أقلام فكرية

الحرية والإبداع

علي ماجد شبوهناك أسئلة تبدو، من شدّة إهمالها ونسيانها، وكأنها ساذجة وبسيطة. ولعل سؤال الحرية واحداً من أبرز هذه الأسئلة. ماهي الحرية؟ ومامدى آفاقها؟ وهل للحرية مفهوم ثابت في كل المجتمعات وكل الأزمنة؟ ولنبدأ بتعريف الحرية بأنها حالة ناضجة من الوعي الذي يشحذه الإدراك بحدود الفرد وحدود المجتمع، وهذا الوعي، سيكون دائماً، نتاج معرفة وثقافة تتحسس الوجود وأبعاده المختلفة‘ وتقترح خيارات لرسم آفاق تلك الحرية على الصعيدين الفردي والمجتمعي. فالفضاء الذي تتمدد فيه الحرية هو في الواقع مفترق طرق لخيارين أو أكثر. ولكن ماهي هذه القوة الجبرية التي تفرض الإختيار من بين ماهو متاح من خيارات؟ اليس الإختيار بذاته معادٍ ومناقضٍ لجوهر الحرية؟ أليس الإختيار "هو حرمان نفسك مما هو متاح"، كما يؤكّد  "أندرية جيد" في السيمفونية الرعوية؟ أي أن الإختيار، هو هنا، إسقاط الحق في إمتلاك الخيارات المهملة، الواسعة والمتاحة للحرية. لهذا فإن سؤال الحرية هو سؤال مفاهيمي متكامل، ولإنه كذلك فهو أيضاً سؤالاً ميتافيزيقياً، وتجريبيا، بل وحتى لغوياً.

أما الآفاق التي تتمد اليها الحرية فهي كذلك إشكالية قائمة بين المفهوم الفردي للحرية والمفهوم المجتمعي. بل إن الواقع، أكثر تشابكاً وتعقيداً من ذلك، لإن حرية الفرد ذاته، تتعارض أحياناً مع الحريات المتماثلة للأفراد الآخرين، كما قد تتعارض مع المجتمع. وهذا التعارض يسبب إنكماش أو توسع في حرية الفرد، كردّ فعل لما هو مسموح به من هامش حريات الآخرين. غير إن هذا الخلل في عدم القدرة على تثبيت حدود وفضاء الحرية مقابل حرّيات الآخرين قد ينقل الاهتمام عند الفرد - في توسيع آفا ق الحرية - الى الحاجة إلى تثبيت مطالب قيم إنسانية أخرى لا تقلّ أهمية، وأعني بذلك ، النزاهة و العدالة، والإنصاف والمساواة، كما تزداد لهفة الفرد الى السعادة والى الحب والعيش الرغيد. إنما، أمام قسوة الواقع، فإن كلّ ذلك سيقود الى تفعيل بواطن العقل والروح كي تساعد في  كسّر القيود. وليس هناك ماهو أكثر قوة وكفاءة من المخيال الإنساني للتحليق عبر الفضاءات المغلقة.  فالمخيال الإنساني المبدع هو المرآة السرّية للحرية الواسعة وغير المقيّدة.  والمخيال قادرعلى إعادة إكتشاف الحقيقة، وتوفير الأرضية اللازمة للإبداع ولإنتاج الأفكار والفنون دون التمسك بالخلل والتضاد الحاصلين بين حدود حرية الفرد وشروط حريات المجتمع.

