي إذ يبقى بنيانه متماسكًا نسبيًا، هذا ما نصفه عادة بالاضطرابات العصابية، اما إذا كان الانشقاق أكثر شمولا بحيث يطغي الجزء المنشق على الأصل ويفقد الشخص توافقه مع نفسه وجسده ومجتمعه على السواء فينطمس صوت الشاكي بداخله لدرجة أن تأتي الشكوى من المجتمع المحيط به فإن التغيير يتحول إلى تغيير كيفي يفقد الشخص تماسك بنيانه ويصبح إنشقاقه على نفسه جذريًا، وهذا ما نصفه عادة بالاضطرابات الذهانية" شعلان، 1979، ص23" أما "لاغاش" فيرى أن العصاب النفسي نتاج تفاعل بين الشخصية والوسط المحيط بها، ولايوجد عصاب نفسي بدون استعداد عصابي، أو بعبارة أدق بدون عصاب طفلي، ويضيف "لاجاش" رأي فرويد أن عقدة أوديب هي نواة العصاب. وكذلك في بعض حالات الهستيريا يكون التثبيت الاوديبي هو العامل الأساس في توليد الإضطراب "لاغاش، 1979، ص 117"

نحن نتحدث عن العصاب من وجهة نظر التحليل النفسي حصريًا وقول "أوتو فينخل" في كل الاعراض العصابية ثمة شيء يحدث يعيشه المريض غرابة ولا معقولية، وهذا الشيء يمكن ان يكون حركات لا إرادية وتغييرات في الوظائف البدنية، واحاسيس متنوعه كما في الهستيريا، وقد يكون حالة إنفعالية، أو مزاجية غامرة وليس لها ما يبررها، كما في نوبات القلق أو الاكتئاب، وقد يكون إندفاعات، أو أفكار غريبة كما في القهور والوساوس، فكل الأعراض توحي بأن شيئًا ما أقحم على الشخصية من مصدر غير معروف، شيئا ما يضطرب به استمرار الشخصية ويخرج عن نطاق الإرادة الشعورية، ولكن هناك أيضًا ظواهر عصابية من نوع آخر، ففي حالات عصاب الشخصية لا تبدو الشخصية متسقة، لا ولا مضطربة لهذا الحدث المزعج أو ذاك، بل تبدو في وضوح ممزقة أو غارقة في الإضطراب إلى حد يصعب معه القول أين تنتهي الشخصية، وأين يبدأ "العرض"؟ وكائنا ما كان اختلاف "أعصبة الأعراض" عن "أعصبة الشخصية" فإنهما يشتركان معًا في هذه الخاصية" فينخل، 1969، ص 59" وساحاول أن أوجز بعض الحالات من الأعصبة "الإضطرابات النفسية" بدءًا بالخفيف وحتى الخطير الذي من المحتمل أن يتحول إلى ذهان "إضطراب عقلي" وهي تشترك على الأغلب في بعض النقاط ومنها: الوهن، الوهن العصبي، الوهن السيكولوجي، الحصر، الوسواس، المخاوف المرضية، الهستيريا، التقلب الإنفعالي الدوري، الذهان الهذائي"برانويا"، وتشترك حالات العصاب وحالات الذهان ببعض الصفات المهمة رصدها لمن يشتغل في العلاجات النفسية بأنواعها ومنها يشعر المصاب بالدونية والعجز قبل الثقة بالنفس ويشعر بالخوف والعداوة والأثم، لذا يرى بعض علماء النفس قولهم تسود حياة العصابي قوى مجهولة خفية ليس له أي رقابة عليها، وهنا تظهر واضحة في العقد "عقدة " والشعور الدائم بالدونية والوساوس، ومثل "سيجموند فرويد" احوال هذا الشخص المصاب إنه يشبه الفارس الذي يُقاد حيث يشاء حصانه أن يذهب وهو يعتقد انه يقود حصانه. يقول " داكو" العصابي غالبًا ذو تصرف طفلي جزئي أو كلي فهو يتصرف في سن الرشد كما يتصرف في طفولته أو مراهقته، انه يبقى في اوضاع سابقة لا يرقى إلى أن يتخلص منها"داكو، 2007، ص 262" ونقول أن التثبيت Fixation  فعل فعلته في مرحلة من مراحل الطفولة، فلم يحصل على الإشباع النفسي المناسب أو الكامل في كل مرحلة من مراحل النمو العقلي والنفسي والعاطفي والإنفعالي فترك بصماته على النفس في سلوك الإنسان وهو كبير، فلذا يعجز العصابي عن التكيف مع الواقع والمجتمع، فهو يستجيب بطريقة لا مرونة فيها، كالهرب من المواقف الحياتية، والخوف من المواجهة، أو التعامل مع المواقف التي تحتاج الهجوم والمواجهة في الحياة اليومية على الرغم مما يتمتع به من ذكاء وقدرة عقلية وجسدية. ولو قارنا بين العصاب والذهان يكمن الفارق في درجة شعور الشخص بالحالة التي هو فيها ومثال ذلك نستعيره من "بيير داكو" قوله أفرض شخصًا يعاني الهلوسات فيرى الشيطان اذا كان هو عصابي مقتنعًا بلا معقولية هلوسته، وربما يرفض هذه الفكرة، وعلى العكس لدى "الذهاني" إذا كان يعتقد بالوجود الواقعي للشيطان، ويؤمن به ووجوده في عالمه الخاص. وكذلك من الامثلة لدى شخص عصابي أن يتخيل بأستمرار أنه يصنع أمور كبيرة جدًا وأنه واضع نظرية ولديه فلسفة خاصة وعالم مختلف عن الأخرين، وهو عظيم، مشهور في تخصصه.. الخ، إنه يعلم أن ذلك لا أساس له من الصحة ولكن أحلام اليقظة هذه نافعة نسبيًا إليه، إذ تتيح له أن يهرب من واقعه الداخلي، ولكن من مساوئ ذلك الإدمان على هذه الحالة وربما تتحول إلى برانويا العظمة وتكون حالة حدية وهي حالة فصام البرانويا، أما الشخص الذي يعتقد انه وكيل الامام المهدي المنتظر، أو مجدد فكر الامة والمخلص لهذه الأمة من الرجال، أما من النساء فتعتقد إنها السيدة مريم العذراء، أو زارتها في الطيف "فاطمة الزهراء وحدثتها عن النبي محمد" ، فهي أعراض الذهان، يصبح عندئذ غريبًا عن واقعه، مغترب عقلي، فالمريض بالذهان إذن لا يستطيع نقد حالته، وهو لا يشعر بها، ولا يعترف بمرضه، بل يرفض أنه مريض.

