أقلام حرة

القضاء العراقي وظاهرة العقوق الوطني / لطيف القصاب

هي ظاهرة الاستخدام الحكومي المتزايد للجانب القضائي في عمليات إحراج الساسة العراقيين المشاركين في العملية السياسية ممن يتخذون موقفا معارضا لتوجهات الحكومة بشكل أو بآخر.

 صحيح أن تأريخ استخدام القضاء في تسوية المشاكل السياسية متقدم على تأريخ الانسحاب الأمريكي بيد أن ارتفاع معدلات هذا الاستخدام تزامن مع ذلك الانسحاب. وبإزاء هذه الظاهرة انقسم الوسط السياسي إلى فريقين الأول يتبنى موقف المرحب لمثل هذا التوجه بدعوى ضبط الوضع السياسي الداخلي وإخراج البلاد من سياسة وضع قدم مع الحكومة وقدم أخرى في المعارضة.

هذه السياسة المزمنة التي دأب على إتباعها عدد غير قليل من ساسة العراق الجدد ما أدى بحسب مراقبين إلى اهتزاز صورة العراق العامة لاسيما على الأصعدة الخارجية، ومن الموافقين على أسلوب إدخال القضاء طرفا فاعلا في إيجاد حلول لبعض الأزمات والنزاعات السياسية مَن يعد هذا المنحى فرصة ذهبية لتعزيز قوة السلطة القضائية ووضعها رقما صعبا في ضمن خريطة السلطات في الدولة العراقية ليصبح القضاء في نهاية المطاف سيفا مسلطا على تجاوزات الحكومات لا مجرد ورقة لابتزاز السياسيين بعضهم بعضا.

بينما يرى آخرون أن هذه الظاهرة تستهدف في أول المطاف وآخره وأد حرية التعبير حتى في داخل مجلس النواب الذي يتمتع أعضاؤه دستوريا بضمانات تجعلهم عادة في منأى عن المسائلة القانونية تجاه ما يصرحون به لوسائل الإعلام من وجهات نظر سياسية قد تتصادم مع السياق الحكومي لاسيما في الشؤون الداخلية للبلاد، ويظلون بحكم هذه الحصانة القانونية بعيدين عن طائلة القضاء ما لم تقدم ضدهم وثائق رسمية تدينهم من الناحية الجنائية كما حدث مع بعض النواب العراقيين في فترات سابقة.

 والحكومة عندما تَقْدِمُ على هذا الفعل فإنها تخطط إلى إيصال رسالة عامة مفادها أنه إذا كان البرلماني ذو الحصانة النيابي لا يستطيع أن يفتح فمه أمام الحكومة فإن الأسلم لمن هو دون النائب في درجات السلم أن يفكر آلاف المرات قبل عزمه على نقد بعض الأعمال الحكومية.

وبحسب هذه الرؤية فإن الأجدر بالقضاء أن يظل بعيدا عن الدخول في ألاعيب السياسة التي تحط من هيبة أهل القضاء في نظر عموم المواطنين حتى في حال خروجهم من تلك الألاعيب ظافرين، وان مسالة الكفاح من اجل وضع السلطة القضائية في موقعها الطبيعي ينبغي أن تصدر أولا وأخيرا عن قوى المجتمع المدني ويتم الترويج لها عبر وسائل الإعلام مع كل فرصة مواتية كما هو المتعارف عليه في الدول الديمقراطية التي تضع استقلال القضاء في مرتبة لا تقل عن مرتبة التداول السلمي وشيوع مبادئ العدل الاجتماعي في مجتمعاتها. إلى ذلك فإن إصرار الحكومة على إقحام القضاء في أعمالها من شانه فتح الباب على مصراعيه أمام قوى سياسية أو مجتمعية أخرى لتنحو النحو الحكومي نفسه في تدخلاتها بالشأن القضائي.

إن محاولات انتشال الحكومة لواقع الاضطراب السياسي ومنه العمل مع وضد الحكومة في الآن نفسه (العقوق السياسي) ينبغي ألا يمر عبر قناة القضاء تحديدا، وعلى المعنيين بحل هذه الإشكالية أن يفكروا مليا في أسباب هذا السلوك الغريب المتبع في الأوساط السياسية العراقية على نحو بارز. بل لماذا يشتهر الفرد العراقي سياسيا كان أو غير سياسي بإحساسه المستمر بعقدة الاضطهاد والنقمة ضد الأمكنة التي يتواجد فيها عادة؟

إن الحكومة لو فتشت جيدا عمن يعيش (معها وعليها) لاستطاعت إن ترصد الكثيرين من ذوي العقوق حتى في نطاق من يعملون داخل أروقتها ويأكلون من أطايب موائدها ويتفردون بعظيم امتيازاتها. والسبب الرئيس وراء هذه الظاهرة العراقية العامة يكمن في سياسة تفتيت المجتمع إلى مكونات دينية وعشائرية ومناطقية وحزبية...الخ. والإزراء بقيمة المواطنة والنظر إليها بوصفها قيمة علمانية لا تتناسب مع الجو الديني السائد بين العراقيين على حد بعض المنظرين.

إن هذا التفتيت المتعمد والممنهج هو من يسهم أولا وقبل كل شيء في تعميق شعور العراقي بالاضطهاد ومن ثم اتخاذه طريق العدوان حتى ضد زملائه الآخرين بوصفه سلوكا دفاعيا أكثر من كونه سلوكا تمثل من وجهة نظره طريقة مثلى للحياة والتعايش. ولا يمكن إيجاد علاج فعال لمثل هذا الداء الاجتماعي الوبيل مثل إعادة الاعتبار لمبدأ المواطنة التي انحدرت مع الأسف الشديد إلى أعماق سحيقة جراء إحلال الهويات الثانوية الأخرى المتضاربة فيما بينها محل الهوية الوطنية العامة الجامعة غير المفرقة.

لقد آمنت بعض الشعوب في العالم ومنها شعوب إسلامية كبيرة بحقيقة أن الحكومة ومحل السكن بل حتى الانتماء إلى المرجعيات الفكرية والدينية ينبغي أن تدخل في سياق العناوين الثانوية بينما ينفرد عقد المواطنة بإشغال خانة العنوان الرئيسي لسائر المواطنين لأنها أدركت بحكم التجربة المتواصلة أن هذا الاتجاه في ترتيب البيت الداخلي للوطن ليس اتجاها علمانيا غربيا يستدعي العداء والنفور بقدر ما هو فكرة متحضرة تستحق التأمل والتدبر والتبني أيضا.  

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2033 الجمعة 17 / 02 / 2012)


في المثقف اليوم