 حوارات عامة

الشاعرة بيداء حكمت تحاور الشاعرة د. بشرى البستاني: النص السرّاني محرك للنص المعلن

3123 بشرى البستانيفي الطريق إلى بيتها عليك أن تعبر دجلة الذي يُجاورها والذي تحبه بشغف، وأن تجتاز غابات الموصل بجمالها العريق وشجرها وعبيرها الخالد. على بابها نخلة وشجر زيتون، وفي الداخل تستقبلك كتب، أديان، تفاسير قرآنية،تصوف، دواوين قديمة، حديثة، معاجم،موسوعات فنون،رسم، نحت، سمفونيات،، نقد، فلسفة، تاريخ،علوم، ومعارف شتى، ومكتبة خاصة لأطاريح ورسائل طلبة الدراسات العليا،بيت هو في الحقيقة مكتبة شاملة تعيش فيها باحثتان شقيقتان أد.بشرى البستاني في النقد العربي والدكتورة.منال البستاني في النقد الفرنسي هناك كان لنا معها هذا الحوار:

1 – لا يزال الواقع العربي، الثقافي خاصة، يحاصر بقوالبه وقيوده حياة المرأة العربية عامة، عبر تاريخٍ ٍ منح الذكورة سلطة شبه مطلقة على المستويات كافة . والمرأة الشاعرة بوصفها ذاتا واعية ثقافة وحضورا، هل تمكنت برأيك أن تؤسس لنص شعري أُنوثي من شأنه تفكيك هذا الواقع، وتحطيم هذا الإطار، أعني نصا له حضور فاعل وقيمة شعرية انثوية في الخطاب الشعري العربي؟

ج1: د. بشرى البستاني: الواقع العربي الثقافي لا يشكل نفسه من فراغ، فالثقافة ومحمولاتها القيمية ومفاهيمها ببنيتها الفوقية هي الإفراز الحقيقي للبنى التحتية وللحراك المادي الإنتاجي الذي يرتكز عليه المجتمع. وإذا كانت هذه البنية التحتية استهلاكية متخلفة تابعة وغير منتجة فمن غير الطبيعي أن تنتج حراكا ثقافيا تقدميا. فالديمقراطية التي تحتل مركز الصدارة في العالم اليوم ؛ما يزال الوعي بها وبالحرية محاطا في المجتمع العربي بأقسى أنواع القهر على المستويين الذاتي والجمعي وعلى مستوى الهوية الوطنية والقومية والاستقلال وحرية الرأي والفعل، لكن المرأة في هذه المنظومة البالغة التعقيد تتحمل القهر مركبا، مرة من المجتمع وأخرى من الأسرة ومن الرجل الذي يفرغ عليهما ردود فعل استلابه هو الآخر، ولما كان الإبداع ثورة ضد الظلم لأنه وليد الحرية، وثورة ضد التقليد والموروث المتخلف لأنه ابن المستقبل، فإن المرأة المبدعة تحتاج لمقومات عدة وأسلحة وعي ثقافية نشطة من أجل أن تكون قادرة على مواجهة هذا القهر المركب والواقع المعقد، ونحن نظلم الشعر والفنون حين نسند إليهما مهمة تفكيك عُقد هذا الواقع الذي يحتاج تغييره لفعل جهادي اقتصادي وسياسي واجتماعي وتخطيط حضاري ينسف البنى التحتية التي وطدتها القرون وتعهدتها قوى خارجية وداخلية من أجل إدامتها لإدامة منظومات المصلحة وكراسي الذرائع المرتبطة بالقوى الأجنبية. لكن البنى الثقافية وهي تتشكل من إفراز تلك القواعد، ستظل في جدل دائم معها، فالكتابة شيء والواقع شيء آخر،الأدب كلمات على ورق والواقع مجابهات حقيقية بين فكر يحمله أناس على الأرض وفكر آخر مضاد، ولذلك فإن الحراك الثقافي الواعي بمنجزات الحرية وقيم الإبداع وهو يعمل على تفعيل خياراته لابد له من تنشيط أجواء التفكيك بإشاعة روح التذوق الجمالي الحر لدى القارئ والاستجابة للجديد الثائر على الأطر القديمة، وتهيئة الأجواء لتشكيل قيم جديدة تقتلع قيم التخلف لا لتزيحها فحسب، بل لتعمل على إزاحة كل نتائجها وما نجم وينجم عنها من استمرار الركود والسكونية وعلاقات القمع في المجتمع. وإذا علمنا أن هذه المحاولات محاطة أكثر الأحيان بالرفض والتصدي والنكوص والردات المتكررة كما حدث في "الخريف العربي"، فإن المبدعة الحقة تحتاج لشجاعة مبهرة وتضحيات جمة من أجل تحقيق هذه القضية. وهذا الأمر ليس في الوطن العربي حسب، بل في كل أرجاء العالم.

إن الشاعرة العربية وقياسا بالأجواء القسرية التي تعيشها ومجتمعها تمكنت من فتح الأبواب التي كانت موصدة على موضوعاتها الخاصة بها مرة،والتي كان الشاعر يقولها نيابة عنها لصمتها وتغييبها أخرى. كما تمكنت لحد لا بأس به من التعبير عن مشاعرها الخاصة وإطلاق صوتها في الأمور العامة وتدوين رأيها فنيا على كل المستويات الثورية والوطنية والإنسانية، وقول أحاسيسها في الرجل إيجابا وسلبا وفي الوطن وقضايا الإنسان عموما، مجربة في ذلك كل الأشكال الشعرية. لكن لا أخفيك حقيقة أن كل ذلك لا يكفي. فالشعر لم يعد (وما كان الأصيل منه من قبل) ذلك الغناء الذي يُطرب بايقاعاته العالية فحسب. الشعر الحقيقي كان وما يزال فناً ذا حساسية خاصة وروح مرهفة تمتزج فيها المعرفة وجوهر الحضارة بالجمال. وهل بقي من جهد الانسان وحضاراته الماضية غير بهاء الجمال. إنه فن يحتاج لحس نقدي ومعارف متنوعة راقية وعميقة تراثية ومعاصرة معا. وعلوم تغذيه وذوق رفيع يجيد تنسيقه وتجارب حياتية حادة تتطلب خوض غمار الحياة بعنفوان، وبما لا يتاح لمجمل الشاعرات العربيات لأسباب لا مجال لذكرها هنا، لعلَّ في طليعتها عدم توفر الظروف الموضوعية في الأسرة والمجتمع التي تساعدها على تحقيق هذا الهدف. وإذا كانت المبدعة الأوربية النمساوية الفائزة بجائزة نوبل للآداب الفريدة جلينيك تقول: "أما المرأة فهي على الأكثر الهدف الصامت للنظرة الذكورية وليس معادلا أنثويا مكافئا"، فماذا تقول المرأة العربية ..!

إن الشاعرة العربية يعوزها الكثير من الجرأة والعلوم والمعارف والفعل والخبرة المعمقة كي تقول كل ما يجب قوله شعرا. وقصور هذه الجرأة ليست جبنا ولا ضعفا أو انكفاء على الدوام، لكنه في الغالب اشتراط قسري وموقفُ تحسّبٍ واع لما يحيط بها من سلطة ثقافة ذكورية وقيم عشائرية وقبلية ما زالت للأسف تهيمن على المجتمع يؤازرها تطرف المد المتدين المؤدلج الذي حل بنا مع أجندات الواقع العربي الأخير وارهاصاته الممتدة الى قرن مضى او يزيد.

