الرئيسية

المثقف في حوار مفتوح مع ا. د. انعام الهاشمي (5)

 

 

س36: د. ناهدة التميمي: كاتبة وشاعرة عراقية / هولندا: سبق وان قمت بترجمة قصيدة سماء من ماء للشاعر القدير فلاح الشابندر .. وعلى غموض الفكرة فيها، وصورها المتلاحقة التي تكاد تكون اشبه بالاسطورة الا انك اجدت في ترجمتها بنقل روح النص والحفاظ على الشكل والاطار العام .. فما الذي يستهويك اول شيء في نص تترجمينه، هل الغموض .. او صعوبة النص او الصور الشعرية او اسم الشاعر او شيء اخر؟

ج 36: الأديبة والمحللة السياسية د. ناهدة التميمي، أسعدني وقوفك واهتمامك بالمشاركة في هذا الحوار، فشكراً لك. وشهادتك، وأنت الخبيرة بالترجمة، لهي من دواعي فخري واعتزازي.

أسم الشاعر لا يدخل في حسابي عند الترجمة ولكني عادة أبحث بعد ترجمة نص لشاعر عن نص آخر له لكي أعطي القارئ نكهة أخرى من نتاجه ولكي يكون لي أكثر من خيار حين ينتهي المشروع ويوضع في كتاب. أما في اختياري الأول فلا دخل لإسم الشاعر. فقط أحاول قدر الإمكان أن أعطي اهتماماً أكثر لمن هم في داخل العراق وليس لهم علاقات بمصادر الترجمة كما لدى من هم في الخارج.

أقول دائماً إنني لا أختار النص وإنما هو الذي يختارني. حين أقرأ النص أعيشه وأنتقل معه في أجوائه، إن أخذني النص الى نهايته دون أن يسقطني على الأرض كان له نصيب. حين تغيب الكلمات وتحل الصور مكانها يكون نصيبه أكبر. وحين أري سطوره بالعربي وأقرأها بالإنجليزي دخل صومعة الترجمة. أميل ألى الوضوح مع بعض التورية ولكن حين نترجم النص يجب أن يكون النص واضحا للقارئ باللغة الأخرى وسلساً قدر الإمكان. بعض النصوص قد تكون جميلة بتركيبتها العربية ولكن عند الترجمة تفقد حلاوتها لأن حلاوتها الأصلية تعتمد على تركيبتها اللغوية أي حلاوة الكلمات المستعملة لفظاً وتناسقا أكثر من الصور. بعد أن يترجم النص أتركه فترة ــ ليختمر ــ وأحاول أن أنسى أنني ترجمته ثم أعود لقراءته كقارئ باللغة المترجمة فإن أعجبنى نشرته. لدي عدد من النصوص المترجمة تنتظر رأي إنعام القارئة ولا يعلم أصحابها أنها قد ترجمت حتى يحين (قطافها !) حينها أطلب إذنهم بالنشر.

وعن إسم الشاعر كما قلت لا يدخل الإسم في القرار.. مثلاً ترجمت لزينب الخفاجي ولم اكن أعرفها، وترجمت لعدنان الفضلي وأنا لا أعرفه ولا حتى في التعليقات عدا في الوقت الذي طلبت الإذن منه لنشر الترجمة وترجمت لصدام الأسدي وما زلت في انتظار رده فقد اختمرت ترجمة قصيدته وجاهزة للنشر حينما يأتي دورها، وأنا لا أعرفه، وغيرهم يقظان الحسيني، وحسين ابو سعود وسعد جاسم، وسلام كاظم فرج، وحمودي الكناني، وفلاح الشابندر كما ذكرت وغيرهم مما سيعلن في حينه. معظم اختياراتي من المنشور في المثقف .وبعضها من النور.

