أقلام حرة

مُؤتَمَرُ حَرَكَةِ عَدَمِ الانْحِيازِ .. أفُقٌ جَدِيْدٌ مَعَ أزْمَةٍ قَدِيْمَة / محمّد جواد سنبه

واختتم المؤتمر اعمالة مساء يوم  31 من شهر آب الجاري بعدما اصدر المؤتمر بيانه الختامي. يعتبر هذا المؤتمر بلورة جديدة لأفكار قديمة، وصياغة مواقف عالميّة جديدة، من خلال نظرة الأعضاء الفاعلين في حركة عدم الانحياز للعالم الجديد. لقد تبدّلت المعادلات السياسيّة، التي كانت حاكمة في زمن تاسيس الحركة عام 1955 في باندونغ/ اندونيسيا. إلاّ أنّ المبادئ العشرة، التي وضعها الرعيل المؤسس للحركة كالرئيس عبد الناصر، هواري بومدين، نهرو، تيتو، سوكارنو، نكروما، وغيرهم، لازالت فاعلة وهي: ( احترام حقوق الإنسان الأساسية، وأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة. احترام سيادة جميع الدول وسلامة أراضيها. إقرار مبدأ المساواة بين جميع الأجناس، والمساواة بين جميع الدول، كبيرها وصغيرها. عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى أو التعرض لها. احترام حق كل دولة في الدفاع عن نفسها، بطريقة فردية أو جماعية، وفقًا لميثاق الأمم المتحدة. عدم استخدام أحلاف الدفاع الجماعية لتحقيق مصالح خاصة لأيّ من الدول الكبرى، عدم قيام أي دولة بممارسة ضغوط على دول أخرى. الامتناع عن القيام، أو التهديد بالقيام، بأي عدوان، والامتناع عن استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. الحل السلمي لجميع الصراعات الدولية، وفقًا لميثاق الأمم المتحدة. تعزيز المصالح المشتركة والتعاون المتبادل. احترام العدالة والالتزامات الدولية).

هذه المبادئ ظلت في اطار التراث الفكري لحركة عدم الانحياز، منذ انعقاد مؤتمرها الأول في بلغراد / أيلول عام 1961، حتى مؤتمر الحركة الخامس عشر في شرم الشيخ / تموز 2009. فالكثير من دول الحركة احتوتها استقطابات دوليّة، جعلتها عاجزة عن تحقيق مبادئ الحركة، أو حتى المناداة بها. وبسبب المتغيّرات في المواقف السّياسيّة الدّولية، التي تنتجها مصالح الدّول، فرضت هذه المتغيّرات على الدّول الأعضاء في الحركة، الابتعاد عن هذه المبادئ، مثلما فرضت عليها الآن اعادة تبني تلك المبادئ من جديد، ولو نسبياً بعض الشيء.

تذكرني نظرية (النواة القلقة) لهنري كيسنجر، الذي يرى فيها أن افضل أوقات السلام العالمي استقراراً، عندما يكون الصراع الدّولي في أقصى مداه، وقبل اندلاع الحرب بين الخصوم، تلك هي فترة النواة القلقة. والعالم الآن بلا شكّ يعيش مرحلة النواة القلقة، لذا فهو يقف على اعتاب مرحلة توازن القوى العالميّة، وهذه المرحلة تعتبر مرحلة العصر الذهبي للسلام العالمي. لكن هذه المرحلة سرعان ما يتبدد استقرارها، وينتهي دورها بسبب تجدد المصالح الاستراتيجيّة لدول العالم. إنّ السنن التاريخية تقتضي الإيمان بمفهوم التقادم، الذي يسيطر على العالم.

المعادلة الدّولية اليوم، تختلف اختلافاً جوهرياً عن الفترة التي مضى عليها عدة سنوات، وليس عدة عقود. وهذا يفرضه الايقاع المتسارع لحركة الحياة الإنسانيّة، جرّاء تطوّرها فكرياً واقتصادياً وتقنياً وحتى نفسياً. لقد انطفأت جذوة الصحوة القوميّة، وحركات التحرر من الاستعمار القديم، في أعقاب الحرب العالميّة الثانيّة، مثلما انطفأت جذوة الحرب الباردة. فغيّر ذلك في العالم، الكثير من مرتكزات القوّة. ومن أجل مراعاة الاختصار في الموضوع، سأتناول بعض انعكاسات مؤتمر حركة عدم الانحياز على المنطقة.

