أقلام حرة

ديرة عفج

 بل ان بعض الشعوب تعقد المهرجانات التراثية للملابس والرقص والالعاب باعتبارها من عناصر ثقافة تلك الامم، فترى السكوتلنديين يرتدون التنورة والاسبان منشغلون بقيثاراتهم والعرب بسيوفهم والمغول بجيادهم والاميركان بابقارهم وغيرهم بكلابهم او طيورهم او حتى فئرانهم..وربما شكلت العناصر البيئة والجتماعية والدينية و الحالة الاقتصادية الجوانب الفاعلة في خلق تلك الصور

 

المثل الشعبي العراقي (قيَم الرقاع من ديرة عفج)..الرقاع تلفظ بالكاف الفارسية ..والذي يشير الى قصة يعرفها معظم العراقيون حيث انتقل راقع الاحذية (الاسكافي) ليجد رزقة في منطقة عفك بتصليح احذية اهلها ولما كانوا حفاة فقد خاب مسعاه وضاق رزقه !، يشير هذا المثل الى ان ظاهرة الحفي او التحفي كيفما وحيثما كانت اسبابها لم تكن ظاهرة شائعة في المجتمعات السكانية العر اقية بدلالة المثل الذي يذكر هذا المكان حصرا دون غيره، كما انه ولم يرد عند المعمرين في هذه المنطقة او غيرها ما يشير الى ان اهلها القدامى كانوا حفاة .

 

ان ثراء ارض العراق وخصبها فضلا عن غزارة مياهها وعذوبتها و تنوع اجوائها ومناخها وما تلا ذلك من ثروات اكتشفت فيها، ناهيك عن المثابرة التي ميزت اهلها..كل ذلك لا يدع مجالا للشك في ان يلقي بمسؤولية الفقر (على فرض انه سببا وراء التحفي) على حكام هذه البلاد، وبالطبع انا لا اقول شيئا جديدا في هذا، انما اريد ان اذكر بما كان يقوله الرئيس السابق من ان معظم العراقيون كانوا حفاة وانهم انتعلوا بفيض بركاته.لقد كان يكرر ذلك مرارا الى الدرجة التي كان يخجلنا ويؤسفنا كعراقيين، على الرغم مما ذكرنا ان الشعوب لا تستحي لعاداتها.

 

قد يكون الفقر هو احد اسباب التحفي، لكننا لا يجب ان ننكر الطبيعة، يحدثنى احد المنحدرين من سكان اهوار جنوبي العراق ان الناس كان يتنقلون بين الدواوين والاماكن العامة والخاصة في المنطقة بوساطة المشاحيف وهي نوع من الزوارق التقليدية الملائمة للحركة في مياه تلك المناطق، ولان الماء يكوّن المشهد العام لتلك المناطق، فلم يكن بمقدورهم الا ان يكونوا حفاة اثناء تنقلهم، لكنهم يحرصون عادةً على ارتداء الاحذية عندما يكونون في مهمة رسمية او عند ذهابهم الى المدينة او في مناسبة اجتماعية، وربما اخذوا احذيتهم معهم تحت اباطهم لكي لا يظهروا بانهم لا يعطون للمقام حرمته واحترامه، كما يذكر، اذن فالقضية ليست قضية ارتداء نعال (أجلكم الله)، رغم ان الطبيعة تسقط منهم هذا الفرض الوجاهي، لكنهم في الواقع حريصون على الاتيان به.

 

حضرت مجلسا خاصا لمناقشة الانتخابات العراقية ونتائجها واحتمالات المستقبل السياسي في البلاد، ومن الطريف ان احد المتحدثين الذي عرف نفسه بانه احد المرشحين حمل على الناس الذين لم يعطوه اصواتهم، مفسرا مايحصل له بان المصوتين هم من الجهلة او الاميين ..لقد كان الرجل يعير ابناء قريته بالامية، كما داب سيادة الرئيس على الفعل نفسه من قبل . فالقصة نفسها، لكن ذلك كان من قبل وهذا من بعد، او قل ذلك من بعد وهذا من قبل، فالرجل لم يصبح نائبا بعد ليعير، واغلب الظن انه ان اصبح نائبا فلن يغيّر.

 

 لقد شرَّع قانون التعليم الالزامي ووضعت برامج لمحو الامية في العراق منذ سبعينيات القرن الماضي، وقد تم تحقيق الكثير من التقدم في هذا المجال مع قرب اندلاع مواسم الحروب والحصار، حتى قيل انه تم القضاء على الامية في البلاد، بعدها لم تعد تحض القضية برمتها باهمية من اي نوع اوشكل عند اولي الامر، حتى ظهر صاحبنا فانتبه، فلربما لو فاز، ولا اعرف فقد يحصل ذلك ويحصل على معقد بنصف قاسم انتخابي اوبجهد من نصَّيف ابو جاسم او بمقعد تعويضي، ربما قال ان الوعي لدى الناخبين كبير على الرغم من حالة العوز والتحفي التي لا زمتهم منذ فجر السلالات ومحرومية المنطقة ومظلومية اهلها، واطلال مدينة نفر التاريخية ليست ببعيدة عنهم ومدن الوركاء ولارسا تحيط بهم، لكن اهلها لم يكونوا ليحظوا بمباركة الالهه، وان الاله شمش تخلى عنهم، وقد حان الوقت لانصافهم وتعليمهم ان في التنعل حسن حركة وفي حسن التبعل بركة، وان المال ياتي من اتيان الرجال بالاولى وقيام النساء بالثانية كسرا للحصار الظالم لانتقال المال الشرعي الشريف الى ارض الوطن في مالمو ودبي ولندن وامستردام على رأي مجتهدي الغربة.

 

مازالت شهوة المال والجاه والتسلط متحكمة في كثير من مرشحي التكتلات السياسية ولا بد ان يمضي وقت طويل جدا قبل ان يفهم الناس من سينتخبوا ويكون المرشح مدركا للطبيعة الاخلاقية في عمله كنائب ممثل لهم، فعندما تكون في العراق لا يمكن لك ان تحصل على حاجاتك (المشروعة) مالم تكن من سياسيي الطبقة الاولى ولا يمكن ان تحصل على رغباتك (المشروعة وغير المشروعة) الا ان تكون من سياسيي المال، او من وعاظ السلاطين او من سلاطين الوعظ، وكل ذلك على رأي الباحثين عن اصوات (أهل الصفّة).

 

من حق العراقيين يجدوا لهم من انفسهم قادة عارفين لا يسرقون صوتهم وجهدهم ومالهم ولا يعيرونهم بما اوجدوه فيهم وان يتواصلوا معهم حيثما كانوا، عند ذلك لن نسمع ان من يجادل في (كيفما تكونوا يول عليكم) أو(كيفما يول عليكم تكونوا)، او نلوم (الرقاع لانه ذهب الى ديرة عفج) جهلا منه بتحفي اهلها او نلومهم لجهلهم وتحفيهم.

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1351 الاحد 21/03/2010)

 

 

في المثقف اليوم