أما ترجماتي من الإنجليزية للعربية فيدخل فيه الشاعر كعامل لأني حين أقرأ الانجليزية أقرأ للشعراء الأثيرين لدي والذين أحتفظ بمجموعاتهم، مثل أدغار ألن بو الذي يأتي على رأس القائمة ويأتي بعده هنري وادسوورث لونغفيللو، ولورد بايرون وأخرون. ثم يأتي النص هناك نصوص تستوقفني من بين قصائدهم وتبقى من قصائدي المفضلة وهناك من النصوص التي أري أن مضمونها يستحق أن ينقل للقارئ العربي مثل قصائد لونغفيللو عن الرق التي كتبها حين كان النداء لإلغاء الرق وتحريم تجارته كفراً في مجتمع الرجل الابيض الذي يعتمد إنتاجه الزراعي وثروته على استخدام الرقيق، وقد ترجمت هذه المجموعة ونشرت بعضاً منها. وآمل أن يتوفر الوقت والعمر لكي أترجم مايستحق الترجمة لوضعه في يد القارئ العربي في كتاب وبعضها في الإنترنيت.

ومثال آخر لقصائد أود وضعها في يد القارئ العربي قصيدة Al Aaraaf  (الأعراف) وهي أطول قصائد أدغار ألن بو كما أنها من أكثر قصائده تعقيداً، وهي تستند الى سورة الأعراف وقصص أخرى مما يشير إلى أن أدغار ألن بو قد قرأ القرآن أو على الأقل قرأ قراءات عنه. وقد ترجمت له قصيدة مدينة في البحر (The City in the Sea) وهي أيضاً مستندة الى ما حدت لقوم لوط الذين أهلكهم الله لفسوقهم وكأنها أيضاً امتداد الى الأعراف. أما قصيدة مايا أنجيللو "سوف أنهض" I Will Rise فقد دخل المضمون وشخص الشاعرة كشخصية تمثل المرأة الملونة التي تغلبت على الظروف الصعبة التي ولدت فيها، واداؤها في تجسيد قوة القصيدة كعوامل، شاهدتها شخصياً تلقي القصيدة بطريقة واثقة ثقة من يرى كل الصعوبات التي توضع أمامه ويستصغرها ويصر على أنه سيتجاوزها، وكونها تحترف التمثيل (إضافة إلى كونها أكاديمية) أمكنها من تجسيد المشاعر التي تضمنتها القصيدة بشكل رائع لا يملك السامع حياله إلا ان يتعاطف معه.

 

س37: د. ناهدة التميمي: اي الوان الترجمة تجدين نفسك فيها اكثر الشعر ام المقالة او كتاب او علوم او قصة ام ماذا؟

ج 37:  هذا سؤال تسهل الإجابة عليه .. تستهويني ترجمة الشعر أكثر من القصة، أما الرواية فتحتاج الى طول نفس لايتسع له وقتي، فقد دخلت حقل الأدب والترجمة متأخرة وذلك بعد أن أنهيت التزاماتي المهنية. لدي مشاريع ترجمة عديدة ولكن الغلبة دائماً للشعر فهو سهل الهضم وفيه متعة خاصة لصعوبته أولاً ففيه تحدٍّ يحقق الشعور بالأنتصار والتغلب على العجز، وثانياً لما فيه من متعة، لأنه بمثابة إعادة كتابة القصيدة. فترجمة الشعر ككتابة الشعر تحتاج قابليات خاصة في اللغة المترجَم إليها بالأخص، ومعرفة الموسيقية الشعرية والإيقاعات فيها لكي يمكنه مقاربتها مع الحفاظ على روح النص. وقد لاحظت ترجمات تسئ للنص ولو قدمت الترجمة تلك لطلاب المدارس المتوسطة لرفضوها لكثرة مايتخللها من أخطاء لغوية ونحوية . مثل هذه الترجمات لا تسيء للنص فحسب وإنما تعطي فكرة سيئة عن مستوى شعراء اللغة المترجم منها وبذلك تحقق عكس الهدف المبتغى من الترجمة، وهو نقل الحضارة وتعريف الحضارات الأخرى بها، ذلك لأنها تقدم صورة مشوهة عنها. هذه ظاهرة بدأت تنتشر يجب الحذر من عواقبها. فلا يكفي الشاعر أن يقول أن قصيدته قد ترجمت إلى لغات أخرى وإنما ماذا نقلت هذه الترجمة، لهذا أنا أستأذن الشاعر قبل النشر.

