أقلام فكرية

الدين في حدود العالم الافتراضي (1)

سامي عبد العال"تجديد الخطاب في مجالات الفكر الديني نوعٌ من الترقّيع ليس أكثر.."

"نحن في حاجةٍ إلى ابداع رؤى إنسانية جذريةٍ حول الدين والعالم والحقيقة .."

"ستُغُيِّر الوسائط الافتراضية جوهرَاعتقاداتنا وستمثل ثورةً كونيةً في الفهم والحوار .."

تقديم

في حدود العالم الافتراضي (الوسائط – البيئات – البرامج- السرديات- العوالم الخيالية)، تجد الأديانُ نفسها (منزُوعةَ السلطةِ) إلى درجةٍ كبيرةٍ. كلُّ شيءٍ وارد، هناك: التنوع، التناقض، التغاير، النقد من المختلفين دينياً أو المؤمنين. إنَّه فضاء تواصُلي- فكري حُر دون حدودٍ، ذلك بخلاف سياق المعتقدات الدينية المطبوعة بقداسةٍ تؤكدها المذاهب نَصّاً وفعلاً، وبخلاف الواقع المحاط بآليات الأيديولوجيا الدينية. فمن الشروط المطروحة لكل دين هو التحديد المسبق لمناطق الإيمان وكيفية إدارته وفق المرجعية الغالبة، وهو ما يدخل في إطار المذاهب وأنماط التدين. وأنْ تكون تلك (المناطق الغامضة) تحت السيطرة حتى تعود الأديان إلى ما يريد اتباعُها وإلى ما يفعلون ويمارسون. أمَّا العالم الإفتراضي، فلا يأخذ بما هو مُسبق عادةً، ويقضي الحال بوجوده كوسيط أنْ تكون سماته وآثاره جزءاً لا يتجزأ مما يحدث.

وبالتالي ستنعدم القيود القائمة على السلطة الدينية لأول وهلةٍ مع العجز عن مراقبة المؤمنين أو الاتباع مباشرةً. فالتقنيات بطبيعتها يصعب متابعة الفاعلين فيها ويستحيل معرفة فائض التأثير الذي تحدثه في التو واللحظة. وحتى عندما تحاول الطوائف الدينية استنساخ طقوس افتراضيةvirtual rituals  خلال وسائط التواصل، سيكون هناك انفتاح ثري للعالم التقني اللانهائي على كلِّ الأطياف المختلفة. وليس ذلك فقط، بل لن يقتصر فضاءٌ حرٌ free space كهذا على دينٍ بعينه، وسيثير قضايا (اختلاف الاعتقاد) بشكلٍّ دائم.

ربما هذه هي النقطة القُصوى التي تُشكِّل " ثقباً أسود "black hole  لاتجاهات التدين التقليدي ناهيك عن مساءلة الأيديولوجيات الدينية. لأنَّ الواقع الإفتراضي يعمل عكس ما ترسَّخ وبخلاف ما تؤكد تلك الاتجاهات من أفكارٍ. إن الواقع الافتراضي يمثل مرجعية غير منحازة على الدوام ويصعب السيطرة عليها متمتعة بمعاييرها النوعية إزاء كل المتعاملين معها. وقد لا يحدث ذلك التأثير فقط للعقائد المتجاورة (كاليهودية والمسيحية والإسلام) بوصفها عائلةً ابراهيمية واحدةً، لكنه يدخل بنية الاعتقاد ذاته. بعبارة واضحة أنَّ التقنيات الافتراضية ستشكل مفاهيم الديانات وستؤثر فيها بحكم تكوينها لرؤى التواصُل والحياة. فهي ستدمج (معاني الانفتاح وأساليبه) في صلب ما نعتقد ونؤمن وستشحن أفكارناً بفراغاتٍ وأفكار حُرة أخرى، طالما أننا نتخيل ونفكر ونتعاطف ونرسم بها وجودنا الروحي والميتافيزيقي مع الآخرين.