2- المراة كائن يهب الوجود معنى، كونها رحِمٓه ومستقبله، تهبه معنى الحياة نفسها، أو كما يعبر نيتشة : الحياة امرأة. فالشاعرة إذاً وجود لذات تصنع حياتين، حياة تنتج وجودا لا يمكن أن يقوم بدونها، وحياة ثانية ليس أقل أهمية تنتج عالما ثقافيا خاصا من خلال نص ينتج انوثة بتمام القصد والمعنى،نص يعمل على تغيير واقعها ويؤسس لوجودها ..؟

ج2: د. بشرى البستاني: نعم، المرأة كائن يهب الوجود معنى بطريقتين، الأولى تواصل إنساني لا يتم إلا بمعاناتها التي تصل حد التضحية بحياتها، فهي رحم الكون ومستقبله،كونها منتجة الحياة ؛لأنها تضمر الرجل والأجيال القادمة في دمها أولاً،وهي قدوة الطبيعة والكائنات الحية في الخصب والديمومة وإشاعة قيم الايثار والعطاء ثانيا. والمرأة في هذه العملية التواصلية تحتاج لطاقة تعينها على الاحتمال والصبر،وعلى الاستمرار، لذلك كانت الحياة أنثى قوية وبهية لأنها القادرة على الحضور والبذل بما يمنح الوجود قيمته الإنسانية والجمالية الحافزة على تحقيق قيمته الواقعية، كون الأمومة لديها ليست سمة بايولوجية ميكانيكية، بل هي طبيعة فيها تمكنها من القدرة على الاحتواء بشمولية، حتى احتواء مَنْ هم أكبر منها سنا من الرجال والنساء واحتواء محن الحياة وعذاب الفقدان، ولذلك كانت الحياة امرأة ولذلك أكد أراجون "أن المستقبل امرأة"، لكني أصر على أنها امرأة تضمر رجلا كما يضمرها الرجل. فالكون لا يستكمل بهاءه في رؤية المرأة الواعية والمتصالحة مع أنوثتها إلا بوجود الرجل الواعي المؤازر والمشارك،والوجود لا يكون متوازنا الا بوجودهما معا، إنهما منتجا الحياة، بوعيهما الفاعل يشكلان الجمال ويمنحان الطبيعة معناها، والأشياء الجميلة قيمتها. أما الحياة الثانية التي تنتج عالما ثقافيا من خلال نص ينتج أنوثة بتمام القصد والمعنى، نص يعمل على تغيير واقعها ويؤسس لوجودها، فإن السؤال الذي يُثار حول هذا الموضوع سؤال ذو أبعاد شتى وهو: هل يستطيع النص الأدبي أن يغير حياة ذات أبعاد واقعية متشابكة ..؟ لا أعتقد ذلك، لكن لمثل هذا الطرح مقاصد عدة،منها الرجوع لما ذكرنا في الجواب الأول من نسف البنى التحية لتحويلها من استهلاكية إلى منتجة ومنها ما يعود لطروحات النسوية على اختلاف مرجعياتها ولا سيما المتطرفة منها. فالثقافة انتماء للحرية واحتفاء بالطاقات الكامنة التي تستفزها حركية الملامسة، ملامسة الحياة بصفائها وهوائها النقي وبكل نتائج معتركاتها الايجابية والسلبية، والكتابة حضور وهوية وانتماء، حضور في قلب الحياة وتفجير للمقموع والمسكوت عنه وكشف عن الإشارات الذاهبة إلى الداخل والمتمركزة في الخفايا،وغرفٌ من مرجعيات لم تستطع المختبرات بأنواعها: التشريحي والنفسي والنقدي والابداعي الكشف عن كيفية تفاعلها واشتغالها لتظهر فيما بعد بأشكال لغوية ترميزية منزاحة هي الشعر والفنون اللغوية الأخرى. وإذا كان الإبداع لا يتشكل الا في جو من الحرية، وكانت الحرية ما تزال مفقودة ومحاصرة في الوطن العربي ليس على النساء حسب، بل وحتى على المبدعين والمفكرين والعلماء عموما، فكيف ستكون المرأة حرة في التعبير وفي إنتاج عالم ثقافي خاص يغير ويؤسس لوجود. إن نظرة متأنية لحجم المبدعين والعلماء العراقيين والعرب وشتاتهم في المنافي تجعلنا ندرك حجم القهر الذي يعيشه الإبداع والمبدعون، وحجم القيد الذي يجثم على الفضاء الإبداعي الذي لا يمكن ان يعيش إلا في صميم الانفتاح والحرية . ألا يوحي إنتاج نص أنثوي خالص بعزل وفصل ..؟ وأنا لا أومن بفصل الأنثى عن رفيق عمرها وصديق مكابدتها حتى لو كان منه ما كان عليها من قسوة وما يزال،وهذا الغفران يجعلني مؤمنة بلغة إبداعية تنتج نصا يسمو ويتعالى على التمييز الجنسي القسري للطرفين رجالا ونساء. نص كلما فارق النوع المحدد انتمى لكينونة الإنسان بشموليتها وهذا منتهى الرقي الإبداعي،كون المرأة بانتمائهاالإنساني هذا تثبت وجودها الأنثوي المتسامي ولا تلغيه،لأن إلغاء وجود الرجل يعني إلغاء وجودها وإلغاء سيرورة الحياة وتغييب تواصل الإنسانية مع المستقبل. إن محاولة عزل قضية المرأة عن قضية المجتمع باعتقادي من أخطر القضايا التي يمكن أن تواجهها الإنسانية في الوقت الحاضر، لأن المجتمع الإنساني اليوم يواجه أخطار إبادة حضارية من قبل حضارة استعلائية متغطرسة مادية وعدوانية لا بد من التكاتف رجالا ونساء ومجتمعات من اجل التصدي لها وإحلال مبادئ التوازن والانسجام محلها. إن وجود أدب انوثي خالص بالرغم من حضور المصطلح تداوليا يقتضي افتراض وجود أدب ذكوري خالص، وهذا لا يمكن أن يتحقق ضمن حياة مشتركة وعلاقات مشتبكة من غير الممكن فصلها على الاطلاق. لان هيمنة النص الانثوي يعني خلق تمركز جديد ليس هو المطلوب في المجتمع الانساني الذي نبغيه.3124 بشرى البستاني

3 – يقع النص الأنوثي تحت طائلة مظلة من الألم والقنوط والانا المقهورة والحس المفرط بالانجراح، بمعنى أن نصها كثيرا ما يكون تهريبا للذات إلى النص،وممرا لأناها وذاتها القلقة المستلبة بتجل جمالي من ناحية أن " الشعر هو الشكل الجمالي للأسئلة القلقة كما يرى الناقد محمد العباس .."