أفضّل الشعر لصعوبته ولقلة الترجمات فيه ولمساحة الاختيار والتنوع التي يهيئها. لا أترجم المقالة لأني لا أجد متعة في ترجمتها. أما الكتب التي أنوي ترجمتها للعربية فهي كثر ولكن لا أظن أن ما تبقي لي من السنين يكفي لإكمالها. وهناك حقيقة تنبع من عالم التكنولوجي تحدثت عنها في حلقة سابقة، بعد حين، لن يطول، سوف يسقط دور المترجم حيث أن هناك برامج تطوَّر للترجمة الألكترونية لكل اللغات، كما أن الكثير من الكتب قد تم تحويلها الي كتب اليكترونية من قبل الجامعات، وبرامج الترجمة التي يجري تطويرها بأمكانها تحويل الكتاب الى اي لغة آنياً. ودور المترجم ربما سيقتصر في المستقبل على اختيار النص او الكتاب والإرشاد ألى افضل البرامج للترجمة.

 

س38: د. ناهدة التميمي: هل فكرت مثلا ان تجمعي قصائد قمت بترجمتها لان الفكرة استهوتك، او لان ترجمتها تعتبر تحدي لقدرة المترجم في كتاب تصدرينه تحت اسم قصائد استهوتني فترجمتها ؟

ج 38: نعم، كما ذكرت سابقاً تحت الطبع كتاب مشترك بقسمين عربي وانجليزي، القسم العربي شعر بعنوان "قبلة بحجم العالم" شعر سعد جاسم، والقسم الأنجلبزي ترجمتي له للإنجليزية بعنوان “A Kiss in The Size Of The World” على وشك الصدور، والكتاب الأخر تحت الإعداد للطبع يحمل ترجمات النصوص التي اخترتها وترجمتها للإنجليزية والعنوان لم يستقر بعد، وآخر يحوي الترجمات من الإنجليزية للعربية.

 أشكر لك مرة أحرى مساهمتك في إثراء الحوار ودمتِ بخير.

 

س39: سعد الحجي: شاعر وكاتب عراقي / ليبيا: لاحظت من خلال متابعتي لنتاج الأديبة إنعام الهاشمي عذوبةً في اللغة العربية وصفاءً في النحو.. فهل لها أن تعود بنا إلى البدايات الأولى للغتها العربية وهلاّ أرتنا أية علامات مضيئة على طريقها هذا؟

ج 39: أرحب بالشاعر سعد الحجي، وكل الشكر له لمشاركته بالحوار.

للإجابة على سؤالك الأول أود ان آخذك معي في قراءة لإحدى محاوراتي بعنوان "محاورة مع الروح ـ صلب وذهب" وفيها تجد إشارة إلى ان وجود الكتاب تحت متناول يد الطفل بعد أن يتعام قراءة اول ثلاثة حروف هو أول أساس يبني عليه كيانه اللغوي. وسأقتطف لك جزءً منها:

 **المقتطف **

( وقفتُ أمامها وجهاً لوجه مُحاوِلةً سبرَ أغوارِها ..

قلتُ: أيتها الروح، أعلميني مالذي تخفينه في الحنايا؟

قالت: ألستُ أنا فيكِ؟ ألستُ أنا منكِ؟ فكيف لي أن أُخفي عنكِ مافي جوارِحي؟

قلتُ: من يدَّعي معرفةَ روحِه فقد ادعى معرفة كلِّ العوالِم .. ومن ادَّعى ذلك فقد جَهل!

صمَتَت روحي .. وكان في صمتِها كلُّ البوح وكلُّ التخفي ...

قلتُ: أيّتها الروح، أنيريني .. ارسلي بصيصاً يكشف لي ظُلمةَ الأعماق ..

قالت:

................ د

........................ا

.............................. ر

........................................ د ا ر

قلتُ بدهشة: دار ..... !!!! ... أهذا كلُّ ما لديكِ؟

قالت: لا تبخسي حقَّ أوّلِ كلمةٍ قرأتِها .. فلولاها ما وصلتِ الى (محفوظ) *(1)

ولولاها ماقرأتِ لمحفوظ **(2)، ولما عرفتِ الأرض الطيِّبة ***(3)

 قلتُ: نعم، لولاه ماعشتُ بين القصرين، ولا رأيت قصرَ الشوق، ولا السكَّريّة ***(4)....

