أقلام حرة

قراءة في ديوان بلند الحيدري: أبواب الى البيت الضيق

صبيحة شبرشاعر عراقي مجدد، من جيل الشعراء الذين اغنوا القصيدة العربية وأحيوها من الجمود الذي كانت تعاني منه، كان في طليعة شعراء التحديث التي حدثت في بنية القصية العربية خلال أواخر النصف الأول من القرن العشرين، بلند الحيدري من رواد حركة الشعر العربي التي تضم كوكبة لامعة من أسماء استطاعت أن تضيف إلى الحركة الشعرية وان تنقذها من الجمود الذي كان سائدا آنذاك، وعندما نذكر تلك الحركة تأتي الى أذهاننا أسماء لامعة أمثال السباب والبياتي ونازك الملائكة

عاش بلند الحيدري منفيا من بلاده، الى بلاد أخرى عديدة يعاني منها من قسوة البرودة، وصقيع الثلج، واستطاع ان يعبر عن شعور قوي بالخيبة، ينتاب المواطن العربي عامة، والعراقي خاصة، نتيجة سوء الأوضاع، والقسوة المهيمنة، والصقيع البالغ القسوة، الذي يتمكن من القلوب البشرية، فيحيلها الى صخور صماء

صدرت له عدة دواوين شعرية، أعجبني منها ديوانه (أبواب إلى البيت الضيق)، يتحدث فيه عن غربة الإنسان في وطنه، مما يضطره الى الهروب الى منافي ليست أفضل من منفاه الأول ولا أكثر دفئا وحرارة، في قصيدته الأولى من الديوان المذكور، والمعنونة (في طريق العودة من صنعاء) حيث تطارد صنعاء الشاعر وتضيق عليه الخناق ، وتدفعه إلى مغادرتها بعد أن توجه له اتهاما طالما وجه له، تتهمه بالجبن، فيخاف على وجهه، ويقرر أن يفقأ عينيه، لأنها تريه الوجه الذي يعمد إلى إخفائه، ويطفيء مرآته حتى لا يتمكن من رؤية وجهه القادم الذي يرغب بالهروب منه، قطع لسانه إربا إربا، فماذا يفعل به وهو المحكوم عليه بالصمت الدائم والعزلة والجبن، وعدم القدرة على طرح ذلك السؤال الذي يلح عليه باستمرار : ماذا ابقوا من وطني؟

تطاردني صنعاء

تحاصرني

في كل زوايا المرآة

تصادرني نفيا متهما بالجبن

لأني

خفت على وجهي من عيني

فاليت على أن أفقأ عيني

أطفيء مرآتي

كي لا أبصر وجهي الآتي

يهرب مني

ولأني

قطعت لساني إربا ..... إربا

سمرت على مد الجدران السود

وأسوار سجون الوطن

خرسي

ولأني أقسمت لكل الحرس

أن أصبح أجبن من وطني

أجبن من أن أسال ماذا أبقوا من وطني؟

قصائد بلند الحيدري متماسكة، تمثل الوحدة العضوية، أبلغ تمثيل، حيث لا يمكننا ان نحذف منها بيتا واحدا، والا اختل المعنى، وأدى الى تخلخل القصيدة، وقد قال جبرا إبراهيم جبرا: (لن تستطيع ان ترفع بيتا واحدا من قصائده دون ان تترك فجوة ظاهرة في المعنى والتركيب)

في قصيدته (ما أقسى برد الليلة) نلمس شعورا متفاقما بالخيبة التي تهيمن على الإنسان، وهو يواجه أعباء الحياة وتناقضاتها، غريبا وحيدا، مهمشا، يستولي عليه البرد ويسلبه اليقين، وتسيطر عليه القشعريرة