ج3: د. بشرى البستاني: نعم، يقع النص الانوثي تحت طائلة كل ما طرحه السؤال صحيح، لكنه ليس حكما خاصا بالمرأة الشاعرة حسب، بل هو الحكم العام الذي ينطبق على الشاعرات والشعراء في مجتمع يفتقد التوازن عموما ولا يختلف إلا بحجم المكابدة، كون معاناة المرأة فيه أشمل وأكبر من معاناة الرجل نتيجة الشروط القهرية التي عاشتها وتعيشها فنصها فسائل لتجذر تاريخي يعيش داخلها بوعي شديد الشقاء، ولأن الجروح كثيرة وقد مرت عليها دهور طويلة ولما يزل كثير منها للأسف ماثلا في الواقع حتى اليوم، فإنها تحتاج زمنا طويلا كي تشفى، يُضاف لذلك أسباب مهمة يمكن تلخيصها بأن مشكلة المرأة الحقيقية في الأمس واليوم هي أن الحب والاهتمام المتاحين لها من الرجل ومعه الأسرة لا يكفيان حاجتها، نعم، الحب الممنوح لها لا يكفيها، سواء كان هذا الرجل أبا أو أخا أو حبيبا أو زوجا وإبنا، وأنها تحتاج لقدر أكبر من الحب يوازي ما أعطت وتعطي لتتمكن من إحداث توازنها النفسي المطلوب وانسجامها مع ذاتها ومع الآخر، وهذه الحاجة شكلتها عوامل وأسباب عدة ليس لأن الرجل مهموم بذاته ومصالحه حسب، بل لأن أسبابا أخرى نفسية واقتصادية واجتماعية وتربوية تتواشج لتبعد الرجل عن الاهتمام بتخصيص زمن حميم تستحقه المرأة . فضلا عن كون نشأتها الاجتماعية تحتم عليها أن تكون مرغوبةعلى الدوام مما يلغي حاجتها وحقوقها الإنسانية الفاعلة في أن تكون راغبة وأن تكون رغبتها موضع تقبل واحترام واهتمام، فعلى المرأة في العرف الجمعي ألا تُقبِلَ ولا تختار، ليس لها أن تكون فاعلة ولا مبادرة،وهناك فرق شاسع بين الفاعل والمفعول، الفاعل منتج والمفعول مستهلك، الفاعل مثابر والمفعول به ساكن متلقٍ، ينجم عن ذلك قضية مهمة هي شعورها بأن جسدها هو المطلوب وليس فكرها ومشاعرها ومعارفها وروحها النبيلة، بل على العكس قد تكون مواهبها ومعارفها وإقبالها على تطوير ذاتها عقبة في طريق تحقيق حياتها الشخصية، فبينما تفخر المرأة بالرجل الموهوب وتؤازره نجد الكثير من الرجال يبتعدون عن المرأة الموهوبة، فهي للحوار والزينة والزمالة فقط ؛ كونها غير قادرة على التفرغ كليا للخدمة ومتطلبات البيت والأطفال في مجتمع لم يُدرج في إعتباره أصلا أن هناك بيتا وأسرة وطفولة تحتاج لخدمات توكل للدولة ولمؤسساتها . فضلا عن أن المرأة وأخص الشاعرة هنا بما لها من حس مرهف تدرك بعذاب هذا الاضطراب وانعدام التناسق والجروح التي تنزف من حولها بشدة في مجتمع انعدام العدالة على كل المستويات، مما يجعل البحث عن الحلول يثقل كاهلها في ضرورة الاعتماد على الذات ؛ وذلك بأن تعمل بكل مثابرة على تفعيل طاقاتها الكامنة من أجل تشكيل قوة حصينة في داخلها تستمدها معينا وقت الحاجة . كل ذلك جعل المدى بين واقع المرأة الشاعرة وحلمها شاسعا، وربما مستحيلا مما جعل الحاجات الروحية التي تعاني من فقدانها ما تزال تحفر في روحها خنادق للألم والقنوط لتكبر الأنا المقهورة ويتسع الجرح .

نعم، الشعر هو الشكل الجمالي للأسئلة القلقة منذ أول قصيدة كتبها الإنسان وحتى اليوم، ومنذ أن وقف الإنسانُ مرتلا خوفه أمام قسوة الطبيعة، ومذ وقف الشاعر العربي القديم على الأطلال وحتى آخر طلل إنساني، إنه جواب امرئ القيس وطرفة وعروة بن الورد والمتنبي وابي العلاء وسواهم على الجراحات الداخلية التي كرسها ويكرسها الاغتراب والفقدان وألم المصير، فما الشعر في صيرورته إلا السؤال الوجودي الآخر الذي يتشكل لغةً جماليةً داخل تلك الأسئلة الوجودية الجارحة ليمرَّ عبرها في رحلة انعتاق نحو الخارج. إنه محاولة للتخفيف من عذاب المسكوت عنه وترويض تناقضاته. وإذا كان الرجل الشاعر قد عانى ويعاني من هذه المكابدة المُرة فكيف للمرأة المرهفة بكل استلابها وما ورثته من رواسب العلاقات التراثية القامعة أن تواصل الحياة دون عملية تسريب لاشتباكات الحزن والحرمان وضيق الفضاء المفروض عليها والشعور العميق بالغبن الذي يلازمها. إن الشعر وبقية الفنون التي صنعها الرجال والنساء معا ما هي إلا وسائل تسريب ومقاومة ثقافية وجمالية ليس لمكبوتات الداخل حسب، بل لمشاكل الرصد التي تقف أمامهما متمثلة بالرقيب النفسي والثقافي والمجتمعي والسلطوي، مما يجعلها تعيش معاناة أخرى هي كيفية إلباس نصوصها طاقية الإخفاء والتقنع بأقنعة لانجاز أدب يجيد الترميز بحيث يعبِّر عن معاناتها ويخفي، ويقول ولا يصرح معا. إن اندماج الأنثوي بالشعري أمر بغاية الأهمية في شعر المرأة، إنه أبلغ خطورة من نصوصها الأخرى سواء الروائية أو القصصية، ذلك لعمودية الفن الشعري واشتغاله السري وسطوته على المكبوت وما خفي في الضمير أكثر من الأنواع الأدبية الأخرى .

 4 –حسب مقولة مدام دي ستال " الحب هو كل حياة المرأة " بمعنى أن المرأة لا تبلغ كمالها الأنثوي إلا عندما تحب، فكيف برأيك تتحرك نصوص المرأة – الشاعرة وفقا لهذا المفهوم .؟ وهل الحب لديها مجرد فكرة افتراضية؟. أو هو المعنى المثالي الخيالي في واقعية حياتها ..؟ من يقرأ نصوص بشرى البستاني يجد وثيقة حضورها في مفردات الحب (للوطن، للحبيب، للمكان، للطبيعة، للجمال ..) .