 ومن الأرض الطيِّبة تعلمتُ أوَّلَ مبدأ من مبادئَ إنسانيَّتي، وفيها خرجتُ من عالمي الصغير إلى عالمٍ فيه أكثرُ من ثلاثةِ أبعادٍ، وفيها اكتشفتُ أن هناك في العالم الكبير ماهو أهمُّ من ضفائري ولون شرائطي ...لا أدري إن كنتُ أعي حينذاك كلَّ ماجاءَ فيها، ولكني أعلم أنَّ شيئاً منها قد تأصَّلَ في الأعماق ..

قالت: من علَّمك الإنسانيةَ هو من وضعَ الكتابَ بين يديكِ، وليس الكتابُ ذاته...

قلتُ: وماذا بعدُ إذن؟ الى أين قادتني د ــ اــ ر والى أين ستقودني

قالت: الى الأرض الطيّبة التي ما أنبتَت طِيباً إلا بفضلِ تلك الأيادي التى رَعَتها ..

قلتُ: أهمُ من وضعوا الكتابَ بين يديَّ؟

قالت: هُم بذروا البذرة الأولى ...

قلتُ: وأنتِ، الى أين تقودينني؟

قالت: لن أقودكِ، بل سأسيرُ معكِ ..

سألتها: الى أين؟

قالت: على دَرَجات السُلّم ...)

 

** انتهى المقتطف**

 

ومحفوظ هنا يشير الى آخر كلمة في القراءة الخلدونية ومحفوظ الثانية تشير الى نجيب محفوظ، الوصول الى آخر كلمة في الكتاب أدت الى قراءة كتب نجيب محفوظ لأنها كانت متوفرة في البيت، و"الأرض الطيبة" هي رواية الكاتبة الأمريكية بيرل باك، وقد قرأتها وأنا في الصف الثاث الابتدائي، لأنها كانت موجودة أمامي ولأن أحداً لم يمنعني من قراءتها ولم يخشوا عليها من التمزيق. لم يجبرني أحد على القراءة ولم يمنعني، كان إخوتي الكبار ما يلبثوا أن يضعوا الكتاب لحظة إلا واختطفته وانزويت لقراءته. فترة الظهيرة والقيلولة كانت فرصتي،. مجلة الأداب البيروتية كانت من ضمن ما أجده من المطبوعات في البيت، إضافة الى كتابات شعراء المهجر، جبران خليل جبران وايليا ابو ماضي وميخائيل نعيمة، والأدب المترجم لشتاينبك وديكنز وهمنغواي وغيرهم والكثيرمن الممنوعات، وكتب طه حسين وشوقي والمنفلوطي وحتى تفسير القرآن لولا كبر حجم المجلدات وثقلها لأصبحت فقيهة! ولا أنسى نهرو وغاندي. أفضل هدية تقدمها لطفلك هي أن تفتح له مكتبتك قبل أن يتعلم القراءة. وبعد أن يتعلم القراءة أعطه كتاباً بدلاً من شراء الحلويات له أو مع القليل منها، دعه يمزق كتاباً أو اثنين فثمن الكتاب لا يعادل ذرة من قيمة ما يكسبه هذا الطفل نتيجة تعويده على القراءة. نسيت أن أقول ماذا كان قبل الأرض الطيبة.. كانت مجلة السندباد الصغير المصرية للأطفال، ومسكين السندباد الذي كان يبحت عن أبيه ومعه كلبه نمرود وبعد سنتين من متابعة رحلته ومعاناتي معه، ترفعت الى مرتبة الأرض الطيبة.