سيدتي

تلك المنبوذة في الحزن ..... المنبوذة

في ليل عفن

سيدتي

تجمع رجليها

تلتصق الركبة بالصدر ....... بدمله

كالوهن

وتقول :ما أقسى برد الليلة ........... البرد شديد

***

أتراءى شبحا أسود في ظلي جفنيها

وتعيد

ما أقسى برد الليلة ......... البرد شديد

- ما رأيك في فنجان آخر ......؟

- ما رأيك في أن تسترجع أمسينا في عتمة فنجان

نقرأها كالأمس ......... زمانا في وعد

نقرأها ألقا يومض في صوت الرعد

أو نقرأها شفقا في شفة

أو شفة في شفق قاني

ما زالت تسأل عن وعد ثاني

سيدتي توشك ان تضحك

سيدتي تبكي

سيدتي تسألني

ما رأيك ان نحلم ,,,, ان نكبر ,,,,ان نصغر

ان نسخر مما كان لنا ,,,,,,,, مما كنا ..... ؟

هذا النفس القصصي والحوار الدائر بين شخصين، أمضهما الزمان، ومضى مبتعدا، تحاول المرأة من شدة صقيعها ان تسترجع الأمس الذي لن يعود

في قصيدة (قطرة د م) نلمس

فجيعة الإنسان من الحوادث الغرائبية التي تجعله، يموت ذلك الموت المتواصل، في مكان كالمقبرة، او السجن داخل وطن عزيز أكثر من النفس والهواء، يسمى العراق، يدرك فيه المرء، انه لابد ان يقتل، او يحرم، او يعدم، وبرغم قسوة المصير، فهو لا يبكي إلا ساعة ان ينسى في الأرض، المهجورة، ويعتبر نقطة د م لاغير

ثق أني

لن أبكي أن تعدم

فأنا

أعرف إنا، قد شئنا

أن نتعلم

كيف نصير أرضا بورا

بيتا ............. نافذة

وطنا لا يكبر، مقبرة او سجنا

أدركنا

انا قد نقتل .................. قد نحرق

قد نعدم

ولكنا لن نبكي الا ساعة ننسى

في الأرض المهجورة

لا أكثر من قطرة د م

يبست في الأرض البور

وما تركت

الا ظلا من قطرة د م

في قصيدة (النافذة العمياء) يصور لنا الشاعر، با سلوبه الجميل، الأخاذ، وبذلك الحوار البديع كيف ان التصرف البسيط البريء، يعتبر، لدى ذوي العقول المتحجرة والعقول القاسية، وكأنه خطيئة، تلاحق الإنسان، وتحكم عليه بالطرد والإبعاد من الجنة التي ينعم بها، بالأمن والحنان إلى جهنم، حيث الضياع والحرمان، من ضمة حنان او كلمة محبة، قادرة ان تبدد قر الجليد المتمكن من الإنسان، والمتحكم فيه، كأنه القدر

صوت أبي

يصرخ بي

يتدحرج بي ,,,, أخطأت ,,, لقد أخطأت

وأحسست به يكبر سوطا

           موتا

مملوءا بالنقمة والرعب

وأحسست نفسي تصغر حد التوبة

تصغر حتى كدت بأن لا أعرف نفسي

الا في الذنب

***

ثانية ............. ثالثة

ألفا يصرخ بي : أخطأت ,,, لقد أخطأت .... لقد

شاغلت دروس العلم ...... ولم تتعلم

أدركتك بالوعظ فلم تسلم

ونصحتك ..... لم تصغ ولم تسمع

الا فمك الأبكم

يا ولدي ..... ياولديكن حطبا لجهنم

وبكيت

بكيت

بكيت ولم أتكلم

فأبي لن يسمح لي الا أن أبكي

والا أن أصمت حتى الموت

ولن أتكلم

برع بلند الحيدري، تلك البراعة التي لم يستطعها الكثيرون، في تصوير التناقض الحاد، والمتوتر الذي تحباه النفس الإنسانية ............. عاش وحيدا، غريبا، بعيدا عن وطنه وأحبته، بعيدا عن العراق، ومات وهو غريب كما مات المبدعون العراقيون أصدقاؤه : ألجواهري والبياتي ونازك الملائكة ومن قبلهم السباب

 

صبيحة شبر

 

في المثقف اليوم