3129 بشرى البستانيج4: د. بشرى البستاني: الذين اتخذوا من مقولة مدام دي ستال هذه منطلقا لتجريح المرأة لم يفهموا للأسف مرامي المقولة الشاملة والعميقة التي أوجزت فلسفة المرأة كأنثى في الحياة، لأنهم ما كانوا يؤمنون بان الحياة بشموليتها – اقتصادا واجتماعا وسياسة وثقافة ومحمولات متنوعة - هي الحب لو كانت منطلقات الحياة إنسانية، جمالية حقا، وذات رؤىً إيجابية فعلا، وأن الحب برحابته هو الحياة كلها. إنهم فسروا المقولة على أنها شهادة امرأة بأن المرأة لا تصلح إلا للمنح العاطفي وعطاء المشاعر والجسد كونها قاصرة عقل وما ينتج عن العقل من فعل وقرارات. ولما كانت القرارات تحتاج لعقل متأنٍ بعيدا عن الانفعالات، فما على المرأة إلا أن تترك الحياة العامة وتتفرغ في البيت لتمنح العاطفة للرجل وأولاده. من الطبيعي أننا لن نحاور مثل هذه الآراء التي دحضتها الحقائق العلمية والعملية معا، إذ لا توجد مشاعر مجردة ولا انفعالات خالصة ومنفصلة كليا عن العقل كما لا يوجد عقل خالص لا تلامسه الانفعالات والمشاعر ولو بنسب متفاوتة. تلك الأقاويل التي كرستها أساليب التنشئة الاجتماعية التي ربت أجيالا من النساء في ظل الرعب والخوف وتكريس الشعور بالضعف والتبعية للرجل القوي عضليا. لكن بالرغم من كل ذلك يمكن القول إن من الفخر الشديد للمرأة أن يكون الحب كل حياتها، ولو تسنى لها بهذا الحب النبيل أن تحكم العالم لما تعرض لهذا الدمار الفادح والحروب الإجرامية على يد الطغاة من الرجال. وهنا بودي أن أصلح المقولة التي وردت في السؤال لأقول : المرأة لا تبلغ كمالها – الإنساني - الخلاق وليس الأنثوي حسب، ولا تتجلى إبداعيا إلا عندما تحب.أليس الرجلُ كذلك.؟ لكن كلام الناقد محمد عباس لا ينطبق بالضرورة على كل الشاعرات، بل هو حكم قد نجده موقفا لدى بعضهن،ويكمل العباس معقبا على هذا الحكم " وهنا سرُّ الوله المؤدي بها إلى الرهبنة، أو منع ذاتها من التداول، فهي كذات عشقية مغالية في النرجسية لا تهب نفسها إلا لذات تشبهها وتستحقها، أو تموت دون ذلك " نعم، الحب لدى الشاعرة البالغة الرهافة ليس فكرة افتراضية،بل هو فعل إبداعي يسمو بها نحو الإيثار والإبداع والسمو والتعالي على مجرد الرغبة. إنه دافع لها نحو التقدم وتطوير الذات والعمل على تطوير الآخرين من حولها والارتقاء بمنجزهم والحرص على تنمية فعل القيمة لديهم من أجل تطوير الحياة وتعزيز بنائها. كما تعمد الشاعرة وهي في حالة الحب إلى توظيف أسمى قيم الجمال في الحياة لتكون بهيةً بفرح الإنسان وسعادته. وما تعبير " منع ذاتها من التداول " إلا تمجيد لبهاء موقف حميم من الحب واحترام خصوصية الجسد والروح إلا للحبيب. لكن الباحث محمد عباس نسي حقيقة مهمة هي أن الرجل النبيل كذلك لا يبلغ كماله الرجولي والإنساني الخلاق ولا يتجلى إبداعيا وجماليا وعملياً إلا عندما يحب بأصالة وصدق.

نعم، تشخيصك لحركية الحب في شعري تشخيص يقترب من الموضوعية كثيرا، لأن كل منجزي الإبداعي والأكاديمي والثقافي والإنساني لم ينجز منذ طفولتي وحتى اليوم إلا في حالة حب دائم مندمج بوعي كان وما يزال يشتغل اشتغالا مكابدا ومتواصلا لتطوير جوهر أدواته بالعلم والمعرفة والخبرة والوعي بالضعف الإنساني القائم للأسف على العجز والحسد والترصد للتفوق الأصيل. والحب عندي شبكة متألقة من العلاقات لا أستطيع الحياة إلا في فضائها، بدءاً من أفراد أسرتي ومَنْ حولي من طلبة وزملاء وناس وطبيعة ووطن وأمة وأشياء، ثم كبرت موجات الحب واتسعت بتطور المعرفة لتشمل الإنسانية المسالمة في أطراف الكون كله، فالشعر لا يعيش إلا في جدلية حب دائم، وعبر اشتباك هذه الجدلية ينتج نصوصه عارمة بالحياة والجمال ومفعمة بحوارية لا تكف عن التطور والاشتعال .

5– قصيدة النثر العربية منذ أكثر من ستين عاما ويزيد تحولت بقوة الى نوع شعري،وهناك آراء كثيرة تقول بان اصول هذه القصيدة عربية، ويستشهدون بنصوص للنفري والتوحيدي وعدد من شعراء وناثرين متصوفة، لا بل هناك من يذهب أبعد من ذلك ويقول، أصولها عراقية المنشأ، مستندا إلى النصوص البابلية التي كانت تتلى في المعابد القديمة فضلا عن الشعائر الدينية . ماذا تقولين في هذا النوع الشعري؟

ج5: د. بشرى البستاني: من الطبيعي أن تتطور الأنواع الفنية، وأن تولد من خلال عملية التجريب الواعي أنواعٌ جديدة، فتلك طبيعة الحياة الحرة السليمة وطبيعة الثقافة والإبداع غير المقيد بأغلال الموروث، وطبيعة التراكم الفني الذي لا بد أن يؤول للتجاوز. وإذا كانت مرحلة الشعر العمودي قد طال انفرادها في الساحة الشعرية العربية زمنا، فإن هذا شأن الفنون الكلاسيكية التي استغرقت هيمنتها أمدا طويلا، وما ذلك الاستغراق في الحالين الا نتيجة طبيعية لسمات الزمن الذي عايشته وخصائص إيقاعه، والذي يختلف اختلافا جذريا عن زمننا المعاصر الذي انفجرت قواه وصارت المعرفة تتطور فيه تطوراً هائلاً وبتسارع مدهش مما جعل للفنون حوافز متوثبة على مواكبة ذلك التطورالمتصل بمنظومة المعلومات في زمن سريع التقدم، فكان شعر التفعيلة ثم قصيدة النثر الأكثر جرأة على كسر القواعد والأطر. وإن كنا على قرب من بداية هذا الفن عربياً فإن المرجعية الغربية التي نقلت لنا نصوص الشعر الغربي وترجمت لنا كتاب سوزان برنار الذي ظل زمنا مصدر الثقافة العربية في تأصيل وتعريف قصيدة النثر حتى استطاعت طروحاته أن تهيمن على ما كتب عنها في الربع الأخير من القرن العشرين. وكان لتأخرنا في التنظير والتأصيل أثر كبير في سلب حق النثر العربي القديم وجمالياته التي اصابها غبن كبير على مر العصور، تلك العصور التي انهمكت بدراسة الشعر وابراز صوره الجمالية وتحليل رؤاه. بينما كان الاهتمام بذلك النثر الرائع مركونا في الظل،صوفياً وأدبياً وتوقيعاتٍ والتماعاتٍ زاخرةً بالشعرية، وخطباً ووصايا. وحتى هذا اليوم لا أجد الاهتمام بهذا التراث العظيم موازيا لأهميته وروعة مراميه. وهذا القول ينطبق على النصوص العراقية القديمة التي تفوق الكثير مما يكتب تحت عنوانات قصيدة النثر. ولنعد الى ملحمة جلجامش والتراتيل الدينية العراقية ونصوص الرثاء والحب البابلية لنجد أروع البُنى الشعرية في أجمل رؤاها. لكن - وكما أسلفت قبل قليل وفي أجوبتي لكتاب في (الشعر والنقد والسيرة) - تأخر تنظيرنا الموضوعي لقصيدة النثر العربية ؛ فسادت تنظيرات برنار، بينما كانت النماذج الاولى لمحمد الماغوط رائد قصيدة النثر العربية لا علاقة جذرية لها بقصيدة كتاب برنار، بل كانت عربية الروح، عربية الرؤى إنسانية المرامي. ومن يقرأ نصوص ملحمة جلجامش والنصوص البابلية سيجد بُنى شعرية تفوق الكثير الكثير مما يكتب اليوم باسم قصيدة النثر. إن كل نوع أدبي جديد يولد لن تكون ولادته شرعية الا حين تكون طالعة من صميم التغيرات التي اشتبكت وانتجت في مخاضها هذا الوليد الذي حمل تغيرا صميميا في طرائق تشكيل النص وفي جوهر مخاضه. نعم للأثر الخارجي تأثيره حين تفتح الابواب على الثقافات الاخرى، شرط أن يكون الارهاص الاول أو الناتج ناهضا من الداخل. إن مشكلة رفض الجديد بشدة لدينا في واحد من جوانبها هي أن الحداثة الشعرية لم ترتبط بحداثة شمولية ثقافية وسياسية واجتماعية حقيقية، حداثة تعمل بجد على تغيير الحساسية ورفع مستوى الذوق وتغيير وجهة التقبل من الصوت العالي والإيقاعات المتدفقة إلى الخافت والهادئ الذي يحتاج التأمل الصامت أكثر مما يحتاج الضوضاءَ والتصفيق. علما أن النص الجديد الأصيل لا يدير ظهره للتراث بل يتعامل معه باحترام رصين حين يستوعبه ويعبر عن ذات الأهداف الجمالية والإنسانية بمهارة..