هنا تثار قضايا فلسفة التقنيات الديجيتال وعلاقتها بالأديان، من حيث كونها تخلقُ أفكاراً تخلخل أبنية المعتقدات التقليدية والسلفية تحديداً، وتعيد الاعتبار للإيمان الحُر وللأفعال القابلة للتغير، لأنَّها وسائط فائقة المرونة كأساسٍ لعملية التعقل المختلف. وأبداً لن تكون وسائط التواصل "حاضنة مقدسة " holy incubator لما يبث فيها من أيديولوجيات ومذاهب سابقة الاكتمال. ولذلك يعدُّ الإرهاب الافتراضي وحتى حفظ الموروثات العنيفة مثل: النصوص والرموز والأصول النظرية والسرديات أمراً يدعو للشفقة والرثاء.

وقبل ذلك يمثل أمراً يدعُو للابداع وإيجاد طرق مغايرة على الأصالة لفهم الحياة والعالم. فالوسائط جدُّ متطورةٍ وتحمل إمكانيات مبتكرةً، بينما يحاول المؤدلجون نقل (ارسال - تكثيف – ترويج – اختزال) ما يؤمنون به كما هو، ولا يقبلون اختلافاً، كما أنهم يعيشون (في عقولهم) عصوراً غابرة. وكأنَّ المفارقة تقول: إنّ هناك تقنيات (ما بعد حداثية- وما بعد بعد حداثية) مذهلة، في حين أنَّ استعمالها مازال سلفياً حتى النُخاع!!

وهذا الوضع التواصلي يطرح أسئلةً كالتالي: ماذا يمثل العالم الافتراضي من أفكار فلسفيةٍ حتى يغير جوهر الخطاب(الفكر) الديني؟ هل العالم الافتراضي يفسح مجالاً حُرّاً لكافة الأطياف الدينية؟ كيف يحطم الوسيط الديجيتال المفاهيم المتوارثة من جذورها؟ هل سيطور آفاق التدين بشكل مفتوح وحُر؟ ما موقع الإنسانية الأخرى مما يعتقد أصحاب الأديان التقليدية؟ هل هناك ثقافة جذرية وراء التقنيات تصطدم بالثقافات الموروثة مع أصول الأديان ونصوصها وتقاليدها؟

إنَّ آفاق الدين في حدود العالم الافتراضي تخضع لآليات التقنية والأداء والتجريب الخلاَّق والحوار والتفكير والتخييل والرغبة في الحضور والتأثير على المتلقين. وهي أمور تتطلب ثورةً في مفاهيمنا ورؤانا حول العالم والحياة والتاريخ وكيف يتمثلها الفكر الديني. هذه الرؤى التي لم تستطع انسانيتنا العربية الإسلامية ابتكارها حتى اللحظة!!

ذلك للأسباب التالية:

الإيمان الافتراضي لن يماثل الإيمان الحرفي، ولن يخضع لمحدداته الصارمة بحال من الأحوال. لأنَّ الأديان في الفضاء الافتراضي لها سمات أخرى وتخضع لعلاقات مختلفة ومتغيرات من جنس عملية التواصل.

العقلانية الافتراضية هي فضاء" الفهم المفتوح "، حتى وإنْ ناقشت معتقداتنا التقليدية. وتلك العقلانية تتميز بأن هناك وجوهاً مغايرة في فهم المعتقدات والنصوص. كما أن السياق الكوني ليس متوارياً، لكنه أمر أساسي ومهم على اعتبار أن الآخر البعيد هو الأساس.

الثقافة الرقمية ليست طفيليةًparasite ولن تكون، لكنها جذريةً بقدر ما تغير أنماط التفكير. ولنا أنْ نتخيل كون الثقافة الرقمية ستغير بالفعل أساليب التعقل والنقاش وتبادل الآراء.

