أقلام حرة

مزهر جبر الساعدي: التاريخ المتداول.. حقائق ام وقائع تمحو الحقائق؟

الوقائع لا تعكس بالضرورة الحقائق التي ولّدت تلك الوقائع، أو التي كانت الدوافع لها؛ حتى تبسط هيمنتها الكلية على المقروء من حركة التاريخ، وفي غزة يتم ومنذ أكثر من خمسة شهور ذبح الناس في القطاع، وتدمير شامل وتام لكل الحياة فيه، والغرض هو تهجير الشعب الغزاوي الفلسطيني العربي من أرضه؛ تمهيدا لتصفية القضية الفلسطينية.

هذا المشروع الصهيوني يرتبط بمشاريع أخرى لا علاقة لها بأمن الكيان الصهيوني، بل إن العلاقة التي تكاد تكون الوحيدة؛ هي جعل دولة الاحتلال الإسرائيلي، دولة طبيعية في المنطقة العربية، وجزءا مهما واستراتيجيا في مشاريع طرق التنمية، وكل ما هو ذو صلة بها. ووضع الفلسطينيين مستقبلا، في زاوية ضيقة؛ لإجبارهم على الموافقة، أو التسليم بالمشروع الدولي والعربي، وربما حتى الإقليمي؛ بتصفية القضية الفلسطينية؛ وحصرها في حكم ذاتي تحت مسمى الدولة..

هذه هي الحقائق من وجهة نظري؛ لما يجري الآن من محارق للناس والأرض، ولكل ما ينبض بالحياة على مسمع ومرآى العالم، بما في ذلك الوطن العربي (النظام العربي) ودول الجوار، والسلطة الفلسطينية، أما الوقائع المسوقة إعلاميا؛ فتدفع تلك الحقائق إلى خانة الإهمال، بعدم تسليط الأضواء عليها، كي يفهم العالم الحر، ما يجري على أرض القطاع وأهدافه ومراميه، لتظهر وكأن دولة الاحتلال الإسرائيلي هي في موقع الدفاع عن النفس، أي أنها لا تريد سوى حماية سكانها وأمنهم لا غير. كل هذا يجري لدفن حقائق المشروع الصهيوني الغربي ـ الأمريكي ـ العربي. هذه المذبحة مستمرة لأكثر من خمسة أشهر مضت ولا تلوح أي إشارة على قرب وضع نهاية لها، ما يعني بصورة لا جدال فيها، منح الزمن الكافي للكيان الصهيوني لإتمام المشروع المشترك بينه وبين أمريكا والغرب والبعض من الأنظمة العربية، متناسيا أن هناك شعبا ناضل ويناضل بقوة وصلابة لا تعرف التراجع، أو الخوف أو اليأس؛ لإفشال هذا المشروع الصهيوني الأمريكي ـ الغربي ـ العربي. مثلا وليس حصرا؛ أمريكا تقول على لسان مسؤوليها وعلى أعلى مستوى؛ على إسرائيل توفير ملاجئ آمنة للمدنيين قبل الشروع باقتحام مدينة رفح، أي ليس لديها أي اعتراض على هذه المذابح من حيث المبدأ، بمعنى آخر أنها ـ أي أمريكا ـ تتشارك مع الكيان الصهيوني في أهمية اقتحام مدينة رفح. هذه كلها وقائع نسمع بها ونقرأ عنها، لكنها ليست الحقائق على أرض واقع الظل، الحقائق هناك؛ تختلف كليا عن هذه الوقائع، من حيث هي وقائع على الأرض، لكنها ليست حقائق التوليد لهذه الوقائع، تلك الحقائق يجري وجرى طمسها بسحب من التضليل المكثف جدا، بالطريقة التي تحجب بها الرؤية عن أن تبصر ما وراء هذه الوقائع من حقائق دافعة أو مكونة لها.. كل التصريحات الأمريكية، أو غيرها إقليميا وعربيا، ما هي إلا لرفع الإحراج وتبييض وجوه مسؤولي هذه الأنظمة والإدارات دوليا وعربيا وإقليميا، وحتى السلطة الفلسطينية.. يتحدث الإعلام عن أن هناك خلافا بين أمريكا وإسرائيل، إن هذا محض خداع وتضليل ودفن للحقائق، فليس بين أمريكا وإسرائيل أي خلاف أكان صغيرا أم كبيرا، دولة الاحتلال الإسرائيلي ستقتحم مدينة رفح في الأيام المقبلة، عند ذلك كيف يكون موقف أمريكا والعالم من هذا الاقتحام على ما في ذلك من مذابح، سوف تجري أكثر مما هو جار منها حتى هذه اللحظة؛ سوى الشجب والاستنكار، من دون اتخاذ أي إجراء فعال لوقف هذه المذبحة، كما حدث في الاشهر الخمسة الماضية على هذه المحارق. فالعراق مثلا تم غزوه واحتلاله وتدميره، وليس إسقاط النظام فقط، بل كان الغزو عملية مرسومة ومبرمجه لتدمير الدولة، بحجج واهية ليس لها أي نصيب من الحقيقة، بل إن جميع ما تم تسويقه لغزو واحتلال العراق؛ عبارة عن أكاذيب وافتراءات لا مثيل لها في كل تاريخ البشرية، إن النظام السابق كان نظاما ديكتاتوريا بامتياز، وحكم الشعب بقبضة من حديد، لكن الولايات المتحدة بإقدامها على غزو واحتلال العراق وتدميره كدولة؛ لم يكن السبب كما تدعي، هو تحرير الشعب العراقي من نظام ديكتاتوري، إضافة إلى الادعاءات الأخرى. هذه كلها تم تثبيتها كوقائع أمريكيا ودوليا وعربيا وإقليميا، حتى هيمنت هذه الوقائع على الخطاب الإعلامي الدولي والعربي والإقليمي، وجميعها كانت بعيدة كليا عن الحقائق التي دفعت أو قادت الولايات المتحدة إلى غزو واحتلال العراق وإنهائه كدولة فاعلة ومهمة إقليميا وعربيا. الحقائق التي قادت، أو كانت الدوافع لاحتلال العراق من قبل أمريكا؛ هي حصريا؛ النفط والغاز والموقع الاستراتيجي، وإعادة رسم خريطة المنطقة العربية؛ وهيكلة الأنظمة العربية، إلى عملية التطبيع المجاني إلى المحاولات الدؤوبة بتصفية القضية الفلسطينية.. لكن أمريكا حتى في هذا الجانب؛ فإنها في الطريق إلى الفشل التام في تحقيق أي من أهدافها سابقة الإشارة لها في هذه السطور. العمل يجري عراقيا وحثيثا على إخراج القوات الأمريكية من العراق، ولاحقا، لن يطول الانتظار؛ لنرى حتى البقية الباقية التي ستظل على أرض الوطن بحجة أو بأخرى؛ سيجري العمل عراقيا ـ وأشدد هنا على عراقيا ـ على إخراجها. إن الولايات المتحدة في الوقت الحاضر؛ تعاني من صعوبات جمة في الاقتصاد وفي السياسة، وفي الحروب التي تخوضها بالإنابة مع القوى الدولية الكبرى، وفي المحاور الدولية، المضادة لسياستها، وستزداد مع الوقت هذه الصعوبات، وعلى مختلف الجبهات داخليا وأوروبيا وفي المنطقة العربية وفي غيرها. هذه كلها ستكون في خدمة الدول والشعوب للتخلص من تغول أمريكا عليها، والعراق واحد من أهم هذه الدول، بل هو في مقدمتها للتخلص من النفوذ الأمريكي.. وبالعودة إلى المذبحة الصهيونية في قطاع غزة؛ أمريكا والغرب وحتى بعض الأنظمة العربية؛ توفر بطريقة أو بأخرى الغطاء لدولة الاحتلال الاسرائيلي لمواصلة حرائقه في القطاع، ومن أبرز هذه الأغطية هي إقامة أمريكا ميناء لتقديم المساعدات للشعب الغزاوي الفلسطيني العربي المحاصر، والواقع تحت وابل من القنابل بمختلف أنواعها وصنوفها، وكذلك بدعة قصف القطاع بحاويات المساعدات الإنسانية التي تجري عربيا وأمريكيا.