بعد انهيار نظام صدام، حدث فراغ كبير في العراق. وفشل السياسيون العراقيون في ملأ هذا الفراغ، بكلّ المستويات السّياسية والاقتصاديّة والأمنيّة لأسباب معروفة. فبعدما كان العراق قبل احداث 9 نيسان 2003، يشكّل المصدّ الرئيس الذي يقف بوجه تنامي الدّور الإيراني. أصبح العراق في نظر السّياسة الإيرانيّة بعداً جيواستراتيجياً، حيث تستطيع السّياسة الإيرانيّة فرض وجود مصالحها، من خلال دورها الإقليمي في العراق والمنطقة. هكذا دخلت إيران مرحلة جديدة، في تحديها للمصالح الأمريكيّة في المنطقة. وكنتيجة لانكماش الدّور العربي في العراق، الذي تعامل مع الواقع الجديد في العراق، بموجب مفاهيم بدائيّة يطغى عليها البعد الطائفي. والمؤسف أن هذا البعد كرر نفسه في التعامل مع القضيّة السوريّة أيضاً. بمعنى أنّ بعض الدّول العربيّة على استعداد تامّ، للتنازل والتخلي عن أيّة جغرافيّة عربيّة، مقابل ضمان بقاء حكوماتها، واستخدام البعد الطائفي طوقاً لنجاة انظمتها من التّغيير. هذا التوجه العربي الخاطئ، أعطى مجاناً لإيران فرصة التمددّ في النفوذ.

جاء انعقاد مؤتمر حركة عدم الانحياز في طهران، بإفرازات جديدة منها:

  1. 1.تعاظم دور إيران في المنطقة العربيّة، وما المبادرة التي انبثقف من المؤتمر، لحل القضيّة السوريّة إلاّ تأكيد للدور العربي العاجز، عن إيجاد حلول لقضيّة من صميم واقعه. وما أطلق عليه بالمبادرة العراقية لحل القضيّة السوريّة، فإنّها لا يتوقع لها النجاح، لولا تبنيها من قبل مؤتمر حركة عدم الانحياز، وبإرادة إيرانيّة، فأطلق عليها المبادة العراقيّة الايرانيّة المشتركة.
  2. 2.كان من المنتظر أنْ يكون لمصر، دور عربي جديد، بعد التغييّر الذي حصل فيها، لكنْ جاء طرح الرئيس المصري مطابقاً للرؤية الخليجيّة تماماً. لقد كان بامكانه مزاحمة دور إيران وتركيا في سوريا، من خلال تبني خطاباً سياسيّاً هادئاً متوازناً، يضع فيه مصر، بمسافة واحدة من جميع الأطراف. لقد حرّك خطاب الرئيس المصري فوراً، الجماعات التكفيريّة في مصر للتظاهر والمطالبة بالجهاد في سوريا، وبذلك تعقد الموقف أكثر مما كان عليه.
  3. 3.أتاح انعقاد مؤتمر عدم الانحياز في طهران، فرصة كبيرة للسّياسة الإيرانيّة، من كسّر الحصار المفروض عليها، من قبل أمريكا وحلفائها. فقد شارك في المؤتمر 120 دوّلة (من بينها دول وافقت على فرض الحصار الاقتصادي على إيران)، وعشرين منظمة دوليّة على رأسها منظمة الأمم المتحدة، التي مثلها أمينها العامّ السيّد بان كي مون.
  4. 4.أصبحت إيران صاحبة مشروع عالمي، يدعو لتغيير نظام مجلس الأمن وحق الفيتو، الذي تتمتع به الدّول التي لها حق النقض.
  5. 5.التأكيد على حقّ الدّول المختلفة، في امتلاك الطاقة النوويّة الخاصة بالاستخدامات السلميّة. مع التأكيد على رفض امتلاك السلاح النووي، (الطاقة النووية للجميع، والسلاح النووي ممنوع على الجميع). إيران وضعت أمريكا في موقف صعّب، أمام دول حركة عدم الانحياز، لأنها تسمح لإسرائيل بامتلاك أسلحة الدّمار الشامل.
  6. 6.على هامش المؤتمر، جرت محادثات بين إيران وعدد من دول حركة عدم الانحياز، لتنسيق السياسات الاقتصاديّة بين الطرفين، منها مدّ انبوب لنقل النفط عبر الاراضي الباكستانيّة.
  7. 7.إيران أحيت مشروعاً جديداً لحركة عدم الانحياز، من خلال تبنّيها لأطروحة عدم الانحياز، مفهوم يعني الوجود البنّاء للدول، من أجل التعاون والتفاعل لبناء مستقبل واعد لشعوب العالم. وهذا المفهوم يشكّل البرنامج العالمي المضاد، لمفهوم العولمة وسيطرة القطب الواحد.

هذه التحولات في صراع الإرادات الدّوليّة، سيترك بصماته على المنطقة العربية، ومنطقة الشّرق الأوسط بالذّات. إنْ لمّ يتم ذلك بوقت قريب، فبالتأكيد سيكون ذلك في غضون فترة قصيرة من الآن.


محمّد جواد سنبه

كاتب وباحث عراقي

 

تابع موضوعك على الفيس بوك  وفي   تويتر المثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2217 السبت 01/ 09 / 2012)


في المثقف اليوم