العلاقة بين الافتراضي والواقعي علاقة متداخلة الوجود، بل متماهية إلى درجة بعيدة. ولذلك سيكون العقل الافتراضي هو مجال الاحتكام والمعايير وسط ثقافته الداعمة.

تثوير الخطاب الديني من الداخل هو الاحتمال المناسب للبيئات الافتراضية virtual environment. لأنَّها تعتمد على آليات الفهم والتأويل والتساؤل والحوار والنقاش المفتوح. فضلاً عن كونها تخلق مفردات غريبة ومدهشة لا تحتاج إلى عملية تلقي سلبي.

تكوين ثقافة جديدة ملائمة لأساليب ومفاهيم بصدد التدين والاعتقاد، مثل البيئات الميتافيزيقية الإفتراضية.

بناء آفاق أخرى للتواصل وافراز قضايا جديدةٍ لم تكن معروفةً في السابق. مثل تلاقي الأديان في المنطلقات والغايات وقضية الأخُوة الإنسانية والتسامح الحر والاعتراف المتبادل غير المشروط.

إشكالية الثورة

الثورة فاعلية جذرية ذات طابع كلِّي لتغيير الأسس والقيم المُتعامل بها مع النصوص المقدسة والأفكار والتراثات الدينية. وهي قضية يجب إثارتها على نحو حقيقي، لأنَّ الجمود الفكري في مضمار الدين يمثل(جائحة وبائية) لا تقل خطورةً عن وباء كورونا. ومن مفارقات الزمن أنَّ كورونا كوباءٍ قد نكأ فيروسات العنف والارهاب الديني وأخبرنا بطرفٍ خفي: لماذا علينا أنْ نتعامل ثورياً مع الأوبئة الثقافية والاعتقادية؟، وكيف أنَّه " لا ينفصل فهم قضايا التجديد في مضمار الدين عن قضايا الكوفيد"؟ ولذلك يجب التساؤل: لماذا لا توجد ثورةٌ فكرية في مجال الأديان (ثورة الأسس والاختلاف - ابتكار المفاهيم - ثقافة مغايرة - خطابات جذرية)؟!

إنَّ " مقولة الثورة " تتعارض مع الأديان بوصفها قائمةً على الإيمان والتسليم والحاكمية والمرجعية الثابتة. ومن القضايا التاريخية أنَّ المؤمنين يخلعون التسليم كنوع من (تقديس التراث والتقاليد وأساليب الاعتقاد) على كافة أمور الفكر والحياة. وليس ثمة علاقة واضحة بين حياة الأولين وحيواتنا المعاصرة إلاَّ بشق الأنفس، لأن حياة الأولين كانت النموذج القابل للتكرار، بل المستحب تكراره باستمرار من جانب المؤمنين. ومن ثمَّ، فالثورة غير مطروحةٍ بمعناها الجذري في المجال الديني. لأنها ستسير عكس ذلك التكرار، كما أنها ستؤدي إلى نتائج لا يُحمد عقباها. الثورة اختلاف أساسي يقع في متن العادة والتسليم بما هو قائم أو بما هو ماضٍ. كما أنها لا تلتزم بشروط جاهزة دون نقاش.

وبخاصة أنَّ كل الأديان تظل مضروبةً (تاريخياً) فيما يلي:

أولاً: قداسة التراث: التراث هو نصوص وأحداث وأفكار وشروح ورؤى تجذبها الثقافة الغالبة إلى التكوين المُبكر للحياة التي أفرزتها. كما أنه يواصل استمراريته متخفياً وعالقاً بكل ما نحمله من ذاكرة ومن تصورات ومن معتقدات شئنا أم أبينا. التراث يرمي بوجوده الرمزي نحو المستقبل دوماً لا الماضي فقط ويطالب أصحابه بحل سوء التفاهم التاريخي مع ما حدث وسيحدث. وأصحابه هم الإمتداد الطبيعي لوجوده وفاعليته التي لا تكف عن التأثير القوي. ولكن هذا التراث تقليدي بحكم الزمن، ويمثل بالنسبة لأتباع الأديان الأصالة والمرحلة الطهرانية بفضل المنابع الخاصة بها. وعلى افتراض محاولة الثورة، ستحتاج هذه العناصر إلى مراجعةٍ وغربلة جذرية لما تنطوي عليه ولا تتماشى مع العصر، بل (وإعادة تأسيس) الأصول في ضوء فهمٍ مختلفٍ.

ومن ثمَّ، فإن قداسة التراث موضوع غير قابل للمس، إنه اللامساس ذاته. وإذا كانت أية ثورة يمكن أن تقترب من تلك المنطقة ستقابل بالرفض. والرفض سيكون لوناً من الدفاع الجهادي عن الدين ورموزه ووجوده. لأنه لا توجد (تمييزات واضحة) في عقول هؤلاء الأتباع بين الدين والتراث الذي يستند إليه. إن كل محاولات إعادة قراءة التراث وفهم التراث وتجديد التراث إنما هي محاولات تدور في المساحة نفسها من الرجوع إلى ماض مقدس. يمكن قراءته لكن يستحيل الثورة عليه من داخله، يمكن التأقلم معه، لكن لا يجب مساءلته جذرياً، يمكن استعادته في أي وقت لاحق، لكن لا ينبغي النظر إليه على أسس ثورية.

ثانياً: دوائر السلطة: فكلُّ ديانةٍ تتكون ليس بخلوصها المفترض، وإلاَّ ما كانت لتتفاعل مع الواقع والثقافة والتاريخ، بل عن طريق سلطة التقديس والمراقبة المتبادلة.  وكل ذلك يتشكل مع سلطة عامة تهتم بحويل الأصول النظرية والآراء والمذاهب إلى حياة بين المؤمنين والأتباع. ولعلَّ القداسة التي تتعلق بمعتقداتها لا تقتصر على الاعتقاد فقط، إنما بالامتداد إلى الأشياء والأماكن والحقائق المعبرة عنها أيضاً. إن ظلال السلطة تختلط بكل ما هو قابل للحياة محصنةً إياها بطريقة غير واعيةٍ، لدرجة أنها تُنشئ ما يُسمى بالتأصيل تجنباً لأية انتقادات. وبخاصة أن السلطة تتحول إلى دوائر تجسد العلاقات والمعاني والأفكار.

ولا توجد أديان من غير أنْ تدخل مرحلة دوائر السلطة بشكل كاملٍ. والأخطر أن أهل الأديان يخلطون بين الدين والسلطة من جهة، باعتبار  السلطة هي الحامي الأول للدين، وأنها لون من التجسيد العملي لقوته في أذهانهم ومعتقداتهم. وهذه النقطة تمثل على نحو نقدي مرحلة رجعية من التفكير، لأنها مرتهنة ببقايا الوثنيات في التاريخ البشري. والأديان لو تجسدت في شكل سلطة، فهذا معناه أنها قد تحددت وأصبحت قوة مادية غاصبة لارادات البشر وسستتضمن تجسيداً للإله والمعتقدات والعواطف الإيمانية على هيئة أصنام أو مؤسسات. وهو ما يُمهد للمرحلة الأخرى، وهي مرحلة توظيف السلطة لجوانب الدين من أجل خدمة أغراضها والتمكن من بسط نفوذها في المجتمع وترويض العقول وضمان بقائها لأطول فترة ممكنة.

