بأقلامهم (حول منجزه)

فاطمة الثابت: رحلة من المداريات الحزينة إلى المدارات الساخنة

الإبحار في المعقول واللامعقول

لقد أصبح مشهد الفكر الإسلامي ساحة معركة للصراعات الأيديلوجية، التي تصاعدت على مر السنين، مدفوعة بتآكل الحدود والمقدسات بسبب الرقمنة، مما جعل هذا التحول الرموز عرضة للتفسيرات المتنوعة، وفي الوقت نفسه يكافح الخطاب الديني لتزويد العقول الشابة أو الأجيال القادمة بالأدوات اللازمة لمواجهة مجموعة التحديات التي يواجهونها، بعد أن أدى تشكيل السلوك ورعاية الفكر إلى حصر الدين في رموز، مما قلل من التركيز على المفاهيم الأساسية وجوهر المعتقد.

ومن هنا جاءت ضرورة الاستكشاف المعرفي للمعتقدات والممارسات الدينية، ويستلزم هذا النهج فحص الطقوس والمعتقدات من وجهة نظر معرفية وتحليلها من خلال عدسة نظرية المعرفة، والتحقيق الفلسفي في المعرفة والاعتقاد والتبرير، تبحث هذه المنهجية في كيفية اكتساب المعرفة، وجوهر الاعتقاد، والمعايير التي تثبت صحة قناعاتنا عند تطبيقها على الدين، فإن هذه العدسة المعرفية تدرس الأسباب الكامنة وراء الادعاءات الطقوسية والاجتهادات الفقهية وتقييمها وفهمها، وبالتالي لابد أن ندرك الحاجة الملحة للتحليلات المعرفية داخل المجتمع، والسياقات الدينية، والتفاعلات بين النظم العقائدية المختلفة، ويرجع ذلك إلى الطبيعة المعقدة والمفككة لكل من المجالين العالمي والديني، والمعتقـدات الدينيـة لا تحيـل بالضرورة إلى قناعـات -أو رؤى اجتماعيـة- تدافع عنهـا تنظيـمات اجتماعيـة أو أفـراد معينـون فقط؛ بل تتضمـن رهانات أيديولوجيـة، سياسية، اقتصاديـة... وأيضـا إرثـا حضاريا وثقافيـا معينـا ..

هذه الاعتبارات تدفعنا إلى التأمل في الطقوس والعادات والتقاليد المنسوجة في حياتنا، كيف يمكننا التعامل مع هذه الممارسات بمعرفة، وإحاطة أنفسنا بالبحث العلمي الدقيق ومواجهة شكوكنا؟ هل يمكن للدراسات الإثنولوجية أن تلعب دورًا أكثر نشاطًا، مسترشدة بالتقييمات النقدية، لغربلة الشوائب الملتصقة بمعتقداتنا؟ كيف يمكن أن ننخرط في مناقشات مسترشدة بالآيات القرآنية التي تظل وفية لإيماننا الحقيقي؟.3615 مدارات عقائدية ساخنة

ضمن صفحات "مدارات عقائدية ساخنة: حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني"1، يتعمق المفكر ماجد الغرباوي في ضرورة إعادة تنشيط الخطاب الديني، ومواءمته مع الأبعاد المتعددة للطبيعة البشرية. ويشمل ذلك العناصر النفسية والسلوكية والاجتماعية والسياسية والعلمية والثقافية، إنه يتفحص المعتقدات وفعاليتها كرموز وإيحاءات وتأثيرها على الوعي الجمعي بقوله (العقيدة منظومة فكرية توجه وعي فرد، يتأتى الأيمان بها، عبر تراكمات لاشعوية، نفسية -ثقافية، هي سر تفاوته من شخص لأخر، فتؤثر في تكوينه جميع المؤثرات النفسية والسلوكية والأجتماعية والسياسية، والعلمية والثقافية، ومنها ذات العقيدة وقوة رمزيتها، وإيحاءاتها وحجم تأثر العقل الجمعي بها، وهنا يكتسب النقد صفة الضرورة ليحد من تمادي العقيدة على حساب المبادئ الأصيلة)2.