6 –وهل يمكن في المسار المزدوج لقصيدة النثر في شكلها وتناقضاتها الخطيرة والعميقة من نثر وشعر،حرية وصرامة، فوضى وتنظيم .... سر تألقها وخطورتها ومستقبلها معاً ..؟ هل تعتقدين أن العقلية الثقافية العربية ستنصرف بقوة الى قصيدة النثر مستقبلا ..؟

3125 بشرى البستانيج6: د. بشرى البستاني: قلتُ في مدخل كتابي " الحب واشكالية الغياب " الذي صدر عن دار "التنوير" في الجزائر ما معناه أن الحرية المتاحة لقصيدة النثر وغياب المعايير التي تشكل لها منظومة نقدية قضية ذات حدين، الأول سلبي، جعل الباب مفتوحا لكل من أعجبه دخول عالم الأدب بلا مواهب ولا مؤهلات ولا معارف ولا أدوات، ساعده على ذلك إتاحة النشر ورقيا وألكترونيا وغياب الخبير الأدبي المسؤول فامتلأت الصحف والمجلات والمواقع الألكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، الفيس بوك والتويتر وغيرهما من وسائل الإعلام بجمل مفككة وعبارات سائبة ونصوص لا تنتمي إلى أي معيار لأي نص أدبي بصلة مما أساء كثيرا لقصيدة النثر وجعل مهاجمتها أمرا مبررا من قبل الحريصين على علوم العربية أولاً، والمصرّين على المعايير الشعرية المتعارف عليها وزناً وقافية، أو تشكيلا ورؤى.أما الحد الايجابي فذلك الذي هيأ للموهوبين الواعين باشتراطات الشعرية الحقة المؤمنين بأن الحرية الأدبية مسؤولية كبيرة تُلزم الأديب باحترام اللغة وعلومها، والفنون واشتراطاتها، أقول، تلك الحرية هيأت لهم فضاء مفتوحا للتجريب الواعي والتعبير الرؤيوي والالتزام بضرورة تحويل الحرية لمنجز فني فيه من الجدة والابتكار ما يعمل على اكتشاف مديات جمال أبعد وبهاء أوفى وعلاقة جديدة وجديرة بتراثنا الابداعي، بحيث نجد لكل قصيدة نثر يكتبونها معاييرها الشعرية الخاصة بها فهي تخلق ايقاعها الجديد بذاتها، وتشكل تحولاتها الترميزية برؤاها، وتفعّل تناقضاتها المزدوجة في الشعرية والنثرية والحرية والالتزام والتنظيم والفوضى لصالح جوهر الشعر تشكيلا،وليس لصالح انفراد مفهومها وعزلتها وانفصامها وانغلاق إبهامها داخل النص، لأن في تلك العزلة وذلك الانفصام يكمن مقتل هذا الفن حقا. أماعن الشطر الأخير من السؤال، فإن الحاضر المعاصر بما يكتنفه من تطور معرفي وإشكالي معا يجعلنا غير قادرين على الاستشراف ولا التكهن بما سيكون، لأن التحولات أسرع من تأملاتنا والمفاجئات خطيرة تبزغ دون توقع. ولا بد من الإشارة إلى أن قصيدة النثر الجيدة هي فن النخب الثقافية، فأين سيكون مصير هذه النخب غدا،وما المانع من بزوغ نوع فني لغوي جديد الى جانب قصيدة النثر ما دامت مصطلحات النصوصية والكتابة وانهيار الحدود بين الأجناس تشتغل باطراد، وما دام الحوار سيبقى قائما بين الفنون فإن التعايش بين الاجناس صار أمرا واقعا. المهم أن على قصيدة النثر ومبدعيها وعلى كتاب كل الأشكال الأخرى أن يقبلوا الحوارية مع الفنون التي تلتزم بالقيمة الفنية هدفا. على أنها اليوم وإن استطاعت أن تحضر وتتواصل وتهيمن على جوانب من الساحة الثقافية في الوطن العربي إلا أنها مع تطور الحياة والثقافة والإبداع لابد من تطور الأنواع الأدبية والفنية،و تطور الاساليب التي تشتغل داخل مصطلحي النص والكتابة، والانفتاح على فنون وتسميات جديدة. المهم في الأمر كما أسلفتُ هو القيمة الأدبية لكل نص جديد. ذلك هو ما سيبقى للمستقبل، القيمة المستندة على مواهب وأسس معرفية وعلمية وانسانية جمالية خالدة .

 

7- هل تؤمن بشرى البستاني بابتكار ما يسمى بـ "المخيلة الانثوية" المستقلة القادرة على الفكاك من سطوة التصور الذكوري ..؟

ج7: د. بشرى البستاني: لا شك أن المصطلحات الخاصة بما تكتبه المرأة من أدب ونقد تعددت وتنوعت حتى أصابها الكثير من التشتت؛ كونها لم تصدر عن مرجعية بينة ووعي محدد وواضح الهدف. وفيما يخص قضية أي مصطلح، أجدني مؤمنة بكل مصطلح يولد من صلب الحاجة اليه وفي صميم ما يبرره، لأن المفاهيم واسعة وحالما تنضج وتقرّها الأعراف الثقافية وتتمتع بما يقرب من إجماع الجو المعرفي المختص، في ذلك الحين تنتج رمزا يعبر عنها. هذا الرمز المعبر عن المفهوم والمبلورله والمُقرّعلمياً من قبل المختصين هوالمسمى بـــ"المصطلح". وحين يكون للنص خصوصية أنثوية تتعلق في شأن من شؤون الأنثى الخاصة بأنوثتها وبجسدها وتحولاته ومشاعرها وهواجسها ومعاناتها فإن مخيلتها حتما ستشتغل اشتغالا خاصا يختلف عن اشتغال مخيلة الرجل لو عبر عن ذلك الموضوع ذاته؛ لأنه اشتغال يتصل بالإحساس المباشر.هنا لا بد من الحاجة إلى مصطلح المخيلة الأنثوية، أما في الموضوعات العامة أو المشتركة وطنية وانسانية واجتماعية، فإن الاختلاف قائم حتى لدى الجنس الواحد بما يسمى الأسلوب، ولكل أديب أو شاعر أسلوبه، كما أن لكل شاعرة أسلوب صياغتها. إن العزل في مؤسسة يعمل فيها اثنان يحتم وجود أحدهما وجود الآخر أمر لا يمكن أن يكون موضوعيا على أرض الواقع، وإن صح حضوره تداوليا في الأدب والنقد والثقافة. لكن لو حدث وفاجأنا التقدم العلمي بسمات خاصة بالمخيلة الانثوية تباين سمات المخيلة الذكورية لتغيرت موجهات البحث كما حدث في قضية القدرات اللغوية وقدرة الانثى على مزجها بالعاطفة أكثر من الرجل .