ثالثاً: رجال الدين: إذ تسمح جميع الديانات بوجود الحارسين لسلطة الاعتقاد، إذ يُشكلون طبقةً عازلةً بين القراء والقراءات والمعارف والمذاهب والأيديولوجيات. أي يحُولُون عملياً دون مفهوم الثورة سلفاً، بحيث تكون أيةُ ثورةٍ ممنوعةً من الصرف أو يشترطون أنْ تمس تاريخ الأديان مسّاً خفيفاً. لأنَّ القواعد المؤسسة لكل فكر ديني ستمتد بحكم هذا التكوين الثقافي إلى جوانب المجتمعات. و رجال الدين يباشرون عمل السلطة في شكل مباشر بواسطة المناصب الرمزية والمادية ضمن المجتمعات الإنسانية.

وهذه الخطوة تعد ترجمة للنقطة السابقة، والملاحظ أنَّ رجال الدين يحافظون على الأوضاع القائمة بقدر ما يستطيعون. فهم يهدفون إلى اختزال وجود الدين في حياتهم وما يقومون به من مهام، بل منهم من يتحول إلى كاهن بملء الكلمة بخلاف ما تنادي به الأديان التوحيدية. وهناك منهم من يرى في ذاته عطية من الإله للناس، حين يتكلم بلسان السماء مباشرة، كأنه قد أوحي إليه دون البشر جميعاً معتبراً وجوده ضماناً للدين وهادياً للأتباع والمريدين.

رابعاً: فضاء الثقافة: تلك الأنطولوجيا الخفية المعيارية التي تحقق نظام الاعتقاد بموجب ما سبق من تراثٍ وأفكار سائدة. ويستحيل توصيل آفاق السلطة دون هذه الثقافة السارية في أوصال المفاهيم سريان الماء في التربة، وبإمكانها إفقار العقول ودفعها إلى تكرار ما تطرح. والثقافة تمثل الوسائط والجينات الأولية التي تشكل العواطف والرؤى. والخطورة حين يمتزج الدين بالثقافة التي قد تحتوي على معطيات غير متوافقة مع بناء ومقاصد الأديان، أو أن تكون الثقافة من الرسوخ لدرجة كطونها تمتص قدرات الدين وتعيد إفرازه وفقاً لألياتها ومعطياتها المتواصلة مثلما يحدث مع الثقافات العربية بجوانبها المختلفة.

وفضاء الثقافة هو محور التحولات الأساسية في صميم الإعتقاد، لأن البشر يؤمنون ويتدينون وفقاً لما تعطيه الثقافة لهم من أشباعات وأهداف. والواقع الافتراضي سيغير أساليب الفكر تبعاص لجوهر الثقافة وتبعاً لقدرتها على الانفتاح لما هو محتمل في هذ الجانب.

خامساً: الخطاب: ليس الخطاب الديني لغةً فقط، لكنه الانتاج الفكري والسيميائي الحاضر عن سلطة المقدس وتكريس تراثه في مداه الثقافي البعيد. لأنَّ كل خطاب بمثابة الفعل الرمزي المُتأخر الذي يوصِّل إلى اتباعه وأُناسه فكراً دينياً معيناً. ولذلك يمثل الخطاب رقعة متنازع عليها من طرف الفاعلين في المجتمعات، وهي رقعة قد تتمزق نتيجة الشد والجذب وقد تصبغ بألوان مختلفة وقد تصبغ بلون واحد، ذلك بمقدار هيمنة اللغة الواحدة وبقدر سيادة مناخ التقاليد.

ونظراً لأنَّ الخطاب الديني هو رأس الحربة عادةً في الأنظمة التي تنتجه دفاعاً عن مصالحها، فإنه يعكس كل المحددات البيئية والثقافيىة التي تعطيه نفاذاً لدى الأتباع. والخطاب من تلك الجهة يكرس كافة العناصر الخادمة لوجود أصحابه. ويحمل من السمات الثقافية التي تجعله ملتحماً مع أفق الفكر.

