 أخبار ثقافية

التكرار في الشعر العراقي الحديث، شعراء السبعينيات.. دراسة أسلوبية

محمد الاحبابي(أطروحة دكتوراه)

حاز الأديب العراقي الباحث محمد شكر محمود رحيم الأحبابي شهادة الدكتوراه بتقدير مرتبة الشرف الأولى من جامعة المنصورة في مصر عن أطروحته الموسومة (التكرار في الشعر العراقي الحديث ـ شعراء السبعينيات ـ دراسة أسلوبية) إشراف أ.د. سمير السعيد حسون، أستاذ النقد الأدبي الحديث ورئيس قسم اللغة العربية وآدابها.

تناولت الدراسة المنجز الشعري لستة من الشعراء العراقيين هم حسب الأعمار:

1- يوسف الصائغ.

2- يحيى السماوي .

3 - أديب كمال الدين .

4- معد الجبوري .

5- خزعل الماجدي .

6 - رعد عبد القادر.

مهّد الباحث لدراسته بهذه المقدمة:

يُعدُّ شعراء السبعينيات من أوائل الشعراء الذين رفضوا البنية الشعرية بمكوناتها المعروفة، وذلك من خلال تَبَنِّي رؤيا شعرية جديدة مخالفة للرؤيا الشعرية القديمة، والتماس أدوات تعبيرية وأساليب فنية قائمة على الإبداع والابتكار والتواصل مع التراث الإنساني بتوظيف رموز وأساطير، والتفاعل مع مختلف الثقافات والحضارات المعاصرة والاستفادة من مختلف منابع الفكر الإنساني والتفتح على ما تجده من إمكانيات تثري النص الشعري، (والتكرار يولد من جديد عند شعراء القصائد الحرة لما يحتوي عليه من إمكانيات تعبيرية يستطيع أن يغني المعنى إلى درجة الأصالة)(1)فإذا كان القدماء يميّزون بين الشّعر والنّثر على أساس الخصائص والأساليب التعبيرية، فاليوم لا حاجة لهذا الفصل، حيث (إن مفهوم نظرية الأنواع أصبح في موضع شك، انطلاقًا من كَون الشعر يحمل معنى التعدد وكثرة الأنواع، لأن الشعر ليس نوعًا واحدًا، وإنما هو عدة أنواع.. وهو نمط من أنماط الخطاب الأدبي يضم كل السمات اللغوية الجمالية التي تحققت بوجه أو بآخر فيما يطلق عليه الشعر)(2) فالأمر لا يحتاج إلى حُجّة للتأكيد على أن النوع الأدبي يخضع لمتغيرات تفرضها المرحلة التاريخية والتحولات الاجتماعية والثقافية.

فالإبداع الشعري تجاوز الجانب التجميلي المرتبط بالشكل إلى ما يحقق شعريته، (وإن التكرار أحد التقنيات الإبداعية فهو ظاهرة كونية يقع تحت تأثيرها الإنسان، لأنه جزء لا يتجزأ من مظاهر الكون، فعلى سبيل المثال اختلاف الليل والنهار ودوران القمر حول الأرض ما هي إلّا أحداث مكررة، وبالتالي فإن التكرار جزء من هذا النظام المكرر، وصورة من صوره وهو موجود فني، لأنه أسلوب تعبيري متعلم أو مكتسب، بل لأنه تعبير صادق عن أمر من الأمور التي فطر الإنسان عليها ولا يملك عنها محيدا)(3) أي أن التكرار جزء لا يتجزأ من الحياة الكونية للإنسان.

إن التكرار في هذه المرحلة يؤدي دوراً مهماً، (إذا استطاع الشاعر أن يربطه بالمعنى والرؤية معاً، ربطاً دقيقاً، وهذا يتبع موهبة الشاعر ومدى براعته في الخروج بالتكرارات من دائرتها النمطية، إلى دائرتها الفنية والأسلوبية المبتكرة).(4)، فهو ذو قيمة مهمة ولا سيما إذا حقق للنص الشعري قيمة جمالية، أو دلالة لغوية بليغة، وهذا ما أثبتته النماذج الشعرية المدروسة، وتنعدم هذه القيمة وتتلاشى إن أخفق الشاعر في ربط المكرر بصميم الرؤية النصية، وهذا ما ينعكس سلباً على النص في إيقاعه بصورة عامة. (5) وإذا كان التكرار نمطًا صوتيًا يتصل بالذات المبدعة ويساعد على تلاحم البناء وترابطه، (فهو يُعِينُ على تشكيل عنصر التأثير والتأثر، وهو عنصر مهم في تثبيت الإيقاع الداخلي في فضاء النص الشعري)(6).