8– فيما يخص اللغة نجد اغلب الكاتبات والشواعر واقعات تحت وطأة ضمير المذكر في كتابتهن دون ان يشعرن وهذا على ما يبدو هو الذي دفع غادة السمان الى القول : ما أروع وما أسوأ أن تكون امرأة ..

ج8: د. بشرى البستاني: يهمني التأكيد هنا على أن الرؤى هي التي توجه اللغة وهي التي تشكلها. وامرأة تمتلك رؤية حرة ووعيا فاعلا بقضية الإنسان لابد من امتلاكها اللغة التي تعبر بامتياز عن قضيتها. مرة أخرى أقولُ ليس العزل وفصل قضية المرأة ولغتها عن الرجل هو الهدف، بل الهدف المهم هو بناء مجتمع إنساني حر وخالٍ من العقد والاستلابات التي تهدد سعادة الإنسان رجلا وامرأة وأسرة. تقول جوليا كرستيفا " اللغة مفتاح التغيير " لكن الخلاف ما يزال قائما حول قدرة اللغة على إحداث تغيير حقيقي بدون الموجهات الأخرى. ذلك ان الإمساك بالواقع الاجتماعي من خلال اللغة امر ليس من السهولة بمكان، إذ يؤكد باختين أن أي عضو من الجماعة الناطقة بلغة واحدة لا يجد أبداً كلمات من اللغة تكون محايدة، معفاة من تطلعات وتقويمات الآخرين، وغير مسكونة بصوت جمعي، وهذه الكلمة المحملة بماضيها الدلالي باقية فيه. إنها تتدخل في سياقه الذاتي انطلاقاً من سياق آخر هو سياق الجماعة واهتماماتها، ولذلك قيل إن اللغة متحيزة لأهلها. إن تحويل اللغة إلى أداة جامدة يقيدها ويفقدها الكثير من حيويتها وطاقتها الحركية فضلا عن كون الجمود دليلا على سكونية الفكر. فالعلاقة جدلية بين اللغة والتفكير لأنها لا تتشكل إلا بإشارات من الفكر الناجم عن التفكير الذي يشتغل في فضاء العقل الإنساني. وإذا كان العقل الإنساني عبر التاريخ قد اشتغل في حيز الرجل ومصالحه، فان المرأة في اللغة غالبا ما تظهر في ظلال الرجل وضمن حضوره في ما أشرنا إليه بظاهرة التغليب في اللغة والانضواء في ظلال تراكم تاريخي طويل لا يمكن الإفلات منه بسهولة. تغليب التذكير على التأنيث سمة في لغتنا لكنها ليست سمة بنيوية في طبيعتها،بل سمة متوارثة تداولياً،فقد كان لطبيعة الموطن في تلك البيئة الصحراوية الصعبة التي تحتاج عضلات الرجل وقوته للتنقل وتدبير حمولات الخيام ومستلزمات العيش والرعي والغزو،فضلاً عن حقيقة كون التذكير مصاحبا للأنثى في الإسناد لا أجده يتم إلا بصمت المرأة عن المطالبة باستعادة صيغ التأنيث التي تنسجم وواقع اللغة وطبيعة الحال. فالتطورات التي شهدها القرن العشرون ولاسيما الربع الأخير منه في الميادين كافة ولاسيما العلمية والحقوقية وفي الأنتاج الأدبي حققت قفزة نوعية للمراة العربية في ميداني العلم والاستقلال الاقتصادي معا بالرغم من المجازر وأجندات الردة التي صاحبت نمو الوعي الثقافي والتحرري للمرأة في المنطقة العربية مؤخرا.إن أيديولوجية اللغة القياسية كما أطلقت عليها "لوزيتالبي غرين" تعني الانحياز الى لغة مجردة ومتجانسة، وذلك لا يمكن الركون له كما أرى حتى في المجتمعات النشطة حضاريا. فاللغة هي ابنة الحياة وناتج حضارتها، والعلاقة جدلية بين الأدب والحياة والأدب والسياسة وبين اللغة والحضارة. وما دامت الحياة قائمة على التطور والحركية في كل تلك الجوانب، فان اللغة ستأخذ مداها في التطور هي الأخرى مطردة مع التطور الحضاري لكنها بالنسبة للمرأة تحتاج لمزيد من المثابرة والجرأة كي تبادر بجرأة ومثابرة وتقنع مجتمعها بقضيتها وبالأساليب التي تعبرعنها وعن مشاعرها وحاجاتها.فالأستاذة التي تستلم أمر مناقشتها لأطروحة جامعية ومكتوب أمام اسمها الأستاذ الدكتورفاطمة بالتذكير وتصمت إنما يعني صمتها أنها راضية بهذا التذكير، لكنها لو أصرت على استعادة أنوثتها الكتابية لتمكنت من ذلك، وقد مررنا بهذه التجربة كثيرا ونجحنا، فاللغة عموما إنسانية مشاعة للجميع ووجودها في المعاجم بثراء يتيح لمستعمليها النهل من ثرائها. لكنها تتباين حين تكون كلاما أو كتابة كما أكدت اللسانيات، لان لكل متكلم وكاتب أسلوبه الخاص. والمبدعة الحقة هي التي تتمكن من تطويع اللغة لمقاصدها. وهذا التطويع هو الذي يشخص طريقةً عن طريقة ويميز بين أسلوب وأسلوب. المهم هنا رحابة الرؤيا وكيفية التعبير عنها فضلا عن العلمية وسعة الأفق الذي يجب أن يتوفر للمبدعة لتجيد التعبير عن قضاياها. من هنا ستظل اللغة الأنثوية في علاقة جدلية مع الحياة لا تنفصل عنها والحياة امرأة ورجل. لذلك كان انخراط المرأة في الحياة هو الركيزة الأساسية لإطلاق طاقتهاومواهبها وتفعيل خبرتها ووعيها بالعالم والأشياء من حولها، ومن ثم تطوير وتحقيق تلك المواهب والطاقات . فضلا عن كون الاندماج الأنثوي بالشعري أمر بغاية الأهمية في شعر المرأة كما سبق القول، أكثر من الخطاب السردي مثلا. ولذلك أطلق على الرواية حالما اقتربت من البوح المعمق والغوص داخل الذات واصطناع الترميز مصطلح رواية شعرية. فاللغة إنسانية محايدة لكن طرائق التعامل معها هي التي تميل بها نحو الانحياز أو التوازن. وإذا كانت الثقافة الذكورية قد وظفت قوانينها اللغوية بانحياز للذكورة؛ فعلى المبدعات العربيات وعالمات اللغة - وهن كثر – أن يجتهدن في الإصرارعلى اصطناع صيغ جديدة تعطي المرأة حقها اللغوي في الحضور، وذلك متاح في قوانين التشكيل مرة، وفي استعمال الضمائر المؤنثة وهي موجودة باللغة، وفي قوانين الاشتقاق اللغوي وصياغاته الثرية في اللغة العربية المعروفة بمرونتها وثرائها وقدرتها على التواصل .3128 بشرى البستاني