إذن القضية الخطأ في الزمن الخطأ (زمن الجوائح والأحداث الجسام) هي الصراخ المتواصل بتجديد الخطاب الديني وتحديث المؤسسات الدينية وتطعيم المناهج القديمة بأدوات معاصرة واسعة الاستعمال والرواج. كلُّ ذلك غير دقيقٍ بصدد التشكيل المركب لوجود الأديان إجمالاً في حياتنا الراهنة، ولاسيما أنَّ تجديد الخطاب لن يمس الأبنية التراثية العميقة المنتِجّة لوعيناً بالظواهر الدينية. التجديد هو مبرر زلق ليس أكثر لتجاوز الأزمات الحضارية لأصحاب الأديان. وفي غير سياقٍ، يعد التجديد شعاراً يرفعه رجال الدين لتفويت فرصة النيل من سلطتهم. فخطاب التجديد سيؤول إليهم، بل سيطالبون باحتكار تجديده، لأنَّهم الأعرف بطبيعة الأديان.

إن الثورة رؤى للأصول والمبادئ البعيدة وتغيير نمط الاعتقاد السائد، أي إعادة تأسيس القيم والغايات العُليا للأديان بحسب مفاهيم الإنسانية الكونية التي هي جوهر الفضاء الافتراضي. لأنَّ وسائط التواصل تخلخل جوهر العلاقات بين الأفكار والمعتقدات وكيف يمكن فهمها، فهي وسائط تشكل بنية فائقة الذكاء. وذلك من واقع المعارف والعلميات العقلية والفنية التي توفرها للمتفاعل. فلئن كان ثمة اعتقادٌ حول موضوع بعينه كالآخر، فالفضاء الديجيتال يسمح بتعدد زوايا النظر إليه. وليس اعتقادنا أكثر من رؤية ذاتية من بين رؤى كثيرة، وهي رؤية تحتاج إلى التطور الآخذ في اعتباره التعددية. إنَّ ثورة الديجيتال إزاء الأديان هي ثورة (في ماهية التفكير والتلقي والاعتقاد بالوقت نفسه)، لا مجرد الحوار والتواصل. وإنْ كان التواصل هو المدخل المبدئي لتلك العملية فاتحاً كل الآفاق الممكنة للفكر.

تدور الثورة في سياق الأديان حول ثلاثة أسئلةٍ جذرية: لماذا نعتقد (الأصول – الأسس- المبادئ- المرجعيات)؟ وبأي معنى نعتقد (الكيفية – التأويلات – الممارسة)؟ وما هي حدود الاعتقاد (الامكانية والاحتمالات)؟(1) والاسئلة بترتيبها السابق تتوزع إلى جملةِ وجوه:

الإيمان كظاهرة إنسانيةٍ مشبعة بالأبعاد الغيبية (الثقة – اليقين - الرغبة – الرجاء). هذا بجانب الكيفية الحاصلة مع وجوه المعاني. فكل اعتقاد له جوانب كثيرة ليست مؤدلّجة حصراً ولا محددة سلفاً، لأنَّ المعاني في الفضاء الافتراضي تظل قيد الإجراء والانجاز بين جميع المتفاعلين. ويستحيل إقصاء أية فئة من الفئات دون غيرها، فالوسائط متاحة للجميع وتنتج أفكارها بقدر ما هي متاحة للاستعمال والتفاعل. ليس مهما ما إذا كان المتفاعل منحازاً أو مؤدلجاً، إلا أن الأهم أنه لن يستطيع الحفاظ على ما يطرح طوال الوقت.

المعاني مفتوحة بقدر ما هي معانٍ يشاركنا فيها الآخرون حواراً وتساؤلاً ومراجعة ونقداً. فلا تتكون المعاني على نحو فردي إطلاقاً، لأنَّ الفضاء الافتراضي ينشأ باستمرار في "البين بين " مع كل الاختلافات المحتملة. ومن قريب جداً يمكن الإدعاء بكون

الحدود غير معروفة دوماً في الفضاء الافتراضي، من حيث تعدد العوالم البديلة في غياب الحضور المباشروانفتاح المجهول المعرفي والاعتقادي. وليس العددُ بالنسبة لأتباع الأديان معياراً ولا امكانيةً، بل هناك تنوع الموضوعات الدينية بحضور الآخر وتتنوع الأسئلة.