إن التحليل النهائي لهذه الإجراءات يقود حكما إلى أن هناك خطة مريبة؛ لتوفير الزمن اللازم لهذه الكيان المجرم في إتمام حصاد أرواح الناس والقضاء على البنية التحتية للقطاع هذا أولا، وثانيا لامتصاص غضب الشعوب الحرة في المعمورة مما يجري في غزة من إبادة جماعية. آما كان الأجدر بأمريكا، لو كانت فعلا؛ تريد إيقاف هذه المذبحة؛ أن تضغط على دولة الاحتلال الإسرائيلي وهي تمتلك كل عوامل الضغط؛ بإيقاف هذه الإبادة الاجرامية؛ يكفي فقط أن توقف الجسر الجوي للذخيرة والسلاح إلى دولة الاحتلال الاسرائيلي.. وهذا أيضا ينطبق على الانظمة العربية، لو أرادت الوقوف بوجه الكيان الصهيوني، وقوفا جديا وحاسما ومنتجا، لكن للأسف لم يحدث أي من هذا. الموقف الجريء والحاسم في الوقوف إلى جانب المقاومة الفلسطينية في غزة؛ هو موقف حركة أنصار الله في اليمن، وهو موقف يحسب لهذه الحركة تاريخيا، إضافة إلى الحدود المسيطرة عليها، أي انها تحت السيطرة؛ لاعتبارات ملزمة وضاغطة في حساب المحيط والبيئة؛ هو في موقفيَ المقاومة العراقية وحزب الله في لبنان في دعم وإسناد المقاومة الفلسطينية، بطريقة محدودة، من دون الدخول في مواجهة مفتوحة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.. نعود مرة أخرى إلى أن حقائق التاريخ لا تمثل تمثيلا حيا وصادقا وحرفيا للوقائع التي تصنع التاريخ، إن الوقائع في الكثير منها؛ تكون مسبباتها لا علاقة لها بالوقائع التي أوجدت هذه المسببات التي صنعتها، أو تمت صناعتها بإرادة سببية للقوى الدولية أو الإقليمية التي تريد لها أن تكون بهذه الطريقة حصريا وليس بغيرها؛ حتى يتم لها محو هذه الحقائق، ليس محوا تاما وشاملا، وتسيدا على حقائق الحقيقة، بل محوا جزئيا؛ لأن الحقائق في واقع الظل؛ سوف تظهر جلية وواضحة، حين يتم بإرادة الخيرين من علماء التاريخ وخبرائه؛ تسليط الأضواء على الحقائق في واقع الظل. لكن في النهاية وكما علمنا الجانب المشرق والمضيء من تاريخ البشرية العظيم؛ أن الشعوب الحية سوف تنتصر على مستغليها من طغاة العالم.. مهما طال زمن الانتظار.

***

مزهر جبر الساعدي

 

في المثقف اليوم