اخترنا لكم

إسلام بلا سياسة.. أزمة الفراغ النظري

لا يُمكن فصل إشكاليات الحاضر العربي عن إشكاليات ماضيه. فبقدر ما الواقع/ الراهن يَحْكم بضروراته على مُجْمَلِ الخيارات المُعَبِّرة عن إرادة عامة؛ فالذاكرة التاريخية تَحْكم أيضا، وربما بما هو أشدّ إلزاماً من الواقع وضروراته القصوى. وما تأزّمَ الواقعُ العربيُّ منذ بدايات الاشتباك السياسي والثقافي مع الحضارة المعاصرة التي فرضت تحدّياتها في سياق خيارات مصيرية؛ إلا لأن الذاكرة التاريخية ظلت تُعانِد من جهة، وتعجز ـ بطبيعة مُكوّناتها ـ عن فهم هذا الواقع؛ من جهة أخرى.

إذن، الذاكرة العربية/ الإسلامية مصدر التأزم الراهن؛ كما هي مبدأ اجتراح الحلول الممكنة. لا خطوة واثقة، لا خطوة مُجْدِية بحق، تبدأ من فراغ. فكيف إذا لم يكن ثمة فراغ؛ إلا فراغا مملوءا بما هو أسوأ من الفراغ. والأسوأ هنا يتمثّل في فوضى الذاكرة وعبثيتها واضطرابها وامتلائها بالمتناقضات، بل واللاَّمعقول/ الخرافيات. ومن ثم عُقْمُها وعَجْزُها عن الإسهام في اجتراح الحلول، فضلا عن سدِّها منافذ التواصل/ المُثَاقفة بما تطرحه من أوهام الاكتفاء الذاتي.

الغريب أن الوقائع السياسية في التاريخ العربي/ الإسلامي، وعلى ضخامتها، لم تُنْتِج نظرية سياسيا توازيها أو حتى تقاربها. فمع أن الإسلام يُشَكِّل أكبرَ "واقعة سياسية" للعرب (وهذا لا ينفي الواقعة الدينية له بالطبع) إلا أنهم لم يُنْتجوا من خلاله نظرية سياسية واحدة متماسكة؛ على الرغم من تتابع تأسيس الإمبراطوريات الواسعة التي كانت تتطلب نظرية سياسية ما؛ وعلى الرغم أيضا من استدماج كثير من الشعوب المتحضرة ذات الإرث السياسي الممتد لقرون قبل الإسلام.

لماذا لم يَنتج عن هذه الوقائع الإمبراطورية الإسلامية الكبرى، وعن هذا الاشتباك الاجتماعي والثقافي الواسع عبر التاريخ العربي/ الإسلامي الطويل، نظرية سياسية في الإسلام؟ وبالتقابل المُقارِن: لماذا أنتج الغربُ منذ أيام المدن اليونانية، ومرورا بالقرون الوسطى، إلى فجر العصور الحديثة ـ ولا يزال يُنتج ـ تنظيرات سياسية بالغة الحيوية في اشتباكها الجدلي مع الواقع من جهة، ومع المرجعيات النظرية الأخرى، من جهة أخرى؟

لا شك أن الأسباب كثيرة، بعضها مَحَلّ اتفاق، والآخر مَحَلُّ اختلاف. ولكن، في تصوري الخاص، فإن نشوء الواقعة السياسة في الفضاء الإسلامي الأول كظاهرة دينية (= ما قبل سياسية) جعل المحاولات اللاَّحقة أسيرة لها، بحيث لا تستطيع تجاوزها بالنقد؛ لاكتسابها مرجعية قُدْسِيّة في الوعي الإسلامي العام.

كان يُفْترض أن تبدأ السياسية في الإسلام ـ كسياسة أولا ـ بمجرد وفاة نبي الإسلام، أي بمجرد غياب المرجعية الما ورائية، المرجعية القائمة على العصمة الإلهية المتعالية على الأرضي/ الواقعي (= على السياسي المحض)؛ رغم مُحَايَثتها له. هذا هو المفترض. ولكن، ما حدث كان مجرد امتداد لأعراف وتقاليد ما قبل الإسلام، كان اشتغالا عربيا محضا بالأساس؛ حتى في اللحظات التي صرّح بها الفاعلون السياسيون عن ارتباط الإجراء الواقعي بالدين.

بدأت أيام السياسة الأولى في الإسلام باجتماع "السقيفة" يوم وفاة النبي، وكانت المبادرة السياسة نِزَاعا قَبَليا/ مناطقيا، مُفَرَّغا من كل مبدأ سياسي، كما هو مُفَرَّغ من الديني، رغم الحديث كان يجري باسم الدين أو لغاية الدين. كان الاجتماع، ومُتَتالياته، مسار رُدُودِ أفعال متلاحقة لا تتصل بخيط نظري ناظم، لا عند الأنصار (= الأوس والخزرج: الجيش الإسلامي الأول)، ولا عند المهاجرين (= القرشيين بالذات) الذين كسبوا الجولة الأولى بالتفافة أرستقراطية بارعة، ومن بعدها سيطروا على الملعب السلطوي بالكامل لأكثر من ستة قرون.