بعد ذلك جاء دور المدرسة صادف أن مدرّسات اللغة العربية كن مؤهلات ولكن حين لمسن قدرتي على الكتابة جاء التشجيع لقراءة ما كتبت في درس الإنشاء ... وسارت العربة وها أنت تصل نهاية القصة. ولكن قبل الوصول للنهاية، أتيحت لي الفرصة للكتابة في الصحافة ودخول المسابقات الأدبية والخطابية في سنوات الدراسة الثانوية، وعند التحاقي بكلية الطب كانت لي صفحة اسبوعية في صحيفة البلاد البغدادية وكذلك عمود خواطر كتبت فيه باسماء مستعارة احيانا وبإسمي وكذلك في صحيفة الطلبة.. وكنت أحضر نشاطات اتحاد الأدباء في أوج عزه حين كان يؤمه كبار أدباؤنا منهم الجواهري ومظفر النواب ومحمود عبد الوهاب وكاظم السماوي وعدنان البراك، ونصير النهر وبقية ابناء النهر، وسعود الناصري ووائل العاني، وحسين مردان وغيرهم.. وبعدها صار اللي صار كما يقال في العراق وتفرق الركب وتركت الطب والصحافة معا.. وكثرت التطورات، ثم كانت الهجرة بعد ذلك وانقطعت علاقتي باللغة والأدب والقراءات العربية وانتقلت الى الإنجليزية كلياً.

هل اعطيتك فكرة؟ أو ومضة؟... ضع الكتاب مع رغيف الخبز في صحن ابنك وابنتك ودع الباقي لهم.

 

س40: سعد الحجي: لعل من أبرز ما يميز نتاجات الأديبة إنعام الهاشمي هو ترجماتها للنصوص الأدبية من العربية إلى الانجليزية وبالعكس..لكني فوجئت بترجمتها بعض النصوص الفقيرة فنياً -وفق ذائقتي المتواضعة- لكني فوجئت أكثر حين رأيت أنها قد خرجت بنصٍ مترجمٍ راقٍ.. فهل تتعمد إنعام الهاشمي هذا الاختيار إمعاناً في تشخيص موهبتها اللامعة في اخراج نصوص مترجمة على حساب تدني النصوص المناظرة في اللغة الأصل!؟

ج 40: يسعدني أنك ترى أن ترجمتي تخرج بصورة جميله أو أجمل من الأصل، وهذا من حسن حظي أن تراها هكذا، ولكني لا أتفق معك أنني ترجمت نصوصاً فقيرة والبستها حلة ليست لها، فاختياراتي هي سر نجاح ترجماتي. ولكن الزاوية التي أنظر منها للنص قد تكون غير الزاوية التي تنظر له منها. أجمل حجر هو الماس ولو اخذت ماسة جميلة ووضعتها على مائدة مستديرة وأجلست عشرة أشخاص حول هذه المائدة وطلبت منهم أن يصفوا الوانها لك لحصلت على عشرة أوصاف مختلفة وكل وصف يعتمد على درجة الضوء والزاوية التي ينعكس منها الضوء ولكن الماسة هي ذات الحجر النفيس. أنت تنظر للنص بالمقاييس العربية من وجهة نظر القارئ للنص العربي وأنا أنظر له من وجهة نظر القارئ للنص المترجم . النصوص الشعرية فيها صور وفيها كلمات وفيها ترابط الصور والثيمة وتسلسها وانسيابيتها، القصيدة. العربية التي تعتمذ اللغة حيث التركيز على المهارة اللغوية بدلاً من التصويرية لا يترك الكثير من المساحة للمترجم لكي يبدع . ما أسميه أنا هذيانات مما يثني عليه بعض الشعراء والنقاد لا يصلح للترجمة لأن الصور التي فيه ليس لها شكل محدد أو معنى ليترجم .. النقاد انفسهم حين يقدمون قراءاتهم لمثل هذه النصوص يترجمونها لنا من العربي للعربي.. وفي معظم الأحيان يفسرون الماء بعد الجهد بالماء. والعكس صحيح، إن كان التصوير هو المهيمن والمعاني واضحة مع بعض الغموض والتوريات المحببة مما يتوفر فيها المنطق، وكانت اللغة هي الواسطة التي توصل الصورة للمتلقي بدلاً من أن تكون الهدف، يكون النص صالحاً للترجمة. واختيار النص هو أهم خطوة في الترجمة . وبما أن التركيز هو على القارئ باللغة المترجم لها لا الأصلية فالناتج هو محور الأهتمام أي مظهره الجديد لا مظهره القديم،،، النص الصالح للترجمة في نظري هو سندريللا،،، الجمال موجود في الجوهر وانا فقط أغير مظهره وأقدمه في احتفال الأمير... المادة الداخلة في الإنتاج إن كانت رديئة لا يمكن أن تنتج إلا ناتجاً رديئاً مهما حاول المنتج تحسينها. هو تعاون بين المادة الداخلة في الإنتاج مع عملية التحويل فأن كانت الجودة متوفرة في كلا العاملين كان الناتج مرضياً . لهذا أقول أن اختيار النض هو أهم خطوة في الترجمة.