إن دراسة الظاهرة لا تتوقف عند حد رصد تواترها الخطابي بل يعنى المحلل بإبراز أدبية الظاهرة في ضوء جدلية الثابت والمتحول ووظيفتها الخطابية من حيث كونها وسيلة الإفهام والإفصاح والكشف والتأكيد والتقرير والإثبات(7)، ويميز علماء اللسانيات النصية بين (التكرار التام والتكرار الجزئي الذي يقوم على الاستعمال المختلف للجذر اللساني للمادة المعجمية نفسها ويعد هذا النوع بالذات من أهم الآليات اللسانية التي تحقق الوظيفة الإقناعية في النصوص التي تتقرر في النفس) (8). فضلاً عن (تكرار الترادف في مستوى اللفظة أو العبارة، كما يكون التكرار في مستوى البنيات الموزونة بعدد معين، وتجانس الصوائت، فإذا كانت هذه التكرارات ملامح دالة على فنية النص فإنها من ناحية أخرى بناء يسهم في تناسق المقاطع المتجاورة)(9)

فالتكرار الإيقاعي المتناسق المميز للقصيدة نجدُ فيه لمسة عاطفية وجدانية تحققها التكرارات المتوالية اللفظية والتركيبية مما يجعل لدى المتلقي قدرة على التأويل والتأمل بشكل فعال، وهذا ضرب من ضروب الانسجام الوجداني بين النص والمتلقي، فقد تشترك الكلمات في حرف واحد أو أكثر، ويكون لهذا الاشتراك فائدة موسيقيّة، وقيمة نغميّة جليلة تؤدّي إلى زيادة ربط الأداء بالمضمون (10).

والتكرار يسبغ على الألفاظ والمعاني جمالًا ورونقًا، ويعطيها زخمًا ويجعلها تمتاز بالفنية المطلقة، و(لأهمية هذه البنية الفعالة في سبك المعنى وحب الفكرة وتنغيم الإيقاع، اهتمت به القصيدة العربية الحديثة)(11)(حيث نجد أبرز الشعراء الذين ابدعوا في هذا الاستخدام ادركوا (أنّ مدى المعاني مُتسعٌ أكثر من مدى الألفاظ، وهذا يستدعي إعادة الألفاظ وتكرارها على أوجه مختلفة من الهيئات والدّلالات المجازية والرّمزية لاستيفاء المعاني) (12).

مما دعاني إلى اتباع معطيات الدراسة الأسلوبية، حيث تبحث الأسلوبية عن الخصائص الفنية الجمالية التي تميز النص بين شاعر وآخر من خلال اللغة التي استخدمها وتحاول الإجابة عن هذا السؤال: كيف يكتب الشاعر نصًا ؟ وهي تدرس النص من خلال لغته وما تعرضه من خيارات أسلوبية على شتى مستوياتها: نحوياً ولفظياً وصوتياً وشكلياً (13)، يكون التكرار من المفاهيم الرئيسية في معالجة النص الأدبي فهو وسيلة مهمة في كشف أبعاد الواقعة الأدبية في التداول الأدبي، ويمكن أن يبرز العنصر المكرر في أشكال مختلفة، فإما أن يكرر الدال مع مدلول واحد أو يتكرر المدلول الواحد مع دلالات مختلفة، مما يؤكد السمة البنيوية للتكرار في النصوص (14) .

اعتنى القدماء بهذه الظاهرة وافردوا فيها العديد من الكتب والمؤلفات، فالجاحظ (ت255 ه) يعد من أوائل العلماء الذين تحدثوا عن التكرار، كما نرى بعضهم يقَرَنَ ظاهرة التكرار بالمستمعين، فطبيعة المستمعين عنده هي الركيزة الرئيسة التي من خلالها نتعرف على إن التكرار مقيد أم غير مقيد(15)، وهذا تنبيه مبكر لنظرية التلقي، ولعل أول من طرق باب التكرار من جهة نقدية موسعة هو ابن قتيبة (ت276هـ) في كتابه (تأويل مشكل القرآن)، حيث تناول التكرار في القرآن الموافق لكلام العرب، حيث رأى أن الغرض من التكرار أما لإفادة التوكيد والإفهام، أو لإشباع المعنى والاتساع في الألفاظ إذا كان التكرار معنوياً (16). ونجد أبا هلال العسكري (ت395هـ) يشير في كتابه(الصناعتين) الى الفروق اللغوية بين الإعادة والتكرار، وملخصه () التكرار ليتوكد القول للسامع)(17).