هنا لا بد من الإشارة إلى كثرة التجارب التشريحية التي توصل اليها أكثر من عالم وأكثر من مختبر – من ذلك ما توصل اليه العالمان "ريتشارد هير وروبين جون" من أن الرجل يستخدم الجانب الأيسر من المخ للتعبير اللغوي فهو مسؤول لديه عن اللغة بينما تستخدم المرأة الجانبين في آن واحد، الأيمن مسؤول اللغة والأيسر المسؤول عن العواطف معا،ولذلك تظل المرأة اقدر من الرجل على مزج اللغة بالمشاعر – حسب العالمين - مما يزيدها قدرة على التعبير، فضلا عن كون الجانب الأيسر المسؤول عن الكلام والقدرات اللغوية لدى المرأة يحتوي على حزم عصبية أكثر مما لدى الرجل مما يساعد المرأة على التعبير أكثر من الرجل. وأثبتت تجربة أخرى أجرتها "العالمة لورا آلان والعالم روجر جورسكي" عزلة الجانب الأيمن في المخ عن الأيسر لدى الرجل فلا يعرف الأيمن ما يدور في الأيسر بينما يدور حوار عصبي دائم بين الجانبين لدى المرأة . وتؤكد هذه التجارب – حسب العالمين - ان مخ المرأة كالغرفة الواحدة يستطيع ان يركز في موضوع واحد بكفاءة عالية تتسم بالشمولية ليحقق انجازا كبيرا، بينما مخ الرجل صندوقي فهو كالبيت ذو غرف عدة. مما يجعل خلايا المرأة المخية تشتغل بتواشج وتركيز على القضية الواحدة بشمولية وبما يجعلها صانعة قرار جيدة،بينما يفصل الرجل بين قضية وأخرى. ويطول البحث وتكثر آراء العلماء في هذا الموضوع،ويرى معظم المفكرين والباحثين في هذا الأمر أن نتائج هذه البحوث تؤكد ألا أفضلية لأحد الجنسين على الآخر، بل هناك تكامل إنساني مبهر بين الطرفين يدعوهما للتعامل بالعدل والإحسان والمحبة من خلال حاجة احدهما للأخر.

 إن الشعر واحد من أبرع وسائل المقاومة الثقافية لأن اللغة هي أداته البنيوية التي تعد من ابلغ أدوات البنى الفنية قدرة على التواصل الإنساني لكونها الأداة الأكثر تداولا من وسائل الفنون الأخرى. لذا فإن نص المرأة ليس محايدا، بل هو نص مقاوم يناضل على أكثر من نسق. يقاتل سلطة الخارج بأزماته المركبة ويقاوم سلطة الداخل المجروح بالأسئلة النفسية والوجودية المحكومة بالتوتر الدائم. لذلك فإن الشعر يعمل على التفريغ والخلاص والاستبدال معا. وهو فضلا عن ذلك يشكل انهماكا في لعبة فنية تشتغل بذروة الدقة والجد لتستنفد مداها بين أمرين بغاية الأهمية هما قمة اللذة مندمجة بجوهر القيم في شبكة من العلاقات المعقدة تشكلها صناعة الشعر المثابرة للكشف والتصدي معا .

9– بوصفك شاعرة وناقدة كيف تنظرين الى رأي جاك دريدا القائل : ان الشاعرة من الذوات الفردية التي تسكن المناطق الأكثر تعذرا على التجاوز، أي هي كائن ذاتي النزعة تريد أن تفصل نفسها عن جسد تعيش فيه، كونها تعدها صيغة من صيغ التحدي،وأن لها أحقية امتلاك القوة والكفاءة إزاء الآخر ..؟

ج9: د. بشرى البستاني: أرى أن مثل هذه الأحكام لا تصح على الشاعرة العربية ولا المرأة العربية لاختلاف ظروفها الحياتية اختلافا جوهريا عن ظروف الشاعرة أو المرأة الغربية. ان ما وقعت به بعض الناشطات العربيات من أخطاء هي محاولة تطبيق التنظيرات الغربية على واقع المرأة العربية المختلف. فبينما تتهيأ ظروف الغربية المجتمعية والعملية والمعاشية والحقوقية والقانونية لصنع قرار حياتها الذاتي بحرية تامة في العيش وحيدة أو مساكنةً مع رجل أو امرأة، نجد ما هو أحقّ من ذلك متعذرا على العربية التي ما يزال قرارها يعاني من ارتباطه المصيري بقرار الرجل (ولي الأمر) والأسرة حتى في أدق أمورها الشخصية المتمثلة بالزواج. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا أرى في حكم دريدا إلا ردا أو تعقيبا شخصيا على تطرف المنظمات النسوية الغربية الراديكالية شاعرات وناقدات. تلك المنظمات التي دعت إلى فصل قضايا المرأة عن الارتباط المصيري بالرجل ومنظومات قيم العائلة فيما يخص الزواج وتشكيل الأسرة وأعباء الأمومة، مما يشكل عوائق كبيرة – برأيها - أمام تحقيق ذاتها وتشكيل مواهبها بحرية كما هو متاح للرجل، وكأن المرأة الغربية حتى هذا اليوم لم تستطع أن تغفر للرجل أزمات اضطهادها وقمع إرادتها وحرمانها حقوقها في كرامة روحها فهي تعمل ساعات أطول من زمن الرجل وتتقاضى أجورا أقل منه وحقها في صنع القرار ضئيل جدا، إذ يبلغ عدد الوزيرات مثلا في أوروبا 57 وزيرة فقط مقابل 515 وزيرا. وأن نسبة 2 في المئة فقط من الإداريين ذوي المستوى العالي هن من النساء فضلا عن كون المرأة الغربية ولاسيما في امريكا تُضرب وتهان حتى يومنا هذا مما يذكرني بقول المؤرخ الكبير توينبي " لم اجد في التاريخ ما يدل على أن الإنسان المتحضر كان يوما ما اقل همجيةً منه في عصر الغاب " ذلك أن كل تلك القوانين الجائرة هي من صنع الرجال الذين شكلتهم قيم الاستهانة بالأنوثة وإنسانيتها وبقدراتها التي ضاعت في خدمة الرجل.تقول المفكرة مارجوري نيكلسون من جامعة كولومبيا : " ان السبب الرئيس لعدم إنتاج النساء إنتاجا يعدل في عظمته إنتاج الرجال هو أن النساء ليس لهن زوجات " مشيرة في ذلك إشارة بليغة لتخصيص الرجل زوجته خادمة لأمجاده متناسيا كونها إنسانة تمتلك طاقات وقدرات تحتاج مثله زمنا ومكانا وتفرغا لتحقيقها.و لذلك كانت الشاعرات والناقدات النسويات مصراتٍ على هجر الرجل وإلغاء قوانين الزواج والأسرة، تخلصا من التحيزات السافرة ضد المرأة لصالح الرجال ولو على المستوى الشخصي لا العام. لكني أخالف دريدا القول في فردية المرأة وكونها الأكثر تعذرا على التجاوز وأنها كائن ذاتي النزعة - وهنا أشير لغياب لا النافية قبل الفعل تريد لكي ينسجم المعنى – فذاتية النزعة هي التي لا تريد أن تفصل نفسها عن جسد تعيش فيه كونها متحدية. وقد راجعت النص ووجدته كما ذكرتُ فعلا، ولها حق امتلاك القوة والكفاءة أمام الآخر. إن معظم الأحكام التي أطلقها دريدا في هذه الفقرات التي راجعتها تعد أحكاما ذاتية لا تندرج في ظل اشتراطات علمية او نفسية أو واقعية حقيقية. إن دريدا يحكم على الشاعرة النسوية الغربية "المتطرفة حصرا"، لأن الحقيقة التاريخية عبر العصور تؤكد عكس هذه الطروحات تماما فيما يخص المرأة عموما. فالمرأة في العالم كله عبر التاريخ كانت مخلوقا كادحا وأُماً مضحية وزوجة صابرة وربة أسرة مسؤولة مما أغرى الرجل بعطائها فأوكل إليها واجب العطاء العاطفي وحرمها معظم ميادين الحياة الأخرى. أسكنها بيته حارسة أمينة وأخذ منها الدنيا وصنعَ القرار وكتابةَ التاريخ وتفسيرَ الأديان والخطابات حقبا طويلة. فلما أفاقت ورفضت الواقع نسي الكثيرون تاريخ عطائها الطويل واتهموا قراراها الذي هو مطلب حقيقي وليس رد فعل على الاستلاب- بالأنانية. أما حق امتلاك القوة والكفاءة أمام الآخر فذلك حق مشروع ظل مضمونا للرجل عموما. لكني أحرص على أن تكون القوة والكفاءة متشكلة مع الآخر وبشراكته وبمؤازرة الطرفين ولا تتم من خلال فصل أو منافسة وتحديات أوصراع يؤذي ثنائية الحياة الأساسية المؤتلفة : المرأة والرجل فهما يشتغلان داخل مشروع واحد هو تمجيد الحياة. وإلا عدنا لخلق تمركز جديد هو تمركز الأنوثة الذي سيؤدي الى خلق هامش آخر هو هامش الذكورة وهذا باعتقادي ليس هو الحل الذي تسعى إليه الإنسانية المتوازنة.3127 بشرى البستاني