وكلمة أخيرة في موضوع الترجمة، هناك الكثير من النصوص الجميلة التي لم تسنح لي الفرصة لترجمتها ذلك لأن طاقتي محدودة ووقتي محدود.

وأكرر أن كل نصٍّ ترجمته سواء نشر أم لا، أو سواء سيظهر في الكتاب أم لا، قد استحق كل دقيقة صرفتها وأنا أقلب احتمالاته وأرتب حروفه ليظهر بأحلى حلة.. وأهل مكة أدرى بشٍعابها!

 

س41: سعد الحجي: أعتذر سلفاً عن اجتياز الحواجز والخوض في بعض الجوانب الشخصية.. فالسؤال والحالة هذه سيكون اختيارياً!..

 السؤال هو:

نحن نعلم إن قيمة الأشياء هي في حاجة الآخرين اليها.. وأغلى ما في الحياة الماء، ولكنه في حارة السّقاة يعدّ رخيصاً.. فهل كان لحياتك لعقود أربعة في الولايات المتحدة، حيث النظرة للنساء مختلفة عن الشرق، دور في اختيارك لقب (حرير وذهب)..؟

ج 41: لا أرى العلاقة بين وجودي في الغرب واختياري للإسم. سوى أنه اختير باللغة الإنجليزية ثم عُرِّب.. ومن الناحية الأخرى الذهب والحرير له نفس القيمة في أي مكان خاصة بالنسبة للمرأة فأميركا ليست حارة السقايين ولا ينقصها الحرير والذهب ليمكننا أن نقول ان وجودي هنا كان عاملاً في اختيار الإسم. لا أسمّي نفسي حرير وذهب لأني أتميز بوجودي في أميركا عن العرب الأخرين. أينما كنا ومهما كانت تجربتنا الخاصة، لا فضل لنا فيها على من لم تكن لهم تجاربنا، لا فضل لنا على من نحن بينهم، قد أكون أفضل منهم بجوانب وقد يكونوا أفضل مني بجوانب، كل منا،في أي مكان كان، ماحققه هو لنفسه ولا فضل له إلا على نفسه. فلست أضع نفسي في موضع الحرير والذهب لإني عشت في الغرب وغيري لم يغادر العراق، وإنما إن شعرت انني حرير وذهب فذلك لأنني أنا هي أنا، الإنسان الذي يقدّر نفسه، وأنا فخورة بنفسي وما حققته كما أنت فخور بما حققته. ولا يعني ذلك التقليل من شأن أحد إن كان هذا قصدك. فأنا لست الماء في حارة السقايين ولست الماء بين العطاشى. ربما غيري يشعر أنه قد أصبح شيئا ذا قيمة لأنه تهيأ له مالم يتهيأ لغيره ممن بقوا في العراق وأصبح ينظر لهم من طرف أنفه لأنه تكلم بضعة كلمات انجليزية أو فرنسية أو ألمانية، ومن كان له هذا الشعور فهو على خطأ مبين. أنا شخصياً أرى أن العراقي الذي عاش في العراق وعانى الحصار والظلم والحرب والخوف هو أفضل ألف مرة ممن عاش مرتاحا بعيدا عن هذه المعاناة، وهو أحق بخيرات العراق ــ إن بقي شيء منها بعد النهب وملء الجيوب ــ العراقي الذي يحمل قنينة الماء ويذهب باحثأ عن قطرة ماء صالحة للشرب في حر الظهيرة، العراقي الذي يقضي القيلولة بلا كهرباء ولا مروحة ولا مولدة، العراقي الذي يخرج صباحاً باحثاً عن عمل يؤمن قوت يومه ويعود خالي الوفاض، العراقي الذي يقبّل أطفاله ولا يدرى إن كان سيرى شبابهم هو أفضل مني، ومن كل الذين ينظرون له من طرف أنفهم، بإنسانيته ومعاناته .. ولا أظن أن استعمالي إسم حرير وذهب يسيء اليه. إن ما يسئ اليه هو التمزق والطائفية والمصلحية والقتل والتشريد والتناحر على المناصب.