قمت بإستخدام تعبيريّ "الخيال" و"المخيال" في هذا المقال، ووجدت بعض المفكّرين من يُفرّق بين التعبيرين ويجد لهما تحديدات وتفسيرات فلسفية.  ولكني وجدت إستخدامهما هنا يعزز من المعنى المراد في سبر أعماق الحرية.  "فالخيال" في اللغة العربية هو "الملَكَة المولدّة للتصورات الحسية للأشياء المادية الغائبة عن النظر. ومنها ينشأ الخيال الخلاّق، وهو الذي يبني، من ركام الصور المحسوسة المتراكمة في الذاكرة، عالما جديدا في نسق مثالي وإمكانات لا تنضب. فإذا عُنيتْ بالعالم الحقيقي تزيد في إغنائه. فهي إذن ملَكَة إبتكارية، شائعة بين الفنانين والعلماء وكبار القادة والسياسيين و المتّصفين بالأذهان النيرة. 1) ) غير أني أجد أن هذا التعريف الهام للخيال يمكن أيضاً أن يُفسّر ويضيئ على مصطلح "مخيال" الذي يُعرّفه المفكر التونسي الدكتور زهير الخويلدي بأن "مفهوم المخيال يتعلق بالأفراد والجماعات ويتمثل في مجموع التمثلات والتصورات التي تترسب بالتنشئة ويتم تناقلها، عبر الأجيال، عبر المثاقفة التي يتم تعميمها" (2 ) بالوسائل المختلفة. لذلك فإني أرجو أن يكون إستخدامي لتعبيري الخيال و المخيال في هذا المقال بإعتبارهما الرافعة التي تُبعد البشر عن واقع ليس مرغوباً به تمامآً أو حتى مرفوض والتعالي بهم (بالبشر) الى عوالم تتركب من أماني وأوهام مليئة بالتحدي ومحكومة  بالجمال غير المشروط. Esthetique) )

لاشك أن بإختلاف المجتمعات تختلف فضاءات الحرية، فلكل مجتمع محدداته وقيوده، غير أن هذه المحددات والقيود تتغيير، بعضها على الأقل، مع الزمن. أي ان هذه المحددات ليست خالدة بل متغييرة مع حركة المجتمع. " أن الحماية من طغيان الحاكم ليس بالشيء الكافي، هناك حاجة للحماية أيضا من طغيان الرأي والشعور السائدين، من نزعة المجتمع نحو فرض أفكاره و ممارساته الخاصة، بوسائل غير العقوبات المدنية، على أنها قواعد سلوك على هؤلاء الذين ينشقّون عنها،  لتكبيل التطور، وإذا امكن، فمنع تشكيل اية فردية لا تتناغم مع طرقه، أي طرق المجتمع، وتجبر جميع أشخاصه على أن يكيّفوا أنفسهم حسب نموذجه الخاص" (3)، ولهذا يتوجب أولاً معرفة وإدراك المحددات والقيود بشكل تام، من أجل فهم أفضل وأعمق للحرية. ولأن الحرية موجودة في وعي ومدارك الإنسان كما هي موجودة بالطبيعة الواسعة من خلال البحار والجبال والغابات والمروج، فإن وجود هذه القيود والمحددات مرتبطة فقط بالوجود الناجز للحرية. أي بتعبير أكثر وضوحاً إن هذه القيود والمحدّدات سينعدم وجودها إن إختفت الحرية.

أما فيما يخصُّ الإطار الاجتماعي والسياسي، فنجد أن مفهوم الحرية قد تغيّر قليلا فيما يتعلّق بطموحات الأفراد. فالطموح عند الفرد يأخذ شكلاً براغماتياً لأنه لا يتمكّن من الحصول على مايُريد، فهو يوجه طموحه، وبإدراك تام، الى أن ما يُريده، هو فقط، مايمكن الحصول عليه ضمن محددات وضوابط ومعايير النظام الاجتماعي والسياسي. لإنّ معرفة وإدراك المحددات والقيود تشكل الخطوة الأساس نحو فهم أبعاد الحرية. "فالإفراط في الحرية يؤدي الى السقوط في العبودية"، (وفق إفلاطون في جمهوريته). أما الحرية، بوصفها فعل وممارسة فردية، فهي "تُمارس في شكل أكثر ضعفاً تحت مسمي (الخصوصية). فالخصوصية هي الحق في رفض تطفل الناس الآخرين أو تعديهم في أماكن معينة، وأوقات محددة، أو أثنآء نشاطات محددة" (4). في الوقت الذي تُمثل فيه الحرية العامة، في هذا الإطار، الرغبات العلنية المنبثقة عن مجموع الأعضاء الفاعلين في المجتمع، في توسيع حرية التعبير والرأي وتثبيت الحق في التعامل وفي المشاركة في القرار العام الذي يمسُّ المصير المشترك لعامة أفراد المجتمع.