ونجد أبا هلال العسكري (ت395هـ) يشير في كتابه(الصناعتين) الى الفروق اللغوية بين الإعادة والتكرار، وملخصه () التكرار ليتوكد القول للسامع)(18)..وقد عرف التكرار بعض المحدثين مما يوحي بشكل أولي بسيطرة هذا العنصر المكرر على فكر الشاعر أو شعوره أو لا شعوره و من ثم فهو لا يفتأ ينبثق في أفق رؤيته من لحظة لأخرى (19)، وهو (تكرار يشي بالإلحاح الذي يؤمن الإنسان البدائي بفاعليته في التوكيد والتقرير والقبول) (20)

وعرفه علي الجندي على أنه (دلالة اللفظ على المعنى مرددًا، لتأكيد غرض من أغراض الكلام المعروف من مدح وهجاء وغزل ورثاء) (21).

وستنشر المثقف اعتبارا من الغد فصولا من الدراسة التي ستصدر قريبا في كتاب.

 3207 شهادة دكتوراه

.......................

هوامش

(1) - بناء القصيدة العربية الحديثة، علي عشري زايد، مکتبة الآداب، القاهرة، ط5، 2008م، ص58.

(2) - مفاهيم نقدية، رينيه ويلك، ترجمة محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة 110،الكويت، 1987م، ص 176.

(3) - التكرار في شعر محمود درويش، فهد ناصر عاشور دار الفارس للنشر والتوزيع، عمان، الأردن ط1،2004م، ص31.

(4)- المرجع نفسه، ص 58.

(5) - انظر، قضايا الشعر المعاصر، نازك الملائكة، منشورات مكتبة النهضة، بغداد، ط3، 1967م، ص242 .

(6)- التكرار في الشعر الجاهلي، دراسة أسلوبية، موسى ربابعة، مجلة مؤته للبحوث والدراسات، العدد 1، مجلد /5،1990م،ص 160.

(7) -انظر، في بلاغة الضمير التكرار، فايز عارف القرعان، أربد، عالم الكتب الحديث، الأردن، ط1، 2010 م، ص 117.

(8) - لسانيات الخطاب مباحث في التأسيس والإجراء، نعمان بوقرة، جامعة الملك سعود، دار الكتب العلمية،بيروت، لبنان، 1971م، (د-ط)، ص157.

(9) - أسلوب التكرار بين الدرس القديم والأسلوبية الحديثة دراسة نظرية تطبيقية، عبد الحميد هنداوي، صحيفة دار العلوم، كلية دار العلوم،1999م، (د-ط)، ص91.

(10) - انظر، أبو فراس الحمداني الموقف والتشكيل الجمالي، النعمان عبدالمتعال القاضي، دار التوفيق النموذجية، مصر، (د-ط) 1981م، ص501.

(11)- فصول الشعر ونقده، شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة، ط1، 2008م، ص28.

(12) -التكرير بين المثير والتأثير، عزّ الدين علي السيد، عالم الكتب، القاهرة، ط1، 1987م، ص7.

(13)- انظر، الأسلوبية والأسلوب، عبد السلام المسدي، الدار العربية للكتاب، تونس، ط3،1982 م، ص 36.

(14)- انظر،العلاقة الجدلية بين البنية الإيقاعية والبنية الدلالية، محمد صابر عبيد، مجلة جامعة دمشق، 2014 م، ع 30/115.

(15)- انظر، البيان والتبيين، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ،تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الجيل،بيروت،ط2، 1990م، 1 /65.

(16)- انظر، تأويل مشكل القرآن، أبن قتيبة، تحقيق السيد أحمد صقر، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط2، 1973م، ص235-241.

(17)- كتاب الصناعتين (الكتابة والشعر): أبو هلال الحسن العسكري، تحقيق علي محمد البجاوي، دار إحياء الكتب العربية، مصر،ط1، 1952م، ص127.

(18)- كتاب الصناعتين (الكتابة والشعر): أبو هلال الحسن العسكري، تحقيق علي محمد البجاوي، دار إحياء الكتب العربية، مصر،ط1، 1952م، ص127.

(19) - انظر، مدخل إلى التحليل اللساني للخطاب الشعري، النعمان بوقرة، عالم الكتب الحديث، الأردن، ط1،2009م، ص73.

(20)- الأسطورة المحورية في الشعر العربي المعاصر، د. مختار علي أبو غالي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط1، 2006م، ص48.

(21)- البلاغة الفنية، علي الجندي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط2، 1966م، ص 201.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5608 المصادف: 2022-01-12 04:03:55


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5776 المصادف: الاربعاء 29 - 06 - 2022م