 شرحت في بداية الحوار في الحلقة الأولى موضوع اختيار الإسم .. وسأشرحه هنا بشكل آخر لكي أنهي التساؤلات... حين أسموك سعد، هل لأن العراقيين كانو محرومي السعادة ام كانو ينعمون بالسعادة؟ أم كان اهلك يعتقدون أن قدومك سيجلب السعد للعالم لأنك ابنهم وتحمل اسمهم؟

الإسم هو للتمييز وحين يعطي الأباء أبناءهم أسماء لايعطون الإخوة السبعة نفس الإسم ولا يعطونهم اسم يشبه أسماء أبناء عمومتهم وإلا اختلط الحابل بالنابل. وهم يختارون مايظنونه جميلاً حسب مقاييسهم. وحين يكون لنا الخيار لتسمي أنفسنا، كما هو الحال في الإنترنيت، نختار ما نحبه لأنفسنا أما لأننا نراه في أنفسنا أو نتمنى أن نكونه. وفي الإنترنيت التي سبقناكم إليها بخمسة عشر عاما لا ينصح باستعمال الإسم الحقيقي لما في ذلك من مخاطر. وأنا لم أتعرض للتساؤلات حول إسمي حتى دخلت المواقع العربية ونتيجة الضغوط وضعت إسمي الحقيقي وكذلك لأن العرف هنا النشر بالإسم الحقيقي ... ولكني على أمد طويل عُرفت بهذا الإسم .. ومن الناحية الأخرى باعتقادي أن سلوكنا وأفكارنا وما نقوله هو المهم بغض النظر عن الإسم. ولكن لأن الأسماء المستعارة في المواقع العربية قد أسيء استعمالها وأصبح هدفها الإساءة مع الاحتماءً بلثام الاسم المستعار، أو التحذلق دون ان يتعرضوا هم أنفسهم لنفس الحساب الذي ينصبون أنفسهم قوامون عليه، أو بأن يدخل نفس الشخص بأسماء مختلفة ويكون فريقاً قوامه واحد وقِِناعاته لا حصر لها ليحاصروا شخصاً لم يرق لهم شيء فيه أو ربما يعرفونه في الواقع ولا يمكنهم مجابهته لسبب من الأسباب. ومن هنا أصبحت النظرة للإسم المستعار نظرة شك وريبة لدى من لا يعرف الشخص الدي وراء الإسم المستعار. في الانترنيت الغربي الكل يستعمل الاسماء المستعارة وكل منهم له إسماً مسجلاً بإسمه يعطيه تعريفا خاصاً ولا يهم إن كان والداه قد أعطياه الإسم أم هو الذي اختاره لنفسه وسجله. Gold_N_Silk هو اسمي المسجل في الأنترنيت في عدة مجالات. وقد حل محل اسمي بالولادة إلا في المعاملات الرسمية وعند التعريب أصبح حرير و ذهب فهو كالماركة المسجلة،. وقد اخترت إسماً جميلاً فيه الرقة والجمال والاصالة وغلو الثمن ولم أدفع فيه قرشاً. وفي هذا اليوم لاتحصل على أي شيء مجاناً. استعملت أسماء أخرى ولكن هذا الإسم ثبت. وأنا أعتز به لأنه يجردني من كل الأسماء والألقاب والأنساب ويقف قائماً على قدميه مشيراً الي، والكثيرون يعرفونني بهذا الإسم فقط.

أملي أن نكون قد انتهينا من هذا السؤال.

هل أجبت على السؤال؟ ربما ...

 أعود فأقدم لك الشكر على المشاركة في الحوار،عسى أن أكون قد غطيت أسئلتك بجميع جوانبها واحتمالاتها.

 

س 42: سميرة عباس التميمي: شاعرة عراقية: مَن مِن العرب الأدباء وأقصد هنا النساء والرجال في كافة فروع الأدب يقرأ له المثقف الأميريكي؟ ولماذا؟

ج 42: أرحّب بالشاعرة سميرة عباس التميمي وأشكر لها مشاركتها بالحوار.