***

د. اسعد شريف الامارة

...............................

المصادر:

- داكو، بيير(2007) الانتصارات المذهلة لعلم النفس الحديث، ترجمة وجيه أسعد، الدار المتحدة، دمشق.

- درويش، محمد (2022) محاضرات رابطة الفضاء الفرويدي الدولي" غير منشورة"، باريس.

- دويتش، هيلين (ب.ت) محاضرات في التحليل النفسي والعصاب، ترجمة فرج أحمد فرج، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة.

- زيور، مصطفى(1986) في النفس، دار النهضة العربية، بيروت.

- شعلان، محمد (1979) الاضطرابات النفسية في الأطفال ج2، مؤسسة روز اليوسف، القاهرة.

- عبد القادر وقنديل، حسين و شاكر عطيه وآخرون(1993) موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، دار سعاد الصباح، الكويت.

- فينخل، أوتو(1969) نظرية التحليل النفسي في العصاب، ترجمة صلاح مخيمر وعبده ميخائيل رزق، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.

- لاكان، جاك  (2017) الذهانات، ترجمة عبد الهادي الفقير، دار التنوير، تونس، القاهرة.

- لاغاش، دانييل (1979) المجمل في التحليل النفسي، ترجمة مصطفى زيور وعبد السلام القفاش، مطبعة عين شمس، القاهرة.

- مخيمر، صلاح (ب.ت) تناول جديد في تصنيف الأعصبة والعلاجات النفسية، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة.

- هوفمان، كريستين (2022) محاضرة عن الحالات الحدية لدى المراهقين، ترجمة فدوى ناصر، رابطة الفضاء الفرويدي الدولي" غير منشورة" باريس

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5734 المصادف: 2022-05-18 11:37:13


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5779 المصادف: السبت 02 - 07 - 2022م