ربما يكون التساؤل هنا مشروعاً، هل يمكن اعتبار الحرية فعلاً مطلقا يقوم به جميع البشر بذات القوة ويتمتعون بذات النسب منه؟ يؤكد لنا تاريخ المجتمعات الإنسانية القديمة والحديثة عكس ذلك.  فالتراتبية التي تشكل البنية الاجتماعية والإقتصادية  تُشير إلى مساحة الأفراد في المجتمع من الحرية، فصاحب أو رب العمل مثلاً يتمتع بهوامش من الحرية لا يتمتع بها مرؤوسوه. وكذلك العامل البسيط لا يملك ذات النسب من الحرية، وهذا ينطبق على التراتبية الطبقية والإقتصادية في المجتمع. أي أن الحرية، في هذا المقام، فعل قائم على نسبية امتلاك الهوامش الاجتماعية ، وعلى موقع الفرد من التراتبية الاجتماعية والإقتصادية. ولعل أبرز الحقائق هنا هي أن الإنسان الفقير في هكذا مجتمع سيحصل على أدنى نسب من الحرية (أي أفقر نسب من الحرية)، فهو بدءً، غالباً ما يكون، غير قادر على تلبية حاجاته المعيشية الأساسية، مما يحدُّ، بشكل صارم، من تطلّعاته الى شئ من الرفاهية. وهكذا يتحول الفعل التراتبي للحرية هنا، إلى فعل إستبدادي يميل إلى درجات متدنية من العبودية.  أي إستلاب الجوهر الحقيقي والوحيد للإنسان وهو حريته.

أما الافراد أو الجماعات اللذين يتحركون ضمن محددات المجتمع، ولكن بقيود إضافية طوعية، تزداد أو تقل حسب نسب التعصب الفكري أو المبدئي أو القومي أو الديني لديهم.  وسواء كان ذلك بوعي منهم أو بدونه، فإن هذه القيود ونسب التعصب ستُحيل الأفراد والجماعات الى زنزانات بشرية مغلقة ومتنقلة. زنزانات، لأنها ترفض هوامش الحرية المتاحة إجتماعياً وسياسياً، وفي ذات الوقت تترصد للأفراد والجماعات اللذين يتمتعون بهوامش الحرية تلك.  أي أن هؤلاء الأفراد والجماعات يتحولون الي صيغةٍ من صيغ  الزنزانات المغلقة، غير قادرة على الإنفتاح على الآخر، وغير قادرة على تعلّم ما يناقض ما يؤمنون به. وهكذا، بإختصار، إن هذه الجماعات تكون غير قادرة علي البدء في أي فعل إيجابي حقيقي، أو الاستمرار فيه، سواء كان ذلك على صعيد محيط الفرد ذاته، أو محيط الجماعة. بل غالباً ما ستكون عاملاً سلبياً يُطيح بمشاريع الحياة، بكل ما تحتويه، نحو الهاوية. ومما يستدعي الإنتباه الشديد، إنه بما أن هؤلاء الافراد والجماعات يصرّون على "إقفال" أنفسهم، وكنتيجة منطقية، يصبحون غير قادرين على الدخول والنفاذ الى المخيال الإنساني المبدع الذي يفتح الأبواب الموصدة، ويرسم آفاق جديدة لعالم حرّ، يحكمه الجَمال، عالمٌ مختلقٌ يُضاهي مانتوق اليه، كبشر، ضمن الواقع اليومي المعاش.

وهكذا إذن يستطيع الأنسان، كفرد أو كمجتمع، المحافظة على حريته إذا تمكن من النجاة من السيطرة والأستغلال والأستبداد والخوف. هذه هي بعض العوامل الفكرية والسياسية والأجتماعية والسيكولوجية التي تعيق مجالات الحرية في التوسع نحو آفاق المخيال الأنساني غير المحدود. ولكن ماهي إذن جبرية المعايير المبدئية، أو الأخلاقية أو السلوكية، التي تدفع مثلاً بسجينٍ سياسي، أن "يختار" تلك المعايير المبدئية والأخلاقية المذكورة، بالضد من حريته الشخصية؟ ثمّ هل يعني هذا "الاختيار"، القسري والقاسي وغير المنصف، الذي أتخذه السجين إنما أتّخذ في ذلك الإختيار حريته هو. من المؤكد، إنه لم يُجري أية مفاضلة بين هذه المبادئ مجتمعة وبين حريته، لأنه وضع كامل ذاته ضحية لمبادئ وأخلاقيات يؤمن بها إيمآنآً أعمق من إيمانه بحرية محروسة من الجلاديين. فإختار، في النهاية، حرية إلغاء وجوده مقابل أفكار وسلوكيات وأخلاقيات منبثقة عن مبادئ العدالة السامية، وعن مبادئ الإنصاف وربما أيضا عن المبدأ الأخلاقي المتعلق بالكرامة. والتساؤل هنا هو، هل يمكن  للحرية أن تكون نتاج الحالة الجبرية للإنسان أم الحالة القدرية القانعة، أم لإلتباس كل هذه المبادئ والأخلاقيات والسلوكيات وخروجها من المطلق الى ما يمكن أن يجعلها "نسبية". ولكن حين تتداخل هذه المبادئ والأخلاقيات، في حالات معينة، فستعود مطلقة وغير قابلة للتجزأة. هنا تستوجب ملاحظة أن الدوافع الرئيسية لإتخاذ مواقف بعينها، إن لم تكن منبثقة من معايير وسلوك أخلاقية فهي تنبثق عن قيم أساسية، وهذه القيم هي التي تشكّل الجوهر في معتقدات البشر، لأنها بمجموعها تشكّل المفهوم العام والواسع للحرية التي يتوق اليها الإنسان.