 10–في النص الشعري الانوثي تتجلى مهمة الشاعرة لإعادة المرأة الى الكتابة بوصفها حضورا في قلب الحياة فكرا وتجربة وعاطفة وحرية، فهل حققت الشاعرة العربية حضورها بحرية الشعر المعهودة ومثلت الكتابة بوعي وتحرر وقيمة نوعية وهل توافقينني الراي بان للشاعرة نصا سرياً لم يأخذ دوره بعد؟ تقول سيليفيا بلاث : أكتب وحسب، لانه في داخلي ثمة صوت لن يهدأ أبدا.

ج10: د. بشرى البستاني: نعم، الكتابة حضور وتحرر ومسؤولية وانتماء. والمرأة في هذه الكتابة تضيف متعة أخرى لحضورها الأنثوي المرهف والمفعم بالحنو هي متعة العطاء الإبداعي والمعرفي والجمالي، في الكتابة الأنثوية تكشف المرأة عورة التاريخ وموروثاته المتخلفة بشجاعة، وتزيح الغطاء عن ظلمٍ جعل الإنسانية تهدر نصف طاقاتها عبر القرون. وتدحض بقلمها الجهل الذي أدام تلك التشوهات. وهي في مواهبها الحقيقية تضيف لخصوبتها البايولوجية خصوبة أخرى تلقحها بجهدها الذاتي وسهرها المعرفي والثقافي، وهي بذلك تزيد من بهائها وجمال حضورها حين تضاعف أنوثتها بالشعرية وسطوة الكتابة. لان الجسد يحضر عبر كل مفردة وكل تركيب من تراكيب النص المكتوب بأنامل الأنثى. الكتابة عنفوان لأنها وليدة الحرية وخلاص من الوأد وسلطة الحجب ووحشة الجدار. والكتابة الأنثوية ليست تعرية للاستلابات حسب، بل هي تفجير لكل القوى الكامنة في صميم إنسانة عاشت قرونا من الكبت والقهر والحرمان. فالكتابة قوة وثورة وحب وولع وانعتاق وتشكيل للجمال وبداية لعصر جديد يحمل في رياحه بذور أملٍ بغد أفضل. فالمرأة بالكتابة تقاوم عوامل السلب في المجتمع. لأن الكتابة من أهم وسائل المقاومة الابداعية. إنها إصرار على الحضور وتدوين الأثر. هذا الأثر الذي كانت تنجبه للرجال بوجع ومعاناة كي يخلد أسماءهم عبر العصور بينما يختفي اسمها في سجلات ميلاد يعلوها الغبار. لكنَّ هذا المنجز الجديد الذي يتشكل جنينا في دمها وخلايا رأسها وعصبها، ومن ثمَّ بأناملها غدا اليوم أثرا وليدا يُنسب إليها ويحمل اسمها ويحقق ذاتها وسمات هويتها. إن المرأة في الكتابة تنجز أمرين لا أهمَّ منهما، الأول إعلان المساءلة للتاريخ والمجتمع وكشف عن جبن النساء وتبعيتهن لتسلط الثقافة الذكورية الحريصة على إدامة موروث فظ وجامد وقبلي لا علاقة له بالتراث الحي، بل مهمته الوقوف عقبة أمام مستقبل أفضل. والثاني عقد المصالحة والانسجام مع ذاتها التي تحولت من السكون الى الحركة ومن الرضوخ الى الثورة. فالثورة ان لم تكن انوثة مخصبة ستصاب بالعقم والقطيعة والموت حتما. لذلك فالشاعرة الثائرة تشعر بالرضى عن ضراوة فعلها المتحرر وسط ظلام الجهل والقطيعة.

نعم، أوافقك وسيليفيا بلاث على أن للشاعرة نصا سرياً لم يأخذ دوره حتى الآن. وأتساءل دون حذر، كيف تكتب الشاعرة والشاعر كذلك ان لم يكن في داخلهما صوت مقيد ملهوف لا يكف عن طلب الإغاثة بالانعتاق والبوح،فالإبداع صرخة سرية في الظلام يقول الناقد الامريكي أرشيبالد ماكليش، في الداخل صوت يولد عن إشارة سرية او أخرى منظورة ثم ينمو بصمت وغموض كذلك عبر تجربة معاناة داخلية، فإذا اكتمل النمو تشكلت التجربة في بنية فنية هي القصيدة او اللوحة أو أية بنية أخرى. وإن لم تكتمل فإنها لا تموت أبدا بل تذوب لتندرج في غمار تجربة أخرى ستنجح في تشكيل ذاتها. ولذلك فإن هذا النص السري باعتقادي ما هو إلا الرصيد الفاعل والمحرك للنص المعلن. لكن الفرق بين المبدعة والمبدع أن المباح والمتاح للرجل أوسع دوما من المباح للمرأة،ولذا فإن مكبوت المرأة ظل هائلا عبر القرون. وان الثقافات الإنسانية التي دونها التاريخ كلها تعاملت بارتياب مع القضايا التي تخص الأنثى جسدا وحرية وهواجس ونظرت بارتياب الى الأنثى المتحدية التي تعمل بقصدية على كشف المكبوت والتصريح بالمضمر. من هنا نجمت قضية التصادم بين جرأة المرأة المبدعة ومطالبتها بحقوقها الإنسانية وحرص المجتمع على تصميتها،ذلك التصادم التي أنتج نصوصاً مشتبكة بأنواع الرفض كما أنتج منظمات نسوية متطرفة عدة وأطلق أصواتا عالميةعالية مطالبة بإحداث التوازن في الحقوق والواجبات، والمبدعة تدرك بوعي أن اشتغالها أصلا قائم على التصادم بين السكونية والحركة بين التقليد والتحرر، بين الإتباع والإبداع، وبين القدامة والحداثة وهكذا في جدلية دائمة. وقد نتج عن ذلك حضور مفاهيم أخرى لا مجال للحديث عنها الآن.

 

حاورتها الشاعرة: بيداء حكمت

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5584 المصادف: 2021-12-19 00:24:02


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5824 المصادف: الثلاثاء 16 - 08 - 2022م