جواب سؤالك سهل، فليس هناك الكثير من الأدب المترجم عن الكتاب العرب مما حقق الإنتشار كما حققته مثلاً الإلياذة Iliad والأوديسا Odyssey المترجمة عن اليونانية. أي أدب أجنبي يدخل أميركا فهو يدخلها عن طريق الترجمة. والترجمة تتم عادة من قبل أدباء كبار ضليعين بالترجمة وليس هناك اهتمام كبير بترجمة الادب العربي المعاصر. كما أن دور النشر لكي تتبني أي مشروع لكتاب عليها أن تضمن ربحيته من خلال اتساع انتشاره. ولكي يصل الكتاب هذا للقارئ والحصول على قبوله يحتاج الوسيط ويحتاج من يؤمن بالمشروع ويتبناه. ولنفرض أن الناشر اقتنع ونشر الكتاب هنا يأتي دور القارئ واهتماماته بالشرق، وسأرد على سؤالك باستبدال" من العرب " بـ " من الشرق".. حيث لا يوجد كاتب عربي حديث وصل كتابه الى حد ان يتداول كتابه ويصبح على كل لسان مالم يحدث ضجة عالمية كالضجة التي أثيرت حول كتاب سليمان رشدى "آيات شيطانية" Satanic Verses. أو ما يتحدث عن سحر الشرق وأسراره الخفية كما في قصص ألف ليلة وليلة أو ما يحدث حاليا من محاولات ترجمة روايات الكاتبات السعوديات اللواتي يتحدثن عن اسرار المجتمع السعودي المحافظ وكشف فضائحه. ولكن حتى هذا النوع من الترجمات يلاقي صعوبة في قبول دور النشر له خوفاً من أن يمس الاعتقادات الإسلامية فتثير موجة عنف . من الكتاب الأمريكان من الأصل العربي كتاب المهجر ومنهم جبران خليل جبران (المتوفي سنة 1931) وكتبه واسعة الإنتشار. ويعتبر كتابه "النبي" The Prophet أكثر الكتب قراءة في القرن العشرين، ومازالت طباعته تعاد بدرجات متعددة من الجودة وبأصناف الغلافات المختلفة من الورقية ألى الجلدية الفخمة والمذهبة كنا تباع قراءات صوتية يؤديها أشهر النجوم. أحد زملائي قال لي أن والدته كانت تقرأ له من كتاب جبران عندما كان صغيراً، بمعنى أن الكتاب متداول ويعتبر قراءة راقية. وقد كتب جبران  الكتاب بلغة كلاسيكية مركزة. ما جعله متفرداً من بين ما كتبه جبران هو أنه كتبه أساساً بالإنجليزية ثم ترجمه للعربية، في حين أن كل كتبه الأخرى كتبها بالعربية ثم ترجمها للإنجليزية.

 ومن بين الشرقيين، أصبح جمال الدين الرومي أشهر شاعر مقروء في الولايات المتحدة في السنوات العشر الأخيرة. وسبب شهرة أشعار الرومي ــ المترجمة عن الفارسية ــ صوفيتها وروحانيتها. ومن كثر اهتمام الاميركان بأشعاره وشغفهم بها بدأت الصوفية والطريقة المولوية التي تبناها الرومي بالإنتشار. والشاعر الآخر الذي يقرأ باتساع هو عمر الخيام ورباعياته المترجمة من قبل أدوارد فيتزجيرالد سنة 1858و مازال يعاد طبعها أيضاً بمختلف الطبعات والغلافات. لم يصل كاتب عربي ماوصلته شهرة عمر الخيام والرومي في الولايات المتحدة. واهتمام الجامعات عادة هو المحفز لاتساع الإهتمام بشاعر معين..

أعتقد انني غطيت مضمون سؤالك.. أشكر لك حضورك ومشاركتك الحوار.... دمت بخير.

 

المثقف في حوار مفتوح مع ا. د. انعام الهاشمي (4)

 المثقف في حوار مفتوح مع ا. د. انعام الهاشمي (6)

...............................

ملاحظة: يمكنكم توجيه الاسئلة للمحاور عن طريق اميل المثقف

[email protected]

...............................

حوار مفتوح خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1432 السبت 19/06/2010)

 

في المثقف اليوم

في نصوص اليوم