وهنا يجب تثبيت مبدأ أن جميع قيم الحرية والعدالة والمساواة لا توازي، على الإطلاق، ثمن حياة إنسان بريئ واحد. ولكن، ومن وجهة أخرى، فإن حياة الإنسان ذاته تكون بخسة وخسارة تامة حين تُسلب منها الحرية والعدالة والمساواة.  هناك ظروف أخرى، إجتماعية وسياسية،  حيث يتم التطوّع، من قبل أفراد وجماعات، بتقييد مزيد من الحريات، وذلك بتبني أيديولوجيات صارمة، وخاصة الإيديولوجيات الشاملة. فالإيديولوجيات، بصورة عامة، بالنسبة "للحرية التامة" هي بمثابة مصيدة الفئران التي تقبض على الضحية ولا تتركها. قد يبدو ذلك غريباً ولا يتفق مع أدبيات تلك الأيديولوجيات، إذْ أن مختلف الإيديولوجيات السياسية، والطامحة في الحكم، تدعو للحريات ولكنها، في التطبيق العملي، تكون دعوة سياسية موجهة بشكل حصري للأشخاص الذين يؤمنون بها فقط، وحتى هؤلاء الأشخاص، لا يتمتعون إلاّ بحرية تخيّل أوهام الحرية لاغير.

إمّا الإحساس بالمسؤولية وبالإلتزام بالواجب (سواء كان وظيفياً، أو إجتماعياً، أوعقائدياً، أو روحيّآً)  فهو أحد أعنف التحديات، وهو أكبر وأكثر وأشدّ القيود التي تحدّ الحرية، والتي تشمل معظم البشر. "أن المفهوم الخالص للواجب يقضي على حرية الإنسان، لانه يرفض أن يأخذ بعين الاعتبار الفرد، ولأنه يخضع كل الناس لقانون موحد. إن فعل الحرية لا يمكن تصوره إلا من وجهة نظر الفردية الأخلاقية".(5) ، ومع ذلك فإن هذه القيود تبدو، وبصورة ساخرة، منصفة فهي تمنح خيارين: الأول، رفض الإلتزام بالواجب وبالمسؤولية وأما الخيار الثاني فهو الرضوخ لهذه المسوولية وللواجب. إنما الإحساس الذي يولّده الرضوخ من إستكانة، فهو الذي يكون الاختيار الواعي لمعظم البشر. إن أهمية وخطورة هذا الإختيار تكون بتقبّل المسؤولية والالتزام بالواجب، ولكن الأخطر من ذلك أيضاً هو تنامي الإحساس الحاد، عند بعض البشر، بالتدّني والإنحطاط في الشعور بالكرامة، ومصدر ذلك هو التقبل بالرضوخ للقيود التي تحدّ من مساحة الحرية، وتكبّل الجموح نحو طموحات حياتية أرحب.