في التحاور بين المدارات العقائدية الساخنة الذي يشمل عشرة محاور، يبدأ بتكامل مفهوم "المنقذ"، وينهيها بمحور التشيع وإعادة إنتاج الشعائر، تتطلب هذه الدوائر الساخنة التجرد والموضوعية للفهم، لا يحتاج المرء إلى اعتناق الأفكار المقدمة بالكامل؛ بل من الأهمية بمكان أن نمنح العقل حرية اجتياز هذه المدارات دون أن يعيقه الخوف من الحوار.

على مر التاريخ، جذبت المدارات المقدسة والطقوس المرتبطة بها باستمرار انتباه علماء الأثنلوجيا فبرز كتاب كلود ليفي شتراوس "المدارات الحزينة" كتجسيد مؤثر لهذا التحقيق وهو عمل مبدع صاغه عالم الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا الفرنسي يؤرخ رحلاته وعمله الميداني في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك أمريكا الجنوبية، تتعمق هذه التحفة الاستبطانية والشعرية في تعقيدات المجتمعات البشرية والأساطير وطيف التنوع الثقافي، ومن خلال مواجهة الحضارة الأوروبية بحضور الثقافات الأخرى، يسعى ليفي شتراوس إلى تبديد هالة التفوق والمركزية، مبشرًا بفكرة مفادها أن أرقى الحضارات هي تلك القادرة على الحوار والتواصل بين الثقافات، ويؤكد أن " العالم بدأ من دون الإنسان، وسوف ينتهي من دونه أيضاً، والمؤسسات والعادات والتقاليد، التي كان عليّ أن أمضي الشطر الأكبر من حياتي في فهمها وفي استكشافها وإحصائها، هي في حقيقة الأمر بداية تفتّح عابر لتكوين لا نملك تجاهه أي معنى، سوى السماح ربما للإنسانية بأن تلعب فيها دورها"..

لذلك بالرجوع الى كتاب مدارات عقائدية ساخنة وفتح باب المناقشة التي تجاوزت فيه الحدود الجامدة بإطلاق العنان للسؤال، حيث مما جاء به (ثمة جدل متواصل بين الأيمان وبيئته لتجديد فاعليته على مستوى السلوك والأخلاق والوعي، بدوافع أيديولوجية لتبقى العقيدة سلطة توجه وعي الفرد وتؤثر في فهم الواقع، فالصورة الذهنية للعقيدة وليدة أيمان الفرد وضروراته ومصادر معرفته)3، ومايميز هذا الحوار أنه حوار مفتوح يتضمن حلقات نقاشية على محركات البحث كوكل، وهو جزء من تشكلات الخطاب في العصر الرقمي حيث يرى الغرباوي (أحيانا تَحط المعاصرة من قيمة الرمز وقدسيته، بينما تزدهر في غيابه حداً تُلهب رمزيته الخيال الميثيولوجي، فيجرّده من بشريته ويحلّق به في مدارات الأسطرة واللامعقول، ليُعيد انتاجه باستمرار في إطار ضروراته العقدية والأيديولوجية)4.

بأختصار يبرز التحليل المعرفي للطقوس والمعتقدات الدينية كأمر بالغ الأهمية وهو ينطوي على التحقيق في المفاهيم والممارسات والأحداث الدينية من خلال عدسة معرفية، ويفكر هذا الإطار في كيفية اكتساب المعرفة وجوهر الاعتقاد، والأساس المنطقي وراء التحقق من صحة المعتقدات، إن التعامل مع الدين من هذا المنطلق يتطلب التدقيق في المنطق الذي تقوم عليه الادعاءات الطقسية والأجتهادات المتعلقة بها وتقييمها وفهمها، يحمل هذا النهج أهمية خاصة بسبب الطبيعة المركبة والمفككة للعالم وجوانبه الدينية، وبالتالي تجديد الخطاب الديني الموجه الى الأجيال القادمة ومحاكاة تطلعاتهم ومخاوفهم فذلك هو السبيل الأنجع للتحاور بما يناسب فضاء الرقمنة وتجاوز ثقوبه السوداء التي باتت تبتلع كل من يضطلع بها.

***

د. فاطمة الثابت – أستاذة علم الاجتماع

.....................

1– مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في الأسطرة واللامعقول الديني، مؤسسة المثقف وأمل الجديدة، 2017م. والكتاب هو حوار طارق الكناني مع ماجد الغرباوي.

2- المصدر نفسه، ص 17.

3– المصدر نفسه، ص 18.

4- المصدر نفسه،ص 162.