نزع القداسة عن الرموز والمعتقدات والنصوص، لكونِّها مجرد عناصر في خضم من أنساق الرموز والعلامات والنصوص الأخرى، فليست هي الوحيدة التي ستجد مكانة متعاليةً، بل هناك هوامش وتفسيرات تقف معها على قدم المساواة.

نتيجة الاسئلة السابقة، سيتفكّك أي انغلاق على الدين كأيديولوجيا، لأنَّ أبرز ما جرى هو غياب السلطة من الجذور إيماناً (حيث تنوع الأديان مع وجود الاعتقاد الخاص) وشكلاً (حيث التواصل بالإيمان الإنساني) وهويةً (حيث تعدُّد المعتقدات وغياب الهويات الصلبة) ومعنى (حيث أن التأويلات والدلالات عمليات فهم واجراءات افتراضية). ولهذا كانت مشكلة الأديان أنَّ هناك رسالة موجهةً لأتباع محددين مع الإلزام بضرورة الأخذ بها (حافظ رجال الدين عليها بكل السبل). وإزاء ذلك، لن يكون ثمة إيمان حرفي بالنصوص ولا فهم مُطابق للأصول. لأنَّ وسيطاً إلكترونياً بإمكانيات الافتراض(سواء أكان قراءةً أم سيمياءً للنصوص أم دفق الصور والعلامات أن دفق التأويلات) إنما يدفعنا لإعادة النظر فيما هو ثابت ويجعل النص تجلياً للمعاني الحوارية بالضرورة. وهذا يستشكل أنماط الاعتقاد المنتجة للعنف والكراهية، ويغدو  الواقع الافتراضي منتجاً لطرائق تفكيرنا[2]. وإذا تبلورت المشكلة بهذه الطريقة، فإنَّها تزحزح" الصور الذهنية " عن الأديان وداخلها حول مجمل القضايا العالقة.

***

د. سامي عبد العال

.........................

[1]- هناك أسئلة جذرية لإيمانويل كانط تحددمجال المعرفة والأخلاق والدين، أسئلة معرفية وعملية ومستقبلية هي كالتالي:

- ماذا يمكنني أنْ أعرف؟ (حدود ونقد العقل الخالص).

Immanuel Kant, The Critique of Pure Reason, Translated andEdited  by Paul Guyer, Allen W Wood, Cambridge University Press I998, PP 146 -149.

ماذا يجب على أنْ أفعل؟ (الاخلاق وكيف أن أفعل الخير للإنسان: نقد العقل العملي).

Immanuel Kant, The Critique of Practical Reason,Translated by Werner S. Pluhar Introduction by Stephen Engstrom,Hackett Publishing Company, Inc,Indianapolis- Cambridge, 2002,PP 58- 69.

ما هو المسموح لي أنْ آمل فيه؟ (حدود الرجاء والايمان: الدين في حدود العقل المجرد).

Immanuel Kant, Religion within the Boundaries of Mere Reason and Other Writings. Introduction by Robert Merrihew Adams, Translated and Edited by Allen Wood and George di Giovanni, Cambridge University Press, Cambridge, 1998, pp 31-76.

والأسئلة بالمتن تؤكد على أصداءكانطية في مضمار الظاهرة الدينية عبر العالم الافتراضي.

[2]- Niklas Hageback, The Virtual Mind: Designing the Logic to Approximate Human Thinking, CRC Press, Taylor & Francis Group , London – New York, 2017, P 112.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5746 المصادف: 2022-05-30 01:54:21


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5869 المصادف: الجمعة 30 - 09 - 2022م