المثقف - أقلام ثقافية

عن الغزالة ذات المسك

اذا اشتكى شابٌ من حبيبته أو من فتاة يحبها لصديقه أو للأكبر منه سنّاً، بأنها عصية وجامحة لا تلين، أي "وكحة" يقول له "اقرالها غزالة" - اقرأ لها غزالة، وفي منظرٍ لا ينسى، رأيتُ مجموعة من الغزلان في سهل الداوودية بكريمبان، القريب من نواحي وقرى ديالى، مبهرة بحركاتها وسكونها، لدرجة طلبتُ من صياد الغزلان أن لا يرمي ،فضحك وسألني: هل تعلم كم لذيذٌ لحم الغزالة؟ قلت له لا ، قال: سنجربهُ اليوم، فعلمتُ بأنهُ لا يستطيع كبح جماح هوايته بصيد الغزلان، وخلال دقائق سمعتُ صوت الإطلاقة تصفرُ مسرعة وأثارت تراب الأخدود الصغير الذي حفرتهُ على التلة الصغيرة.

كنا نحملُ السلاح، نقاوم وحشية النظام ونصل أحياناً طوز خرماتو وقادر كرم، ومن جهة كلار نصل الى سليمان بك وسهل كريميان شبه الصحراوي، تتخللهُ واحات صغيرة، يجري فيه جدولٌ صغير أسمه « او سبي» أو الماء الأبيض، يقول اصحاب القرى القريبة منه، بأنهُ ينبعُ من عين ماءٍ قريبة من منطقة قرة داغ الجبلية بلونٍ أبيض وسرعان ما يتحول الى شكله الطبيعي، وما عدا هذه الواحات الخضراء وجدول الماء الصغير، فإن كريميان، عبارة عن صحراءٍ قاحلة، تتخللها تلالٌ صخريةٌ قليلة، أكثرُها رملية شبيهة بالكثبان الرملية غير المنتناهية للصحراء، تصيبني الدهشةُ أحياناً من هؤلاء الاكراد، فاظن بأنهم عربٌ يتكلمون بلهجة عراقية خالصة، كلهجة قرى ضواحي ديالي أو بعقوبة أو مناطق شمال بغداد، لا تشوبها أيّة لكنة، كتلك التي نسمعها من غير العرب، وسحناتهم سمراء بأكثرها، قريبةٌ من سُحن سكّان الصحارى والواحات العربية، وطالما عدنا نبحث عن الغزلان قرب الواحات الخضراء والتلال الصغيرة بكريميان، كلما سنحت لنا الفرصة، لكننا في كل مرة نصاب بخيبة أمل.. لا ندري أين اختفت الغزلان!؟ تظهرُ في مواسمٍ وتختفي في الأخرى، ولكن منظرها قرب التل الصغير، ظل عالقاً بذاكرتنا، فنعيدُ الحديث عنها، كلما خرجنا للبحث عن الغزلان أو اصطيادها ، واذا اختلف اثنان على شيءٍ ما وزعل احدهم، يقول له: « اقراله غزالة وسيقنع»، واذا اخفق احدٌ ما في الحصول على ما يريد، يقول له : اقرأ لصاحبه غزالة وللجميلة غزالة.. أي إنّ الغزالة تعويذة من الجمال والمسك، تضوع وتفتح القلوب للحب والتسامح .

الغزالة منظرها جميل وهادىء، ولكنها قلقة تقوم بحركات مفاجئة دفعاً لخطرٍ ما، ربّما ودائماً ما تنظرُ بعيداً في الأفق وعداءة لا تُبارى، تكادُ تقفزُ اثناء جريها السريع أو تفلت من الجاذبية، لسرعتها أو تلامس الأرض خِفافاً، تصلُ سرعة الغزالة الى 90 كم بالساعة، حساسة، تلتقط الأصوات من بعيد، لكن سرعان ما تعود لطبيعتها الهادئة، وهناك من يضعها على نقيض الأرنب، يقول : تريدُ غزالة خذ أرنباً.. على التساوي والتناقض، لكن لا شبه بينهما ، والغزالة بذاكرتنا كأطفال، كائنٌ وديع، لا يؤذي بعينين يفوق سوادهما أقواس البياض الشفيف،عينان مضيئتان ومتوجستان كأنهما على وشك البكاء، أحياناً لا استطيع أو يصعبُ تخيل الطبيعة بدون الغزالة أو لا معنى للطبيعة بدون الغزالة أو جمالها غير مكتملٍ بدون الغزالة، كبيتٍ بلا إنارة أو إنارتهُ ضعيفة وشحيحة أو جبلٌ بدون كهوف وأشجارٌ أو نهر بدون مسنّات أو واحة خضراء بدون عين ماء،

وفي الاسطورة الإيزيدية، تقترنُ الغزالةُ بالمسك، وتتركه على شكل حبيبات مسكية، تضوع طيلة العام، وتحرص الغزالة على وضع حبيبات المسك على سطح الثلج الأبيض مع بداية كل شتاء، قد تكون قصة حقيقية أو خيالية أو أسطورة من الأساطير التي تعبّرُ عن فولكلور وجذور وثقافة كتلك الأساطير التي تتميز بها الاقوام والشعوب وأساطير الطوائف، وتعبّر عن ثقافتها وخصوصيتها كذلك، حين يصطحب الجد في الأسطورة الإيزيدية أو في القصة الحقيقية أو الخيالية حفيده مع بواكير نزول الثلج على قمم الجبال البعيدة وسفوحها، يطلبُ منه الهدوء.. ينتظرُ الغزالة المتوارية، يراقبُ الجد حفيدهُ المنبهر بمنظرها على الثلج، متخفية، يظلُ يراقبها كاتماً أنفاسه الى أن تنثر حبيبات المسك على الثلج مع كل خطوة من خطواتها، وتتوارى عن الانظار، ويبقى المكان يضوعُ برائحة المسك المنبعث من الحبيبات المنثورة على الثلج، وبعد اختفاء الغزالة يلتفتُ الجد الى حفيده، ليعيده من شروده وتأمله ودهشته، كأنهُ يقول له : يا لك من محظوظ.. رأيت الغزالة المسكية أو ذات المسك .. في يومٍ ما شممت مسكها الفواح مع بواكير نزول الثلج على القمم والسفوح على الجبال التي يقطنها الإيزيديون أو الجبال التي كان يقطنها الاباء والاجداد من قبل،

وفي ادبنا العربي القديم والحديث أو في جميع عصوره، ما لا يحصى من القصائد عن الغزالة والأبيات الشعرية أو «المها» تتغزلُ برشاقتها وعيونها وجمالها الفاتن .. يا لجمال الغزالة ورشاقتها وفتنتها ..عيون المها بين الرصافة والجسر ..

وهذه تكملة لبعض قصيدة علي بن الجهم "عيون المها" :

عيون المها بين الرصافة والجسر   جلبن الهوى من حيثُ ادري ولا ادري

اعدن لي الشوق القديم و لم اكن       سلوت ولكن زدتُ جمراً على جمرِ

سلمن، واسلمن القلوب، كأنما         تشك بأطراف المُـثـقـفـةِ السمرِ

خليلي، ما احلى الهوى، و أمـرَّهُ       و أعرفني بالحلو منه و بالمُر

بما بيننا من حُرمةٍ هل علمتما         ارق من الشكوى، واقسى من الهجرِ

وأفضح من عين المُحب لسِـرهِ       ولاسيما إن اطلقت عبرةً تجري

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3235 المصادف: 2015-07-15 00:44:06