وكانت النظرية المقابلة لاجتماع السقيفة (= نظرية الوصية) دينية خالصة تتعالى ـ مبدئيا ـ على السياسة ومعادلاتها في الواقع. أي أنها في النهاية لم تكن نظرية في السياسية؛ بقدر ما كانت نظرية في الدين؛ رغم دافعها السياسي الواضح.

على أي حال، تكاثرت الفرق الإسلامي لاحقا، والتي كان منشؤها معارضة سياسية لاحتكار السلطة بالكامل من قبل الأرستقراطية القرشية وحلفائها (حلفاء ما قبل الإسلام). وكما هو متوقع، فقد كان القادة الفكريون لهذه الفرق المعارضة يطرحون تصوراتهم السياسية التي تتوسل المبدأ الديني، محاولين اجتراح نظرية سياسية ذات بعد ديني، تخدم حراكهم السياسي على أرض الواقع. ولكن أيا منهم لم يطرح رؤية سياسية تتوفر على الحد الأدنى من التماسك والشمول، بدءاً بِمُبَرِّرات السلطة/ الدولة، وانتهاء بتفاصيل الأداء السلطوي، مرورا بالشروط الدستورية التي تتعلق بالحاكم، وكل التفاصيل في هذا المجال.

أعرف أن كثيرين هنا سيتقدمون بما طرحه بعض كبار متكلمي الإسلام وكبار فقهائه في هذا الشأن، بوصفه تنظيرا سياسيا. والحقيقة أن ما طرحه هؤلاء؛ إما أنه مجرد رؤى عابرة متناثرة تفتقر للحد الأدنى من التنظير، أو هو تنظير متماسك نظريا إلى حد ما، ولكنه مجرد تعقيب على الواقع؛ لا لنقده على حدود الاستواء النظري المفترض، وإنما لتبريره وتسويقه، فالمتكلم أو الفقيه إنما هو في النهاية يقوم بدور المتحدث الرسمي باسم السلطات القائمة آنذاك، وهي السلطات المتقلبة المتحوّلة ذات المشروعيات المُتَعدِّدة، والتي يستحيل ـ جرّاء ذلك التحول والتعدد ـ أن تكون "التبريرات" لها مُتّسقة نظريا، كما يستحيل البناء على تراكمها عبر التاريخ للخروج بنظرية سياسة جامعة للمجتمع الإسلامي.

في التراث الغربي، كان هناك التنظير السياسي المرتبط بالواقع، أي التنظير على ضوء الواقع؛ كما كان هناك ـ بالتوازي معه، أو بمحايثته ـ تنظير متجاوز للواقع، قد يكون حالما، بل وقد يكون خياليا، ولكنه في النهاية يُعبِّر تطلّع وإرادة تطوّر، كما يُعَبِّر ـ وهو الأهم ـ عن نقد ضمني للسياسية السائدة في بُعْديها: النظري والعملي. وهذا ما لم يكن موجودا في التراث الإسلامي؛ إلا كالفُتَات المتناثر على ضِفاف هذا التراث، كما هو الحال عند متفلسفة الإسلام الذين ظلوا خارج نطاق الوعي الجمعي الإسلامي الذي هَيْمنَ عليه الفقيه الديني، فكانوا ـ أي الفلاسفة ـ مجرد هوامش منبوذة، لا تُؤثِّر على المسار الفكري العام، فضلا عن أن تُؤَثِّر في مُجْرَيَات الحدث الواقعي.

لهذا، ليس غريبا أن يكون التنظير السياسي الإسلامي الرائج في المدونات التراثية، هو التنظير المُعَبِّر عن الفراغ النظري، أقصد: الآداب السلطانية (بما فيها "المقدمة الخلدونية" التي تدّعي ـ بادعاء مزيف ـ تجاوز هذه الآداب) التي كانت شَرْعَنَة للتشوّهات العميقة في تاريخ الإسلام السياسي. وليس مصادفة أن يكون مؤلفو هذه "الآداب السلطانية" "فقهاء" بالدرجة الأولى، أو متقاطعون أصالة مع الخط الفقهي التقليدي العام.

أخيرا، ماذا يعني غياب النظرية السياسية الإسلامية على امتداد تاريخ الإسلام؟ يعني أن الرابط الوحيد الذي كان قادرا على التنظيم والتوحيد الأممي في تصور العرب/ المسلمين هو رابط الإمبراطورية الكبرى الجامعة، أي أن الرابط واقعي قسري. وبالتالي، عندما يزول هذا الرابط؛ يطفح على السطح شعورٌ عام باليتم والضياع، ومن ثم التيه النظري الذي يقف أمام المستقبل عاجزا، مقهورا بعجزه. هذا ما حدث بعد سقوط الإمبراطورية العباسية (السقوط الكلي لواقع المشروعية عام 656هـ، وليس السقوط الأول المتمثل في تفكك السلطة الواقعية 247هـ)، وأيضا بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية أوائل القرن العشرين. فالعرب/ المسلمون كانوا ـ ولا يزالون ـ حائرين، لا يعلمون حقيقة ما يريدون. وعندما يُحاولون البحث في هذا المجال فإنهم لا يُنتجون إلا مضغ كلام في كلام؛ لعجزهم عن البدء من حيث كانت البدايات الأولى.

***

محمد المحمود

عن الحرة في يوم 09 يناير 2023

 

في المثقف اليوم

كوكل 88 في نهاية الصفحات