ولأن شؤون الحرية متداخلة ومعقدة الى حدّ بعيد، فإن مسألة الواجب والمسؤولية والطاعة والرضوخ تقود الى النظر بإنعكاس تأثيرات الأنظمة السياسية على الفرد والمجتمع، وأخص بالذكر الأنظمة الأبوية  Patriarch  الإستبدادية والمغلّفة بمفردات الحرية والديموقراطية. هذه الأنظمة وتفرّعاتها تنتعش بشكل خاص في منطقتنا العربية. يقول الفيلسوف والمنظّر آيزيآ برلين في كتابة عن الحرية   " تنزع الحكومة الأبوية إلى أن تعامل أغلبية البشر بوصفهم من القاصرين، أو الحمقى الميؤوس من علاجهم، أو المتهورين الطائشين اللامسؤولين، أو أن نضجهم بطيء إلى حدٍ لا يبرر تحريرهم في المستقبل المنظور. هذه سياسة تحطّ من قيمة البشر".(6) ، لعل أهم ما يجب تفحّصه هنا، ومن الجهة المقابلة للسلطة، هو تلك النظرة المتصالحة اليومية للشخص المتساكن مع السلطة – هذا الشخص يُسمى، في السلطة الأبوية، بالمواطن الجيد - والى كيفية إدارته (أي المواطن) لهذه العلاقة.   إن السلطة الأبوية "البطرياركية" هي "أعظم إستبداد يمكن تخيله، لأنه لا يُعامل البشر بوصفهم أحراراً، بل مادة بشرية يقولبها المُحسن الكريم بشكل يناسب غرضه هو وليس هدفهم الذي تبنّوه بإرادتهم الحرّة".(7) . أي أن وجود البشر داخل هذا النظام الأبوي هو حالة قدرية شبه مطلقة، لا يمكن الخروج منها الاّ بتحسس القضبان التي تفصل الأفراد والجماعات عن آفاق الحرية. لأن ما ينتج عن ذلك التحسس للقضبان الباردة في قلب الفرد (أو الجماعة)  يُمكن أن يُشكّل القدحة التي تشحن العقل والوعي والإدراك بسبل التخلص من تلك القضبان غير الإنسانية والخروج نحو الحرية والكرامة. لأنه "لا يمكن لأحد أن يجبرني على أن أكون سعيدا بحسب طريقته الخاصة"، كما أكّد ذلك الفيلسوف الفرنسي " عمانؤيل كانط" Kant .

ولهذا نتلمس مجموعة القيود التي تحدّ الحرية في كل مكان وفي كل مجتمع. قيود سياسية، وأخرى إجتماعية، وأخلاقية، ودينية، وتأديبية، وقانونية. يذكر آيزيا برلين إن "كلّ قانون هو تعدٍّ على الحرية، حتى إذا أدّى هذا التعدي الى زيادة حجم الحرية" ( 8).  ومع ذلك، فإنه من المنطقي التفكير بإن الحرية المطلقة المنفلته، لا تسمح بالتطور الإنساني الذاتي.  فلتحقيق هذا التطور سيتوجب بعض التقييد للحرية. قد يبدو هذا الامر متناقضاً وجوهر هذه المقالة، ولكن هذا التقييد يفتح أبواب التحدي والأمل عند الإنسان للتخلص من القيود التي تحدّ من آفاق الحرية عبر البحث الدائم والإبداع المنبثق عن خيال غير محدودة بقيود.  بدون هذا البحث الجبري المضطرب، وهذا التوتر الإنساني الضروري، لا يمكن إفلات الخيال الى فضاء واسع من الحرية، أي الى إبداع حقيقي ينطلق من  التواصل بين الروح المقيدة والطموح لإطلاقها. وأدوات هذه الحرية تتمثل بالإبداع بكل أشكاله بدءً من شتّى العلوم الى الأدب والشعر، والفنون من المسرح والسينما الى الموسيقى وينتهي بالعمارة والرسم والنحت.

على أنّ تراكم القيود وتزايد المحددات تمعن في إفقار الفقير في الحصول على نسب الحرية المنشودة. ولكن سبُل التخلص من كل تلك القيود والمحددات هي بالإستسلام للمخيال الإنساني الذي لا يخيّب للفقراء أملاً. لإن صعوبة تجاوز المحددات تستوجب على "الأغلبية أن تستسلم لأستهلاك الخيال. فتباع أوهام الثروة للفقير، وأوهام الحرية للمضطهد، وأوهام القوة للضعيف وأحلام الانتصار للمهزوم". (الكاتب والأديب الأورغوايّي إدواردو غاليانو). هنا تكتسب الأوهام قوة الواقع لأنها مسنودة بقوة الأمل. فأوهام الفقير، وأوهام المضطهد، وأوهام الضعيف وأوهام المهزوم كلها تنتج مجتمعاً لا يعيش واقعه ولاحاضره، مجتمع يعايش الحياة ولا يعيشها فهو محكوم بالحياة مع قيد التنفيذ. اليس هذا هو وضع غالبية مجتمعاتنا العربية؟

وفي النهاية، فإن قيود ومحدّدات الحرية تسمح بإمتلاك الممكن، غير إن المخيال الإنساني هو العربة التي تستبيح طرقات المستحيل، والنجاة بالإنسان نحو حرية واسعة هي خبيئة الأمل والحياة لديه. وهذا لن يتحقق دون البحث الدائم والشاق والذي هو جزء متمم لغايات الحرية. "أن يبحث الإنسان ، وأن يكون خلّاقاً ، بحرية ودون إكراه خارجي، سيمثّل ذلك حاجة إنسانية أساسية، وبالتالي حق إنساني أساسي. حيث أن كلّ ما لاينبع من الإختيار الحر، بل من الإكراه أو الإرشاد، أو التوجيه، يبقى غريباً عن طبيعتنا الحقيقية" (9 ) . فالمخيلة لا تُنتج إبداعا جمالياً يمكن أن يصنّف ضمن معايير الفن أو الأدب من دون موهبة ثاقبة تعمل بتراكم المعرفة والتجربة.  لذلك فإن كلّ من "الخلق" و "الإبداع" يشكلان حالة من تجلّي الفردانية عند الإنسان، والخروج بها عن الإنساق العامة بمعايير جمالية تبتعد عن إطارها اليومي المعتاد إلى إطار الدهشة وبذلك يتشكّل جوهر الفن وجوهر الإبداع.

فالخيال والمخيال يحيلان المستحيل الى ممكن عبر تشكيل أوهام إبداعية تصنع واقعاً جديداً، يتفوق على العالم الحقيقي للفقراء والمحتاجين بمنحهم الأمل نحو حياة جديرة بأن تُعاش وحياة تُليق بكرامة وطموحات الإنسان. وليس هناك أفضل ما أختتم به من ما قاله الأديب الأسباني الملحمي "ميجيل دي ثيربانتيس" على لسان بطله "دون كيخوته":  "أنا على معرفة ويقين بأنني مسحور، ويكفيني هذا لراحة ضميري، لأنه لن يكون مرتاحاً، لو أنني فكّرت بأنني غير مسحور وتركت نفسي كسولاً وجباناً وسجيناً في هذا القفص، أخيّبُ أمل المحتاجين والمعوزين لمساعدتي وحمايتي وهم لا شكّ بأمسّ الحاجة إليهما في هذه الساعة"...

***

علي ماجد شبو

.........................

1. [المعجم الأدبي تأليف جبور عبد النور، صفحة "244 "، دار العلم للملايين، بيروت لبنان. الطبعة الأولى. 1979 ]

2. الملتقى الفكري للإبداع – مقال الخيال الإبداعي والمخيال الاجتماعي – د. زهير الخويلدي (تاريخ النشر: 1-07-2016)

3. كتاب "عن الحرية" – جون ستيوارت ميل - ترجمة د. هيثم كامل الزبيدي - الناشر وسنة النشر غير معروف" (صفحة تسعة).

4. "الحريّة" – زيجمونت بومان، ترجمة فريال خليفة.(صفحة 88 ). الناشر مكتبة مدبولي، القاهرة، جمهورية مصر العربية ( 2012 ).

5. فلسفة الحرية – رودولف شتاينر (صفحة 163 ) - [   ترجمة دار النشر].La Philosopie de la Liberté, Rudolf Steiner-Digital Edition- equipe de KKIEN, Milano-Italy.

6.  الحرية – آيزيآ برلين – إعداد هنري هاردي- ترجمة معين الامام. منشورات دار الكتاب. (صفحة 98 )، مسقط، سلطنة عُمان. سنة 2015

7. نفس المصدر.  (صفحة 247 ).

8. نفس المصدر. (صفحة 260)

9. "غريزة الحرية" نعوم تشومسكي - ترجمة دكتور عدي الزعبي ومؤيد نشار- (صفحة 186 ). الناشر: دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع دمشق، سوريا، 2017